
|
تطوير التعليم أم تطوير المجتمع؟ |
في لقائه معنا بمدينة مبارك للتعليم في مطلع صيف العام الماضي, حثنا السيد الدكتور وزير التربية والتعليم علي الكتابة للصحف وشرح أبعاد التغيير في النظام التعليمي وضرورته لتقدم أمتنا, وقال لنا أنتم تمثلون الكتلة الحرجة بين عنصرين متناقضين يتفاعلان داخل النظام التعليمي وكنا قد عدنا من بعثات تعليمية إلي بريطانيا وأمريكا وفرنسا وأصبح يطلق علينا المشاركون العائدون وحثنا سيادته علي تكوين رابطة خاصة بالمبعوثين وكان يقصد طبعا أن تكون هذه الرابطة أداة من أدوات تبادل الخبرات بين المبعوثين الأمر الذي لم يستوعبه بعض الزملاء الذين تحمسوا له لمجرد الرغبة في الشعور بالتميز عن بقية خلق الله من المعلمين المصريين الذين لم يذهبوا في بعثات, ولقد شعرت بالخوف حينها, واعتبرت ذلك خطرا علي وحدة الحركة النقابية للمعلمين المصريين ولا سيما بعد أن خرج من بين الزملاء المبعوثين من يطالب الوزير بعلاوة مالية خاصة بالعائدين من البعثات, وكأنه لم يكتف بما أنفقته الدولة عليه خلال الشهور التي قضاها بالخارج, مكمن الخطر هو أن الأمر تحول برمته إلي مجرد الحصول علي ميزات مادية أو ترقيات استثنائية, المهم أنني عدت بعد هذا اللقاء حزينا علي ما آل إليه حال المعلمين المسئولين عن رعاية عقول أطفال وشباب مصر, ولكن علي أية حال ها أنا ذا أستجيب لنداء السيد الوزير بما أنني مهموم بما آل إليه حالنا كمعلمين وآباء. بداية إذا كنا قد اتفقنا علي أن قضية التعليم هي قضية أمن قومي, فهل يتسق ذلك مع أوضاع غالبية المعلمين الذين يحصلون علي مرتبات هزيلة جعلت معظمهم لا يفكرون إلا في استغلال وظيفتهم من أجل الحصول علي ضرورات المعيشة, وبرع البعض منهم فتحولوا إلي أباطرة دروس خصوصية, أما من فشل في السباق فانضم إلي فلول المحبطين والرافضين فشكلوا ظروفا مثالية ورعاية غير مسبوقة لظواهر التعصب الديني واغتيال العقل مستفيدين من المناهج الضحلة التي لا مجال فيها للمشاركة والإبداع ومن نظم الامتحانات التي لا تقيس سوي القدرة علي الحفظ والتلخيص, وبذلك تضيع كل الجهود المبذولة من أجل التطوير طالما أن القياس يعتمد في النهاية علي الامتحان النهائي بغض النظر عن سلوكيات الطالب طوال العام الذي يحضر إلي المدرسة في أي وقت يشاء من أجل الغياب فقط بعد أن تكون الدروس الخصوصية قد أرهقته. الأمر الثاني الذي أود مناقشته, هو أننا نحمل نظام التعليم في مصر فوق طاقته حين نعتبره سببا في تدهور أوضاعنا العامة بينما يمكننا القول أن ما أصاب نظامنا التعليمي هو نتيجة مباشرة لما أصاب المجتمع من عواصف أودت بقيم المثابرة والاجتهاد وأحلت محلها معايير أخري كالشطارة والفهلوة والدعاية, فلم يعد التفوق في التعليم يشي بحصول الفرد علي مكانة متميزة أو وظيفة مرموقة لأن المكانات والوظائف المهمة أصبحت حكرا علي أبناء أصحاب النفوذ والمناصب والثروات, ويكفي أن يشعر الطالب بذلك لكي يصبح فردا محبطا مكتئبا أو لكي يسعي لأن يكون ذئبا أو خادما للذئاب. وهكذا يغتال الإحساس بالمسئولية الاجتماعية ولا يبقي في نفوس الطلاب سوي الشعور بالخوف من المستقبل وبدلا من أن يصبح النمو هدفا باعثا علي الفرح والتفاؤل يتحول إلي كابوس ينذر بالأزمات, ولذا لم أندهش حين كنت أناقش طلابي عن تصورهم للمستقبل فوجدت بعضهم يحلم بالهجرة والبعض الآخر يحلم بأن يصبح ضابطا في الشرطة, أما أبناء أساتذة الجامعة وأبناء المسئولين الكبار ورجال الأعمال, فكانوا يبتسمون بثقة من يعرفون أن أماكنهم محجوزة بعد أن جعلها آباؤهم حكرا عليهم تاركين الوهم وأحلام اليقظة للفقراء والسذج, وراعني أن أحدا منهم لم يقل أنه يريد أن يصبح معلما بالرغم من أن بعض المدرسين أصبحوا مليونيرات.
سمير الأمير ـ شاعر مصري- المنصورة |
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|