
|
الفكر الإسلامي والأزمة: كسر حالة الحصار |
 | |
نبيل عبد الفتاح أود أن أشير بداية إلي عدد من الاعتبارات, تتطلب من القوي الفكرية الإسلامية والعربية الإصلاحية ـ علي اختلاف انتماءاتها الفكرية والدينية والسياسية ـ أن تواجهها بصراحة وصرامة منها ما يلي: 1ـ إن غالب الخطاب الديني ـ علي اختلاف أنماطه وتقسيماته الوعظية والفقهية والأيديولوجية والدعوية.. إلخ ـ يعاني من الجمود في المقولات, واللغة, والاصطلاحات, ويعيد صياغة إنتاج آراء وفتاوي, وتأويلات قديمة ومغرقة في جمودها, بل وتتنافي مع اكتشافات العلوم الحديثة. إن إعادة إنتاج واستعارة خطاب بشري حول الدين الإسلامي الحنيف مع محمولاته من الأفكار الشائعة في عصرها علي أنها هي العلم وحقائقه, تمثل اتجاها في التعليم والإفتاء الديني, يمكن وصفه بالخطورة والجمود علي عمليات تشكيل الوعي الديني, والقرار التعليمي الديني ذاته. إن غالب الخطاب الديني يحتاج إلي دراسة نقدية, ومراجعات شاملة تتطلب ضبطه وإصلاح بنياته, ومنطقه, وموضوعاته, وإشكالياته, وقضاياه. 2ـ إن النزاعات وتوظيفات الدين سياسيا في إطار تعدد وتناقضات مواقع القوة داخل المؤسسات والسلطات الدينية, أدي إلي المزيد من التشدد والعنفف اللغوي بل عنف الخطاب الديني الرسمي إزاء بعضه بعضا في بعض البلدان العربية والإسلامية. أن النزعة إلي التشدد في إنتاج الفتاوي والرؤي المغلقة التي تسود المنافسات والصراعات حول المكانة والسلطة الدينية داخل المؤسسة الرسمية, أثرت علي صورتها بين أتباعها من الجمهور المسلم. 3ـ إن نظرة علي بعض الفضائيات العربية تكشف عن أشكال أخري من حروب الفتاوي ـ كما أطلق بعضهم عليها ـ بين بعض شيوخ المسلمين علي نحو أصبح التشدد سمة طرائق في التفكير الديني, وعلي نحو مفارق لمشكلات معقدة تواجهها المجتمعات الإسلامية والعربية. 4ـ إن قائمة أولويات بعض أنماط الخطابات الدينية ـ الوعظية والإرشادية والفقهية والإفتائية ـ تشير إلي بعض الأولويات التي لا يعكسها واقع المشكلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والروحية التي يواجهها المسلمين المعاصرين في حياتهم اليومية, وفي علاقاتهم مع العالم. 5ـ الأزمات التي تواجه بعض الخطابات الدينية الإسلامية العربية, وبعض المؤسسات الدينية التعليمية, تتطلب إصلاحا هيكليا علي المستويات الدينية التنظيمية, ومضمون السياسة التعليمية ومناهجها, وأيضا الخطاب الديني ـ من حيث بنيته وآلياته ـ وهو أمر طالما طالب به بعض المجددين, والمثقفين قبل حوادث11 سبتمبر2001, وقبل أن تطلب الولايات المتحدة الأمريكية, إصلاح التعليم الديني في بعض البلدان العربية كالسعودية.. إلخ. 6ـ ثمة من الجماعات الإسلامية, وبعض الدعاة والوعاظ يحاولون إقامة تناقض بين التعددية السياسية, والديمقراطية, وبين الإسلام, بما يؤدي إلي خلق تناقضات في الضمير المسلم والمعاصر إزاء النظم السياسية في الدولة ـ القومية الحديثة, لا سيما أن بعض المجتمعات العربية والإسلامية لا تتوافر فيها الشرائط التاريخية والاجتماعية والثقافية للدولة ـ الأمة. أن هذا الاتجاه هو جزء من استراتيجيات عمدية للتشويش علي الحداثة السياسية والقانونية وإقامة تعارضات بينها, وبين الإسلام كثقافة, وقيم.. إلخ. 7ـ إن بعض الأجهزة الإعلامية الغربية تعيد إنتاج صور سلبية ونمطية عن الإسلام والمسلمين والعرب, وبعض هذه الصور يتغذي من مصادر عديدة ينتجها العرب والمسلمون وتنطوي علي جوانب سلبية ومسيئة. أن بعض الخطاب الرسمي, واللا رسمي السائد في بعض البلدان العربية, لايزال يعيد إنتاج نظرية المؤامرة حتي لا يستطيع التصدي لجذور المشكلات التي تحيط بنا, ومن داخلنا, وتحتاج إلي البحث الدقيق, وشجاعة المواجهة من السلطات