326‏السنة 123-العدد2003يونيو21‏21 ربيع الثانى 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

‏200‏ امرأة وأبناؤهن يصرخون‏:‏ نريد حلا

أرامل صدام حسين‏!‏

تحقيق‏-‏ أسامة الدليل


في فوضي فراره الغامض‏..‏ تعمد ديكتاتور العراق صدام حسين أن يخلف من ورائه هدية للرئيس الأمريكي جورج بوش‏..‏ شخصيا‏!!..‏ وهي أعجوبة حقيقية‏..‏ تتدلي منها مصائر أكثر من‏200‏ أرملة كلهن مصريات يعشن فوق التراب المصري مع عدد كبير من اليتامي العراقيين الذين أكل القائد العروبي المهيب أموالهم بالباطل‏..‏ بعد أن استشهد أزواجهن العراقيين في الحرب العراقية الإيرانية التي خاضها لحساب أمريكا‏..‏ وتركهم بعد مغامرة غزوالكويت يقتاتون من الشعارات البعثية علي مدار‏13‏ سنة‏..‏ قبل أن يفر بجلده في النهاية ويسلمهم إلي جارنر ومنه إلي بريمر الذي بدد آمالهن نهائيا في الحصول علي ميراثهن الشرعي وحقوق أولادهن اليتامي التي أقرها الله في شرائعه السماوية
والأرامل المصريات اللواتي حبسن أنفسهن علي أولادهن‏..‏ ولم يتزوجن من بعد استشهاد أزواجهن أواغتيالهم علي أيدي زبانية صدام‏..‏ لسن علي استعداد للوقوف علي باب المحتل وهن أحرار‏..‏ ولسن في حاجة لسؤال حق أقره الله وحجبه صدام‏..‏ لكن المؤكد أن الرئيس جورج بوش الذي يجهل كثيرا من أحكام الشريعة الإسلامية سيقع في هذا الفخ الذي نصبه له صدام حسين في السماء والأرض‏..‏ ما لم يعمل وبسرعة علي دفع المستحقات المتأخرة لهؤلاء الأرامل وأيتامهن‏..‏ وهي مستحقات لن تزيد بحال علي ثمن صاروخين توما هوك‏.‏
وبالرغم من أن آخر معاش حصلت عليه الأرامل المصريات قمن بصرفه من فرع بنك الرافدين بالقاهرة كان عن شهر يونيوعام‏1990..‏ إلا أن رجاءهن في تحسن الأحوال كان وراء الاستجابة لطلبات السفارة العراقية فيما يتعلق بدفع البدل النقدي عن تجنيد أبنائهن في الجيش العراقي‏,‏ وهوبدل لم يكن يقل بحال عن‏3‏ آلاف دولار أمريكي‏..‏ دفعته الأرامل المصريات‏-‏ من اللحم الحي‏-‏ لأبنائهن حتي لا يحرمهم صدام من مستحقاتهم التي كان يحبسها عنهم بدعوي أن العراق تحت الحصار وأنه سيدفع ما عليه للأيتام والأرامل حين ميسرة‏..‏ وبحسب وعود صدام حسين شخصيا لبعض الأرامل اللائي تمكن من دخول العراق بصحبة وفود شعبية مصرية سافرت للتضامن مع العراق ونظامه في الفترة التي سبقت الحرب‏..‏ فهذا الحين ميسرة كان تحديدا عندما ترفع العقوبات عن العراق‏..‏ وهوما لم يكن ليحدث أبدا وهوفي السلطة‏..‏ وكان هونفسه يعلم ذلك جيدا‏..‏ وكان يعلم أن الأرامل يدبرن أحوالهن في ظروف صعبة‏..‏ في الوقت الذي كان يخفي فيه الدولارات في خزائن حديدية عثرت عليها القوات الامريكية بعد فراره في حظائر للكلاب بضواحي بغداد‏..‏ وكان يقول لبعضهن علنا مع أول بئر بترول سيعمل ستحصلن علي مستحقاتكن‏..‏ بينما كانت بونات البترول تذهب إلي المرتزقة هنا وهناك لشراء دعم سياسي رخيص‏..‏ علي حساب يتامي العراق في مصر من أبناء الشهداء العراقيين‏!!‏
