
|
بعد احتلالها للعراق.. تضخم الدور الإقليمي لإسرائيل أمريكا ترغب في أن يفهم العالم أنها القوة الأعظم |
 | | جنود أمريكا حول العالم .. بدأت الإمبراطورية |
د. أحمد عبدالحليم عضو المجلس المصري للشئون الخارجية نتيجة للحرب ضد العراق, تغيرت أوضاع عالمية وإقليمية كثيرة, وأثبتت الولايات المتحدة للعالم كله أنها قادرة علي تنفيذ قراراتها السياسية والإستراتيجية والعسكرية منفردة, بل وجر أطراف أخري عالمية وإقليمية إلي تنفيذ إرادتها العسكرية, إلا أنه علي الجانب الأمني تبين للولايات المتحدة ضرورة توسيع قاعدة الاشتراك الدولي في المرحلة التالية للحرب, وإعادة تفعيل دور الأمم المتحدة بالقدر الذي يتناسب وأهدافها في المنطقة وفي العالم. تراوحت ردود فعل الولايات المتحدة الامريكية ضد الدول التي عارضتها من مرحلة الاستعداد للحرب, وهي بصفة خاصة روسيا الاتحادية, وألمانيا, وفرنسا, ففيما يخص روسيا الاتحادية, ونتيجة لقصور الولايات المتحدة لدور هذه الدولة في المستقبل, قررت الولايات المتحدة التغاضي عن الدور الروسي السابق, بل وزيادة الارتباط والتعاون مع روسيا الاتحادية, وربطها بعجلة التفاعل مع الدول الغربية, ومع الولايات المتحدة بصفة خاصة, وانطبق هذا الموقف بشكل أو بآخر علي الموقف الألماني, لاعتبارات سياسية وإستراتيجية واعتبارات خاصة بدور ألمانيا من حلف الأطلنطي الذي أعادت الولايات المتحدة ترتيبه خلال الاحتفال الخمسيني للحلف في واشنطن في أبريل1999, وقررت الولايات المتحدة إعادة صياغة العلاقات الأمريكية ـ الألمانية, ووضع ألمانيا في موقف محايد أولا, ينتقل إلي وضع أكثر إيجابية تدريجيا, كلما استجابت ألمانيا للتغييرات الأمريكية في الإطار الأوروبي من المرحلة القادمة, أما فرنسا فكان وضعها مخالفا لهذا التوجه, حيث بدت واضحة نية الولايات المتحدة لفرض بعض العقوبات عليها, وضرب عزلة سياسية حولها, ويرجع ذلك إلي الموقف الذي هددت فيه فرنسا باستخدام حق الفيتو من مرحلة محاولة استصدار الولايات المتحدة لقرار جديد من مجلس الأمن يخولها حق اللجوء لاستخدام القوة المسلحة ضد العراق, وانتظرت باقي الأطراف الأوروبية, والعالمية, في إطار التغييرات السياسية الجديدة التي فرضتها الولايات المتحدة علي العالم. وفيما يخص العراق, فقد كان التخطيط السياسي والعسكري الأمريكي يهدف إلي انتهاء المرحلة العسكرية بحالة من الفوضي, تكون هي ذاتها الأرضية السياسية التي تبدأ علي أساسها الولايات المتحدة ممارسة دورها السياسي في العراق, والذي يهدف في نهاية الأمر إلي بقاء السيطرة الأمريكية ـ السياسية والعسكرية ـ علي العراق لفترة طويلة قادمة, وعلي هذا الأساس, عينت الولايات المتحدة الجنرال جاي جارنر حاكما سياسيا وعسكريا للعراق, وبعد فترة قصيرة عينت بدلا منه السفير بريمر, وهو الأمر الذي اعتبره البعض فشلا أمريكيا سياسيا, وحقيقة الأمر, فإن التخطيط السياسي الأمريكي تجاه العراق لايزال كما هو, وأن التغييرات التي تجريها الولايات المتحدة تخضع لاعتبارات داخلية وانتخابية تخص الرئيس الأمريكي, وليس نتيجة لفشل من التخطيط والسياسة الأمريكية, وإن كان ذلك يتأثر ببعض الاعتبارات سوف نشير