السياسية والدينية والثقافية القائمة, لكن بديلا عن مواجهة الذات, وتحمل المسئوليات نضطر إلي إسنادها علي عاتق الآخرين, ظهر هذا في العالم العربي بعد كل هزيمة, وكل تدهور, وآخرها ما ترتب علي أحداث11 سبتمبر.2001 8 ـ ثمة انقسامات مذهبية تسود عالم الإسلام والمسلمين, وتراجعت نزعة التقريب بين المذاهب وذلك لأسباب تاريخية وقومية ونزاعات عديدة بين البلدان الإسلامية. إن أحد أهم الأسباب تعود إلي طبيعة بناء المذاهب, وبناء المكانة والسلطة داخلها, الأمر الذي يقف عائقا ـ ضمن عوائق أخري ـ إزاء التفاعل الفقهي, والتطوير المتبادل, عبر الحوار الفقهي الإيجابي والبناء بين مذاهب الفقه الإسلامي علي اختلافها بهدف تطوير بني المدارس الفقهية, ومناهجها التفسيرية والتأويلية والأفتائية في إطار الاجتهاد. هذا الاتجاه سعي إليه الأمام الأكبر الشيخ محمد مصطفي المراغي وأستاذنا الأمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت, مع سماحة العلامة محمد تقي القمي. السؤال الذي نعيد طرحه كيف يمكن كسر الحصار الراهن, حول صور الإسلام والمسلمين النمطية بعد أحداث11 سبتمبر2001, وغيرها من العمليات الإرهابية؟ تبدو محاولة الإجابة بالغة الصعوبة في ظل الأوضاع الراهنة لحالة غالب الفكر الإسلامي السائد عموما, والأوضاع السياسية والثقافية في العالم العربي وفي الدول الإسلامية, ومع ذلك نحاول إبداء بعض الأفكار العملية فيما يلي: 1ـ المبادرة بالدعوة إلي مجلس للحوار الإسلامي ـ الإسلامي يتجاوز التحيزات المذهبية, ويحاول أن يدير حوارات حول القضايا الأساسية, ويتشكل من عناصر إصلاحية سواء من رجال الفقه, وبعض المثقفين من ذوي الاهتمامات بتطور الفكر الديني من عدد رئيسي من البلدان العربية, والإسلامية. ولا يقتصر هذا المجلس علي قائمة أعمال إسلامية ـ إسلامية فقط, وإنما يشتمل علي قضايا الحوار الديني ـ الديني, والمذهبي مع المسيحية الشرقية, والآسيوية علي اختلافها كنائسها ومذاهب والأديان الوضعية, علي وجه العموم. 2ـ تشكيل مجلس عالمي للشئون الدينية, من بين عناصر إصلاحية من بين رجال الفقه والدعوة الإسلاميين, والمسيحيين تكون من مهامه مناقشة القضايا الخاصة بالمواطنة, والعلاقات الدينية التي تدور حول الحياة المشتركة داخل كل المجتمعات الإسلامية, ويبلور رؤي وقواسم مشتركة ذات اتجاهات تجديدية وإصلاحية, تخاطب مجتمعاتها, بل وتمد جسور الحوار مع الكنائس الكبري والأديان المختلفة في عالمنا. أن الحوار وآلياته يرمي إلي بلورة قيم كونية مشتركة, تؤسس علي احترام العقائد والأديان والحريات الدينية لاتباع الديانات علي اختلافها, ولإشاعة القيم الأخلاقية الكونية الجديدة. 3ـ المبادرة بإصدار مجموعة من البيانات تناقش علي أوسع نطاق في الدوائر الإسلامية, ترمي إلي بدء حوار تاريخي مع المؤسسات الدينية الغربية والآسيوية والإفريقية والأمريكية اللاتينية, فضلا عن إطلاق بيانات جديدة حول إصلاح أوضاع المرأة في كثير من البلدان العربية والإسلامية, التي لاتزال تفرض سياجات علي دورها كفاعل اجتماعي وسياسي مساو للرجل تماما. ليس هذا فحسب, بل وبيانات حول الإسلام والمواطنة والحريات الدينية, والإسلام والديمقراطية, ونظم التمثيل البرلماني, وحقوق الإنسان. 4ـ إصدار مجلة شهرية ـ ذات طابع شبه أكاديمي ـ تدير الحوار بين الأديان والثقافات تصدر بلغات عديدة تحاول عبر أعمال التقاليد والمعايير الأكاديمية, والبحثية, أن تكون منبرا لحوارات أوسع نطاقا بين العالم العربي, والإسلامي, والثقافات الأخري. 5ـ إنشاء موقع علي الشبكة الدولية للمعلومات ـ الإنترنت ـ لإدارات الحوارات, وإصدار البيانات باسم المجلس الإسلامي الإصلاحي الجديد.
|
|
|
|
 |
|
للرد على المقال أضغط هنا
|
 |
|
|