وبعد رحيل صدام‏,‏ وصدور قرار بول بريمر بحل وزارة الدفاع العراقية وضياع الأرشيف العراقي بالتالي وهوالارشيف الذي يسجل مستحقاتهن من المعاش التقاعدي للشهداء‏..‏ طرقن كل الأبواب وبأيديهن المنهكة كل الوثائق والمستندات التي تثبت أحقيتهن في المعاش وإرث أولادهن‏..‏ طرقن باب السفارة العراقية التي لم يعد فيها من يجيب‏..‏ والجامعة العربية التي لا تعرف لحكومة العراق ممثلا حتي اليوم‏..‏ والخارجية المصرية التي لم تكن في يوم من الأيام طرفا في القسمة والنصيب التي دبرت لهن الزواج من عراقيين‏..‏ ومفوضية الأمم المتحدة التي نفضت يدها من برنامج النفط مقابل الغذاء وتركت للقط الأمريكي مفتاح الكرار في بغداد‏..‏ بل وشكون حالهن في رسالة للرئيس المصري حسني مبارك كي يعينهن كوالد لكل المصريين‏..‏ ولكنهن أبدا لم يطرقن باب السفارة الأمريكية أوالبريطانية في القاهرة‏..‏ فهن‏-‏ كما تقول إحداهن‏-‏ في النهاية بنات بلد‏..‏ لن يقفن علي باب سفارة قوة الاحتلال لبلد عربي مسلم‏..‏ ولا يمكن لومهن علي ذلك بأي حال من الأحوال‏.‏
تصوروا أن يمثل الرئيس الأمريكي في لجنة امتحان مصداقية أمام الحاجة أم خالد‏..‏ وهواسم الشهرة للمربية الفاضلة السيدة زينب عيد محمد‏58‏ سنة وهي التي دفعت أفدح الأثمان لأنانية صدام حسين وتلاعبه بمصائر مواطنيه وخسته في التعامل مع أبناء الشهداء‏..‏ لقد تعرفت أم خالد علي زوجها منفي صيمود الحمدان عام‏1966‏ وكان يعمل وقتها في القيادة الموحدة للجيوش العربية في القاهرة‏..‏ وكانت درجته العسكرية آنذاك نائب ضابط بالجيش العراقي‏..‏ ولعبت المصادفة دورها في أن يتعرف علي واحد من بلدياتها وأن يتم القبول وأن يكون من قسمتها وتكون من نصيبه‏..‏ بعدها سافر الزوجان للعراق وأقاما في بغداد‏..‏ لتنجب أولادها كلهم هناك خالد ووليد وإيمان‏..‏ وسارت الأمور بشكل طيب إلي أن استشهد زوجها في‏28‏ ديسمبر عام‏1980‏ في بداية الحرب العراقية الايرانية علي الحدود في المنطقة الشمالية العراقية‏..‏ وبعد ذلك‏..‏ وكأي أرملة مصرية تعيش في غربة وحرب‏..‏ قدمت طلبا لتحويل معاش الشهيد إلي القاهرة لتستقر بأولادها بين أخوالهم في مصر‏..‏ ولتحبس كل عمرها علي تربيتهم وتعليمهم‏..‏ وكان معاشها يصل إلي القاهرة مجمعا مرة كل‏3‏ أشهر وكان المعاش بالتمام والكمال هو‏680‏ دولارا أمريكيا‏..‏ وظلت تصرفه من بنك الرافدين بانتظام إلي أن حل شهر يونيوعام‏90..‏ وبعد هذا التاريخ كان الرد لمدة‏13‏ سنة هو‏..‏ ما فيش‏!!‏
السيدة زينب لها مستحقات أرملة شهيد في ذمة صدام الذي خلع نفسه بنفسه‏..‏ فلها قطعة أرض باسم أولادها في منطقة العامرية وسيارة صالون ومستنداتها في يد محامي عراقي يدعي أحمد وليد العاني‏..‏ منذ الاول من أبريل عام‏2002‏ وحتي اليوم‏..‏ ولم تصل لشيء‏..‏ ومن المثير أن السفارة العراقية كانت تطالبها سنويا بألف جنيه مصري لتجديد جوازات سفر أولادها‏..‏ وقد دفعت‏3050‏ دولارا للسفارة في القاهرة ليحصل ابنها الأكبر خالد علي الاعفاء من التجنيد في الجيش العراقي‏..‏ وعندما كانت تسأل عن مستحقاتها الشرعية ومستحقات أولادها كان أعضاء بعثة الشيطان المهيب في القاهرة يصرفون لها من الشعارات والوعود الكاذبة ما يكفي لملء المحيط‏..‏ دون أن تحصل علي مليم واحد من مستحقاتها التي بلغت حتي وقت كتابة هذه السطور‏114.240‏ الف دولار امريكي وهورقم يقترب من المليون جنيه مصري‏!!‏
