
|
العودة إلي نقطة البداية...! |
 | |
د. عبد المنعم سعيد لم يمض وقت طويل بعد موجة من التفاؤل في أعقاب قمتي شرم الشيخ والعقبة فيما يخص عملية تسوية الصراع العربي ـ الإسرائيلي إلا وعاد التشاؤم مرة أخري. وربما بات هناك قانون حاكم لهذه التسوية وهو أنه كلما لاحت إمكانات عالمية وإقليمية تدفع في اتجاهها فإن النتيجة تكون فورا زيادة العنف وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا, وعودة التوتر مرة أخري إلي المنطقة. والحقيقة هي أن المبادرة السياسية مهما كانت حنكتها وقوتها لا تتحقق وحدها, أو تضع نفسها موضع التطبيق, وإنما تحتاج إلي كل الجهود الدولية لدفعها, وإرادة كل الأطراف لأخذها إلي هدفها, والأهم من ذلك كله الاستعداد لتخصيص الموارد من الوقت والمال, وأحيانا السلاح لكي تصل إلي منتهاها. كان ذلك هو الحال في كل المبادرات الكبري في التاريخ, ولولا أن الرئيس السادات استمر في تعبئة القوي, والقيام بعشرات من العمليات الفرعية الأخري لاستمرار قوة الدفع وراء مبادرته لفقدت قوة دفعها وانتهت إلي ما انتهت إليه كل المبادرات الأخري لتسوية الصراع العربي ـ الإسرائيلي. ولا يختلف الحال مع آخر المحاولات المعروفة بخريطة الطريق والانطلاق بها من النظرية إلي التطبيق, ومن وثيقة وضعتها اللجنة الرباعية المكونة من الولايات المتحدة والاتحاد الروسي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي إلي خريطة سياسية في الشرق الأوسط. ولمن لا يعرف أو يتذكر فإن أصول هذه الخريطة تعود إلي الخطاب الذي ألقاه الرئيس جورج بوش يوم22 يونيو2002 وفيها قال بضرورة حل الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي من خلال إقامة دولة فلسطينية مستقلة تقوم إلي جانب الدولة الإسرائيلية. والفكرة تستند إلي قرار التقسيم القديم لعام1947 الذي قام علي فكرة الدولتين, ولكن الأيام والغزوات الإسرائيلية والحماقات العربية قلصت من مساحة الدولة الفلسطينية المحتملة حتي باتت تقتصر علي الضفة الغربية وقطاع غزة. وكان مجلس الأمن الدولي قد سبق وأصدر القرار1397 في2 مارس2002 مطالبا بإقامة الدولة الفلسطينية, وبالتالي تحركت الشرعية الدولية من خلال ما عرف بمجموعة الأربعة أو الكوارتيت لكي تحقق هذا الهدف من خلال خريطة توضح المراحل العملية التي من خلالها يتم تحرير فلسطين. المرحلة الأولي تعود بالأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة إلي ما كانت عليه في28 سبتمبر2000, أي نعود إلي نقطة البداية فتقف الانتفاضة وتنسحب إسرائيل علي حيث كانت. والمرحلة الثانية تعد الأطراف للمرحلة النهائية من خلال دولة فلسطينية مؤقتة, وفي المرحلة الثالثة يتم تحديد الوضع النهائي ونصل إلي نهاية الطريق!!. وإذا كان الطريق الأمريكي إلي خريطة الطريق قد فتح الأبواب لبعض التفاؤل في المنطقة, ومهما كان الطريق إلي خريطة الطريق غير معبد بالمرة بل كان ممتلئا ومزدحما بالعواصف والنار والدخان خلال الحرب الأمريكية في العراق, فقد كان ما بعدها من مسيرة ملبدة بما هو أكثر. فقد تعرضت الخريطة فورا إلي عدد من الاختبارات التي وضعتها كلها موضع التساؤل خلال فترة قصيرة للغاية, وكان الاختبار الأول قادما من إسرائيل التي استمرت في تصرفاتها البربرية تجاه الشعب الفلسطيني فاستمرت في عمليات الضغط العسكري كما لو أنه لا يوجد مسيرة سلمية وبالتالي أوجدت حالة من التوتر وأجواء العنف خلال الفترة التي تلت قمتي شرم الشيخ والعقبة. ومن