إليها في فترة تالية. وقد صاحب ذلك تغيرات جيوإستراتيجية وجيوبوليتكية في منطقة الشرق الأوسط بصفة عامة, ومنطقة الخليج بصفة خاصة, كان أهمها من الناحية الجيوبوليتكية, تغير مراكز الثقل السياسي لدول المنطقة في المنظور الأمريكي, ومن الناحية الجيوإستراتيجية إعادة تمركز القيادات والقوات الأمريكية في منطقة الخليج, وفي هذا الإطار, نقلت الولايات المتحدة معظم القيادات المتقدمة للقيادة المركزية الأمريكية إلي دولة قطر, ونقلت مركز الثقل الرئيسي للوجود البري إلي داخل العراق, ويتواءم هذا التغيير مع أهداف الولايات المتحدة السياسية في المنطقة, والذي تسعي خلالها إلي إعادة ترتيبها طبقا لتوجهات الولايات المتحدة, كما يؤثر بالضرورة علي إعادة توزيع مركز ثقل الوجود السياسي والعسكري الأمريكي في مسارح العمليات الأخري وينعكس ذلك بالضرورة علي إعادة التوازن داخل حلف الأطلنطي لتلافي الصعوبات السياسية التي واجهتها الولايات المتحدة قبل بدء العمليات العسكرية, وعلي انتقال مراكز الثقل السياسي والعسكري الأمريكي إلي منطقة آسيا, وهي المنطقة شديدة الأهمية لسياسة وإستراتيجية الولايات المتحدة العالمية, خاصة مع وجود خصم آخر لها في المنطقة, وهو كوريا الشمالية في المرحلة الآنية, والصين بشكل عام. ونتج عن ذلك بعض التطورات المصاحبة, منها زيادة الدور الإقليمي لإسرائيل وبذل الجهود الحالية لحل مشاكلها في المنطقة, والتطورات المقترحة فيما يخص مجلس التعاون الخليجي, وفيما يخص هذا التطور الأخير, ظهرت بعض التوجهات لتكبير حجم العضوية في المجلس بإضافة دول جديدة, أولا العراق الجديد بعد استقراره داخليا, ثم اليمن والأردن, فإذا حدث ذلك فإنه يعتبر تغييرا جيوبوليتكيا غاية في الخطورة من جوانب متعددة, فهو يمس وضع جامعة الدول العربية من جانب, كما أنه تطبيق عملي غير معلن لفكرة إحلال نظام شرق أوسطي جديد محل جامعة الدول العربية من جانب آخر, ويعتبر ذلك من زاوية أخري تطبيقا لفكرة إحداث تغييرات جوهرية في الشرق الأوسط تتواءم مع فكرة بقاء القوات الأمريكية لفترة طويلة خلال المستقبل المنظور علي الأراضي العراقية. والولايات المتحدة مصرة علي استمرار التغيير في العراق وفي الشرق الأوسط حتي الآن, لكن قد يؤثر علي هذا التخطيط الأمريكي عدة اعتبارات, الاعتبار الأول يتعلق بصعوبات سياسية ـ داخلية وخارجية ـ قد تواجه الولايات المتحدة مع الرأي العام الأمريكي من ناحية, ومع أصدقائها وحلفائها من ناحية أخري, بينما يتعلق الاعتبار الثاني بحدوث خسائر أمريكية ـ مادية وبشرية ـ مستمرة ومتدرجة في التصاعد, تعيد إلي ذهن الرأي العام الأمريكي تجربة فيتنام, وتؤثر بالضرورة علي القرار السياسي الأمريكي بهذا الشأن, ويتعلق الاعتبار الثالث بصعوبات اقتصادية داخلية متصاعدة, تجعل من تكلفة هذه السياسة عنصرا في زيادة تردي الوضع الاقتصادي الأمريكي الداخلي, وإن كانت الولايات المتحدة تعول كثيرا علي النفط العراقي لإعادة التوازن في الاقتصاد الأمريكي, وفي تغطية تكلفة نفقات التواجد العسكري الأمريكي في الخارج, وفي كل الأحال, يبقي هذا العنصر مهما, ويتطلب المتابعة القريبة لقصور الشكل النهائي لهذه الفكرة.
