326‏السنة 123-العدد2003يونيو21‏21 ربيع الثانى 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

أمريكا متألهة في الأرض وتعيد المنطق الفرعوني
ينتقم الله من ظالم بظالم‏:‏ سلط بوش علي صدام‏!‏

إعداد‏:‏ د‏.‏ حسن علي دبا


بعد أن هدأت الأحداث التي مرت بها الأمة الإسلامية هدوءا نسبيا‏,‏ فإن الفقيه المعاصر لابد أن ينظر إلي ما جري وما يجري ببصر وبصيرة في ضوء النص الشرعي‏,‏ فلا شك أن الحدث العراقي حدث تاريخي‏,‏ يمكن أن يصوغ مستقبل الأمة في فترات قادمة‏,‏ كيف يكون النظر الشرعي لما كان‏,‏ وما هو كائن‏,‏ وما هي السنة الإلهية التي نفهم من خلالها مجريات الأمور‏,‏ هذا وغيره هو ما أجاب عنه د‏.‏ يوسف القرضاوي ردا علي أسئلة القراء هذا الأسبوع‏,‏ بدأ إجاباته قائلا‏:‏
إن القوة تحكم العالم‏,‏ ليست قوة القانون‏,‏ لكنها قانون القوة‏,‏ فالقوي هو الذي يفرض نفسه اليوم‏,‏ ويملي إرادته ويطالب الجميع أن يسمعوا ويطيعوا‏,‏ فلقد صممت أمريكا علي أن تغزو العراق وتحتلها هي وحلفاؤها‏,‏ ووقف العالم كله ضدها حتي في قلب أمريكا‏,‏ وفي أوروبا‏,‏ سارت مسيرات بالملايين تقول‏:‏ لا للحرب علي العراق‏,‏ لكنها أصرت علي موقفها‏,‏ ودخلت وغزت واحتلت وليضرب الآخرون برؤوسهم عرض الحائط إن شاؤوا‏!‏ الناس يقولون القادر فاجر فأمريكا قادرة‏,‏ لكنها لا تملك الإيمان ولا الضمير ولا الأخلاق‏,‏ تفعل ما تشاء‏,‏ إنه منطق فرعوني يقول للناس‏:‏ ما أريكم إلا ما أري‏,‏ وما أهديكم إلا سبيل الرشاد‏,‏ إنه التأله في الأرض لا تسأل عما تفعل‏,‏ لكنها تسأل الآخرين‏,‏ ولا يستطيع أحد أن يسألها إنه منطق التأله‏.‏
كيف يري الشرع الإسلامي سقوط نظام صدام حسين؟
كان صدام حسين أحد الظلمة الطغاة في هذه الأرض‏,‏ وفي أرضنا العربية والإسلامية‏,‏ وأحمد الله أني لم أقل فيه كلمة مدح قط‏,‏ لا قبل الحرب ولا بعدها‏,‏ ومنذ زمن طويل‏,‏ لأني ضد كل حاكم ظالم مستبد‏,‏ ضد كل دكتاتور طاغية‏,‏ هؤلاء هم الذين يقتلون الشعوب‏,‏ بل إن هذا الطغيان هو الذي مهد لدخول الأمريكان والبريطانيين إلي المنطقة‏,‏ وهو الذي سبب ما سبب من قبل في حرب الكويت‏,‏ وحرب العراق‏,‏ إنه الظلم والطغيان‏,‏ ولابد للظالم من نهاية‏,‏ الناس يقولون‏(‏ يا ظالم لك يوم‏)‏ والله تعالي يمهل ولا يهمل‏,‏ والرسول صلي الله عليه وسلم يقول‏:‏ إن الله ليملي للظالم حتي إذا أخذه لم يمهله‏.‏
‏ ما مفهوم الإمهال الذي يقصده الحديث؟
أي يرخي له العنان‏,‏ يمهله أياما‏,‏ ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر‏,‏ وقد تلا الرسول صلي الله عليه وسلم بعد هذا الحديث قوله تعالي‏(‏ وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القري وهي ظالمة‏,‏ إن أخذه أليم شديد‏),‏ وأحيانا يكون الإملاء بإحداث النعم للظالمين وإغداق الرزق عليهم حتي يظنوا أن الله نسيهم‏,‏ وأن القدر تركهم‏,‏ فيزدادون طغيانا وفسادا‏,‏ ثم تأتي القارعة الإلهية‏,‏ يقول الله تعالي‏:(‏ فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتي إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون‏,‏ فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين‏)‏ سلط الله أمريكا وهي ظالمة علي صدام وهو ظالم وحزبه ظالم‏,‏ وهكذا ينتقم الله من ظالم بظالم‏,‏ وقد قالوا‏:‏ الظالم سيف الله في أرضه ينتقم به‏,‏ ثم ينتقم منه‏.‏
‏ ما الدرس الشرعي من عملية نهاية ظلم وسقوط ظالم؟