المشكلة الأصعب التي ستواجه الإدارة الأمريكية في العراق تكمن في امتحان أمام السيدة بثينة حسنين‏..‏ التي عاشت في العراق‏21‏ سنة في واحد من أرقي قصور بغداد زوجة للعقيد إبراهيم عبد الرحمن الشيخلي الذي تقول عنه إنه كان رجلا مثاليا وإنها عاشت في كنفه أروع أيام عمرها وإنها أوقفت عمرها علي ولدها وعلي ذكراه وفاء لخلقه الكريم‏..‏ ولقد مات زوجها في حادث سيارة غامض ومروع عام‏1989..‏ وقد تم رصد معاش تقاعدي لها من وزارة الدفاع العراقية التي ألغاها بريمر فور توليه مهامه كحاكم مدني للعراق‏..‏ وتقول السيدة بثينة إنها خرجت من العراق بصعوبة عام‏1990‏ مع ابنها الذي أتم تعليمه الجامعي في جامعة القاهرة‏..‏ ولكن بمنتصف‏90‏ أيضا انقطع معاشها الذي كان مقداره‏3‏ آلاف دولار أمريكي شهريا وهومعاش يتوازي مع رتبة زوجها العسكرية العالية‏..‏ ومن المثير أن معاشها كان يودع باسمها في بنك الرافدين بالعراق فرع ملعب الشعب في بغداد برقم الحساب التقاعدي‏..1102425017‏ ربما لتظل رهينة هي وولدها ببغداد‏(!!..‏ ولكن بعد يونيو‏90‏ بات عليها أن تتقدم للسفارة العراقية سنويا لتدفع لهم رسوما مقابل استخراج شهادة تفيد أنها مازالت علي قيد الحياة‏..‏ دون أن يصرف لها مليم واحد‏..‏ وكأنه ضرب جديد من التعذيب‏..‏ فما جدوي أن تعلم حكومة البعث العراقي أن أرملة العقيد لازالت حية ترزق دون أن تصرف حقوقها الشرعية في ميراث زوجها وحقوق ابنها اليتيم في معاش أبيه ؟‏!!‏
لكن المفاجأة المدهشة‏..‏ كانت في متن تلك الشهادات الصادرة عن السفارة العراقية بالقاهرة‏..‏ وفي إحداها كانت الشهادة تحمل بعضا من درر الركن المهيب‏..‏ إذ صدرت الشهادة وعلي رأسها مقولة له‏-‏ لا فض فوه‏-‏ تقول ضميرك وعقلك سلطانك‏..‏ وليس لسانك وهواك‏,‏ فاربط لسانك بعقلك واجعل ضميرك رقيب هواك‏..‏ وهي دعوة صريحة لممارسة القمع الذاتي وعدم التفكير في الشكوي وإقامة رقابة ذاتية‏..‏ حتي ولوكان المعني بالكلام مصرية حرة لا تخضع لترهات البعث العراقي‏..‏ وفي شهادة أخري‏-‏ وللبجاحة‏-‏ كان مطبوعا علي صدر الشهادة لا تستهن بالبسيط الذي يصيب سمعتك‏..‏ إذ كم من حصاة صغيرة حطمت زجاجا كبيرا والتوقيع السيد الرئيس صدام حسين حفظه الله‏..‏ انظروا من يتكلم ؟‏!!‏
النموذج الجدير بالانتباه بالفعل هي السيدة فاطمة رمضان إبراهيم‏47‏ سنة وقد تزوجت من رجل عراقي حر بكل معاني الكلمة‏..‏ تعرفت عليه عندما كان يدرس اللغة الألمانية في القاهرة وتزوجته عام‏1978..‏ وكان صدام حسين في ذلك الوقت يشن حملة مسعورة ضد مصر وشعبها بسبب اتفاقات كامب ديفيد‏..‏ ومع ذلك أصر علي أن يصطحب زوجته معه إلي العراق حيث كان يمتلك مصنعا للأحذية‏..‏ وكان عربيا أبيا يرفض الضيم‏..‏ لذلك لم يكن يحب أن تكون له صلة بأي جهاز حكومي عراقي‏..‏ لدرجة أنه اضطر لعمل بطاقة تحقيق شخصية عندما حان موعد التحاق أولاده بالمدارس‏..‏ ورغم أنه كان قد دفع بدلا مقداره‏100‏ دينار عراقي حتي لا يخدم في جيش صدام‏..‏ إلا أنه تم استدعاؤه للخدمة الاحتياطية في الجيش أثناء الحرب العراقية‏-‏ الإيرانية‏..‏ ولقد استشهد في‏8‏ يوليوعام‏1988..‏ أي قبل انتهاء الحرب بشهر واحد‏!!‏
