
|
الإرث الصعب |
 | |
ممدوح عدوان بمعزل عن الصحافة والسياسة والأيديولوجيا نستطيع أن نتساءل: ما الذي ورثناه عن الأنظمة التي اتفق علي تسميتها بالأنظمة الشمولية؟ هذه الأنظمة كان لديها اجتهاد ـ أو وهم ـ أنها تبني الاشتراكية. ولكي تحقق ذلك كان لابد لها من تغييرات أساسية في بنية المجتمع وتركيب مؤسساته. ولما كانت هذه التغييرات جديدة علي المجتمع, كان لابد شيء من القسوة لمقاومة التشويش الذي تسببت فيه الحرب الباردة, وما نجم عنها من حرب إعلامية بين المعسكرين. وكانت المجتمعات الاشتراكية تقبل تلك المساومة: شيء من التنظيم الجديد مقابل التنازل عن شيء من الحرية. فنال القمع حرية الصحافة والتنظيمات والعمل والتفكير والكتابة والكلام. ولم يتحقق التنظيم الجديد الذي وعدوا أنفسهم به. وإذا كان الأمر قد احتاج إلي نصف قرن لاكتشاف أن المساومة كانت لصالح الحكومات وعلي حساب الشعوب في تلك البلدان, وأن الناس قد قبلوا بالتضحية بحرياتهم لقاء ذلك الرهان علي المستقبل, فإن بلدان العالم الثالث التي تعرضت لانقلابات عسكرية تحت اسم الثورات, وتحت شعارات إضافية مثل تحرير الأرض أو الاقتصاد, قد بدأت حياتها السياسية من حيث انتهت إليه تجارب البلدان ذات الأنظمة الشمولية. بدأت بالقمع ودون وجود أية فرصة للتحقق مما سيناله المجتمع من جراء تنازلاته. ونستطيع التوقف عند ظاهرة بسيطة متعلقة بنوع أعمالنا. فالأنظمة الشمولية القزمة ورثت فكرة التنظيمات النقابية( وبينها منظمات الكتاب والصحفيين والفنانين). وكان من الطبيعي أن يتواكب ذلك مع بروز فكرة الرقابة وإلغاء المبادرات الذاتية وتمت السيطرة علي الأوضاع من خلال وزارة الإعلام. ومع تفاقم السيطرة والانصياع لضرورات المرحلة تم إلغاء كل ما له علاقة بحرية الرأي والتعبير وتحولت النقابات إلي قوة قمعية في يد السلطة أكثر مما هي أداة تنظيم شعبية. وصارت الحكومة تتدخل في تشكيل مجالس النقابات مثلما تتدخل في تنظيم أية قوة أمنية لديها. ومع وجود فكرة الحزب الحاكم صارت النقابات فرعا من فروع الأمن الفكري والثقافي تخضع في نشاطاتها كلها لما تراه تنظيمات الحزب والظروف الأمنية. وفي الوقت ذاته ظلت هذه النقابات توحي بأنها البديل الفعلي عن أي تحرك جماهيري عفوي أو منظم فلدي السلطة شعار مخادع: ماذا يريدون؟ المجتمع كله منظمات ويستطيع أيا كان ممارسة حريته ومبادراته من خلال هذه التنظيمات القائمة. فهناك منظمات للفلاحين والطلاب والشباب والفنانين والصحفيين والكتاب وما إلي ذلك. وبلغ الأمر بقيادات الظل أن صارت ترسم السياسة اليومية لهذه المنظمات. وصار الموعودون في المراكز القيادية فيها واثقين أكثر من الضباط المقبلين علي الترفيعات. ولقد حدث لأحدهم حادث طريف في هذا المجال, إذ تطاول مدير إحدي المؤسسات علي بعض موظفيه. فلجأ ببساطة إلي مجلس النقابة لينقل شكواه, لكنه فوجيء بأن المجلس التنفيذي للنقابة مؤلف من المدراء العاملين للمؤسسات المعنية, وحين نوقش الأمر هناك خرج الجميع بأن هذه ظاهرة شغب يجب القضاء عليها فضوعفت العقوبة علي العاملين. وحين أبلغوا بالقرار احتجوا بأنه من غير اللائق أو المنطقي أن يكون المكتب التنفيذي مشكلا بهذه الطريقة, فإذا كان رب العمل هو ممثل العاملين في النقابة فإلي من يلجأ الموظف المظلوم إذن؟ وهذا ما زاد المجلس يقينية بأن هذا الشغب قابل للاستفحال ولذلك حولوا المشتكين إلي عبرة إذ وضعوا الشرطة العسكرية علي مداخل أمكنة العمل لتمنع هؤلاء المشاغبين من التحرك.
|
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|