لعل الظلمة والطغاة الذين يعيثون في الأرض فسادا‏,‏ والذين يظلمون شعوبهم والذين يستذلون الرقاب والذين يهدرون الكرامات‏,‏ والذين يعطلون الحريات‏,‏ والذين يدوسون علي أعناق الشعوب بأقدامهم‏,‏ لعل هؤلاء الطغاة يكتسبون من هذا درسا‏,‏ ويتعظون بأن مصيرهم هو مصير هذا الطاغية الظلوم‏,‏ ليت الظلمة والطغاة في ديارنا العربية والإسلامية يعتبرون بما حدث لصدام حسين‏,‏ فالدائرة عليهم‏,‏ والأيام المقبلة ستنذرهم بسوء عواقبهم‏(‏ وتلك الأيام نداولها بين الناس‏),(‏ وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون‏)‏ فإن دموع الثكالي والباكين لا تضيع عند الله‏,‏ وإن دعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام ويفتح لها أبواب السماء‏,‏ ويقول الرب‏:‏ وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين لن تذهب دعوات المظلومين سدي‏,‏ فلابد أن تعمل عملها في يوم قد يكون قريبا‏,‏ قال تعالي‏(‏ انهم يرونه بعيدا ونراه قريبا‏),‏ فلعل الظلمة حيثما كانوا يعتبرون بمصير هذا الظالم الكبير‏,‏ فالدور عليهم والقدر لا يحابي‏,‏ وسنن الله تعمل مع الناس جميعا‏,‏ وما جري علي ظالم يجري علي آخر‏,‏ فلم تغن عن صدام أسلحته ولا جيشه ولا حزبه ولا قصوره التي شيدها من أموال الشعب العراقي ولا مخابئه ولا‏..‏ لم يغن عنه شيئا‏,‏ ولم يبك عليه أحد‏.‏
قال تعالي‏:(‏ كم تركوا من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم‏,‏ ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قوما آخرين‏,‏ فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين‏).‏
‏ من الظالمين إلي أسري الحرب‏:‏ ما المراد بشد الوثاق في آيات سورة محمد؟
يقول تعالي‏(‏ فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتي إذا اثخنتموهم فشدوا الوثاق‏,‏ فإما منا بعد‏,‏ وإما فداء حتي تضع الحرب أوزارها‏)‏ المراد بشد الوثاق‏,‏ هو الأسر‏,‏ ولكن لا ينبغي أن يكون هم المقاتلون من أول الأمر أسر العدو‏,‏ بل يجب أن يكون الهدف الأول هو إضعاف قوتهم وتحطيم شوكتهم‏,‏ ولا سيما أن الأسر فيه مظنة ابتغاء الدنيا بالفداء بالمال‏,‏ وبعد تحقق هذا في الإثخان والإضعاف يسوغ للمقاتل أن يأسر ما شاء‏,‏ بل هو مأمور بهذا‏(‏ فشدوا الوثاق‏)‏ إذ ليس سفك الدماء هدفا في ذاته من أهداف الإسلام‏,‏ فليس في الإسلام ما في التوراة من و جوب ضرب جميع الذكور بحد السيف إذا تمكنوا منهم‏,‏ فلا مجال لأسر ولا شد وثاق‏.‏
جاء عن الحسن البصري أنه لا يحل قتل الأسير صبرا‏,‏ وإنما يمن عليه أو يفادي‏,‏ أخرج ذلك الطبري عنه وأبو جعفر النحاس‏,‏ واستدل بقوله تعالي‏(‏ فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتي إذا اثخنتموهم فشدوا الوثاق‏,‏ فإما منا بعد وإما فداء‏)‏ وهذا قول الضحاك والسدي وهو قول عطاء‏.‏
وفي مقابل هذا القول من قال‏:‏ لا يجوز في الأساري من المشركين إلا القتل‏,‏ ولا يجوز أن يؤخذ منهم فداء‏,‏ ولا يمن عليهم‏,‏ وجعلوا قوله تعالي‏(‏ فإما منا بعد وإما فداء‏)‏ منسوخا بقوله تعالي‏(‏ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم‏)‏ قال النحاس‏:‏ هذا قول قتادة ومروي عن مجاهد‏.‏
وهناك قول ثالث‏:‏ أن الآيتين جميعا محكمتان‏,‏ وهو قول ابن زيد‏,‏ قال النحاس وهو صحيح جيد بين‏,‏ لأن إحداهما لا تنفي الأخري‏,‏ قال تعالي‏(‏ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم‏)‏ أي خذوهم أسري‏,‏ للقتل أو المن أو الفداء‏,‏ فالإمام ينظر في أمور الأساري علي ما فيه الصلاح‏(‏ أي للمسلمين‏)‏ من القتل أو المن أو الفداء‏,‏ وقد فعل هذا كله الرسول صلي الله عليه وسلم في حروبه‏,‏ فقتل عقبة بن أبي معيط‏,‏ والنضر بن الحارث أسيرين في يوم بدر‏,‏ ومن علي قوم‏,‏ وفادي بقوم وقيل له‏,‏ يوم فتح مكة‏:‏ إن ابن خطل يتعلق بأستار الكعبة‏,‏ فقال‏:‏ اقتلوه‏,‏ وهو في عداد الأسري‏,‏ وقد أمر بقتله‏,‏ وعمر أراد قتل أبي سفيان قبيل فتح مكة لولا أن أمنه العباس‏,‏ وهذا اختيار الطبري الذي رد النسخ‏,‏ لإمكان الجمع بين الآيتين‏,‏ والنسخ لا يصار إليه عند تعذر الجمع بوجه من الوجوه‏,‏ قال‏:‏ وغير مستنكر أن يكون جعل الخيار في المن والفداء‏,‏ والقتل إلي رسول الله وإلي القائمين بعده بأمر الأمة‏*‏
في الحلقة القادمة
هل يجوز إهدار دم كل بعثي في العراق؟