ناحية أخري كان إعلان إسرائيل عن وجود تحفظات لها علي خريطة الطريقة تصل إلي أربعة عشر تحفظا مدعاة إلي الشك في النوايا الإسرائيلية كلها خاصة فيما يتعلق بالاستيطان الذي أعلن فورا عن استمراره حتي ولو جاء مع ذلك الإعلان عن تفكيك عدد من المستعمرات الوهمية الصغيرة للغاية. ومن ناحية ثالثة فإن التصريحات والإعلانات الإسرائيلية قبل القمم وبعدها قامت أساسا علي التشكيك في قيادة محمود عباس ـ أبو مازن ـ للمسيرة الفلسطينية, وقدرتها علي الوفاء بالالتزامات الفلسطينية, ووضعها بين شقي رحي, فهي من ناحية محرومة من قوات أمنية فعالة, ومن ناحية مطالبة بتحقيق ما عجزت القوات الإسرائيلية عن تحقيقه. الاختبار الثاني جاء من الجانب الفلسطيني, فقد جاء رد الفعل من فصائل المعارضة الفلسطينية ـ ممثلة في منظمات حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وعدد من المنظمات الصغيرة الأخري ـ عنيفا لخطاب أبو مازن في قمتي العقبة وشرم الشيخ علي أساس أنه فرط في النضال الفلسطيني. والحقيقة أن خطاب أبو مازن لم يزد إطلاقا علي ترديد ما جاء من التزامات فلسطينية في خريطة الطريق, وبالتالي فإن موقف المعارضة كان بدوره إعلانا عن الرفض لخريطة الطريق والتسوية من الأساس. ومن ناحية أخري فإن هذه الحركات خاصة حماس ما لبثت أن دخلت في عمليات انتقامية متبادلة مع الإسرائيليين وكانت النتيجة هي العودة مرة أخري إلي نقطة الصفر. وربما كانت الإشكالية في عملية التسوية راجعة ليس فقط إلي أن القوي الراديكالية لدي الطرفين لديها فرصة هائلة دوما لأخذ كل الأطراف إلي نقطة البداية, وإنما أيضا إلي أن القوي الدافعة للتسوية لا تستخلص الدروس المناسبة في الوقت المناسب. فقد قامت المحاولة الأخيرة للدفع في اتجاه التسوية علي أساس أن الطرفين قد وصلا إلي نقطة الإجهاد السياسي والمعنوي وحتي العسكري مما يدفعهما إلي طريق التسوية, ولكن الحقائق تثبت أن الحال ليس كذلك وأن الطرفين لديهما من مخزون النضال والقوة والرغبة في الانتقام والإخضاع لأهداف الحد الأقصي ما يكفي لاستمرار الصراع. وقامت التسوية أيضا علي أن الولايات المتحدة وقد عادت إلي الشرق الأوسط برئيسها وإدارتها منتصرة بعد الحرب العراقية فإنها سوف تكون قادرة علي فرض هذه التسوية ـ وبالقوة إذا استلزم الأمر ـ ومهما كان موقف الأطراف منها. وكانت الحقيقة غير ذلك تماما, فرد الفعل الأمريكي سواء إزاء التحفظات الإسرائيلية أو لما جري من القوات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية خاصة محاولة اغتيال الرنتيسي ورفاقه ـ المتحدث باسم حماس ـ كان ضعيفا للغاية مما جعل رد الفعل الدامي من قبل حماس في القدس متوقعا, وبعد ذلك كان الرد الإسرائيلي الأكثر دموية في غزة, وهكذا دارت العجلة الانتقامية الجهنمية مرة أخري. وأخيرا فقد قامت التسوية علي أساس أن القوي العربية المعتدلة سوف تعمل علي توفير الأجواء المناسبة للعملية من خلال مجموعة من المبادرات, وبالفعل فإن خطاب الرئيس مبارك حول نتائج القمة نقطة بداية, كما أن جهود السيد عمر سليمان رئيس المخابرات العامة المصرية من أجل وقف لإطلاق النار بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني تعمل من أجل ذلك, ولكن فيما عدا هذه الجهود المصرية فإنه لم توجد جهود عربية أخري. كانت النتيجة النهائية لكل ذلك أن مبادرة خريطة الطريق تعرضت للقتل حتي قبل أن توجد علي الأرض!!.
|
|
|
|
 |
|
للرد على المقال أضغط هنا
|
 |
|
|