وتقول السيدة فاطمة إن المسئولين في العراق أعطوها مستحقاتها ومعاشها لمدة عامين قبل أن تتخذ قرارها بأن يتربي أولادها في مصر وأن تطلب تحويل معاشها ومعاش اليتامي القصر إلي القاهرة‏..‏ وهكذا عادت في يونيو‏90‏ المشئوم لتقدم لأولادها في المدارس المصرية ومنذ أن استقرت في مصر وهي لم تحصل علي مليم واحد من المعاش المقرر لها شهريا ومقداره‏550‏ دولارا‏..‏ ولقد سعت لمقابلة صدام ولكنها لم تتمكن من لقائه‏..‏ ومن يومها والإجابة التي تحصل عليها سواء من السفارة أومن بنك الرافدين في القاهرة هي ما تلاقيش‏..‏ وهكذا لم يكن أمام الأم المجاهدة إلا أن تنزل سوق العمل وأن تعمل في مجال الطباعة‏..‏ ولقد تمكنت من تربية وتعليم أبنائها علي أفضل ما أمكنها بالكفاح ليل نهار‏..‏ ولكن أولادها لا يجدون فرصة عمل في مصر لسبب بسيط‏..‏ أنهم أجانب‏!!‏
لكن أخطر ما قالته لنا السيدة فاطمة أن من بين أرامل صدام حسين في مصر السيدة زنوبة زوجة العالم الكبير يحي المشد الذي اغتالته المخابرات الاسرائيلية‏..‏ وأنها كانت رفيقتهم في مشاوير العذاب رغم أنها مقيمة بالاسكندرية‏..‏ وأنها بدورها لم تحصل علي مليم من صدام حسين‏..‏ بدعوي أن العين بصيرة وأن يد صدام قصيرة‏!!‏
في عيون السيدة زينب زين العابدين‏-43‏ سنة‏-‏ من التحدي والإباء ما لا يمكن أن يطيقه أحد‏..‏ وهي أرملة لشهيد عراقي توفي في معركة تاج المعارك في‏15‏ مارس عام‏1985‏ أثناء الحرب ضد إيران وكان مجندا احتياطا‏..‏ ولقد تعرفت عليه وتزوجته في القاهرة عام‏1976‏ وكانت في هذا الوقت طالبة بالصف الثاني الثانوي‏..‏ ثم سافرت لتعيش معه في البصرة‏..‏ وهناك أتمت دراستها وتخرجت في معهد المعلمين وعملت معلمة لأبناء الشعب العراقي تعلمهم قيم الحرية والإباء المصرية‏..‏ وفي البصرة أيضا أنجبت كل أولادها‏..‏ وبعد استشهاد زوجها بنت لأولادها بيتا في البصرة بمستحقاتهم ولا يزال البيت قائما للآن‏-‏ ما لم تكن طائرات التحالف قد أصابته‏-‏ علي طريق بغداد مقابل مديرية النفط ومديرية الصحة في البصرة‏..‏ ولقد ظلت تحصل علي معاشها بانتظام من داخل العراق‏..‏ وكانت حريصة علي أن تكون علاقة أولادها قوية بأعمامهم الذين كانوا لها كالأهل تماما‏..‏ ولكنها مع الوقت استشعرت احتياج أبنائها للتعليم في مصر والتربية علي ترابها فعادت في شهر إبريل عام‏87‏ بعد أن حصلت علي موافقة بتحويل راتبها التقاعدي ومعاش زوجها إلي أن حل يونيو‏1990‏ فانقطعت حقوق اليتامي وحقوقها‏..‏
والمعاش الذي كانت تحصل عليه كانت قيمته‏1070‏ دولارا شهريا‏..‏ ولأنها تتسم بروح المقاتل فقد كانت وراء التخطيط للحركة الجماعية للأرامل في القاهرة وهي التي تتصدر حركتهن واتصالاتهن مع الجهات المسئولة‏..‏ وقد قالت لي‏:‏ حقي كمواطنة مصرية أن أطالب حكومتي بحقوقي وحقوق أولادي‏..‏ وأنا أطالب السادة المسئولين بعد رفع العقوبات عن العراق بأن يطالبوا لنا بحقوقنا من الإدارة المدنية الأمريكية في العراق بقيادة بريمر‏*‏