|
 | | الدبابات الأمريكية فى شوارع بغداد .. رعب للأطفال والشيوخ العراقيين |
ولن تستطيع الولايات المتحدة ـ ولفترة طويلة قادمة ـ إعادة استخدام قواتها العسكرية مرة أخري ضد دولة أخري في المنطقة بنفس الأسلوب الذي تم ضد العراق وتعتمد بدلا من ذلك علي تداعيات سياسية وإستراتيجية تؤثر علي شكل المنطقة في المستقبل, وتتعرض منطقة الشرق الأوسط, والتوازن الإقليمي داخلها إلي تغيرات حادة ظاهريا إلا أن واقع المنطقة يشير إلي أن هذه التغيرات في حالة سيولة وإمكانات التأثير حاليا علي التغيرات الجارية ممكنة, إلا أن الأمر يزداد صعوبة كلما مر الوقت, وثبتت هذه التغيرات بمضي الزمن, خاصة فيما يخص استقرار الأوضاع في منطقة الخليج, أو فيما يخص تسوية الصراع العربي ـ الإسرائيلي, أو التحديد الجديد لأدوار بعض دول الجوار غير العربية التي يأتي علي رأسها تركيا وإسرائيل, خاصة أن الدعم الأمريكي لإسرائيل في هذه المرحلة التاريخية مطلق, سواء لاعتبارات داخلية أمريكية, أو لرغبة الولايات المتحدة في دعم موقف إسرائيل الإقليمي الذي تحقق به أهداف إسرائيل وأهداف الولايات المتحدة في نفس الوقت. وتبقي لدينا دولتان في إطار هذه البانوراما السياسية للشرق الأوسط, هما إيران وسوريا, في المرحلة التاريخية القريبة الحالية, فالموقف الإيراني شديد الحرج, حيث إنها تستشعر أنها الهدف التالي للسياسة الأمريكية في منطقة الخليج, لزيادة تأمين إسرائيل, وتحقيق الأهداف الأمريكية في الشرق الأوسط, وإيران في حالة دفاع عن النفس وظهرها للجدار ـ كما عبر عن ذلك بعض المسئولين الإيرانيين ـ كما أنها تسعي لتجميع عناصر المقاومة ضد السياسة الأمريكية, وإعادة إنشاء بعض التحالفات لدعم الموقف الإيراني في مواجهة أهداف الولايات المتحدة, وأكبر تعبير عن هذه الفكرة جولة الرئيس خاتمي الأخيرة في بعض الدول العربية, وتعرض إيران علي الدول العربية فكرة إنشاء نظام للأمن الإقليمي يعتمد علي القوي الإقليمية تستبعد خلاله أي قوي أخري خارجية( خاصة الولايات المتحدة) كما تقترح إنشاء مجلس أمن إقليمي يضم دول المنطقة, وتديره القوي الكبري مندون أن يكون لها حق الاعتراض( الفيتو) ولكن يبقي هذا التخطيط السياسي الإيراني في مجال التنظير حتي الآن, لاعتبارات متعددة أهمها المواقف العربية المختلفة وتجاه الولايات المتحدة بصفة خاصة, وبعض التخوفات العربية ـ خاصة من بعض دول الخليج ـ تجاه الطموحات السياسية الإيرانية. وتبقي سوريا تحت دائرة الضوء, فالضغوط السياسية الأمريكية المتعددة تمارس علنا ضد سوريا لتحقيق الأهداف الإسرائيلية والأمريكية, والاتهامات الأمريكية جاهزة, فسوريا لديها أسلحة تدمير شامل, كما أنها تأوي جماعات إرهابية, وتتواجد عسكريا في لبنان, وتتضاعف الضغوط علي سوريا نتيجة لوضعها الجيواستراتيجي الجديد, ووضعها الجغرافي المعاصر حاليا, إسرائيل, وتركيا, والعراق الجديد, والأردن الذي اتخذ قراره السياسي بموالاة الولايات المتحدة. ويبقي السؤال المهم في هذا المجال وهو: هل تؤثر هذه المتغيرات كلها علي مصر؟ والإجابة الفورية عن هذا السؤال هو بالإيجاب, فالمتغيرات الحادثة أثرت علي الأوضاع العالمية والأوروبية, وعلي التوازنات في منطقة الشرق الأوسط وأخطرها المؤثرات الاقتصادية التي طالت مصر بالضرورة, إلا أن مصر تحاول موازنة مواقفها من عدة أبعاد, فهي تحاول الموازنة بين التزاماتها العربية والإقليمية من جانب, وضرورة الوجود في مراكز اتخاذ القرار السياسي العالمي من جانب آخر, ومن زاوية أخري, تجري مصر العديد من التغيرات في السياسات الداخلية بمختلف صورها, حتي تتواءم مع متطلبات التغيرات علي المستوي الدولي, ورغم ذلك من الضروري أن تتابع مصر المتغيرات الإقليمية والدولية, وأن تستغل السيولة الحالية فمن التداعيات السياسية والإستراتيجية لإحداث التأثيرات المطلوبة في القرار الدولي. وخلاصة الأمر, فإن الأحداث السياسية والعسكرية الأخيرة, أدت إلي تغيرات سياسية جوهرية في الشرق الأوسط وفي العالم كله, ووضعت قواعد جديدة للعبة السياسية علي الجميع التواؤم معها, والأمور لم تستقر سياسيا بعد, ولكن شواهدها بدت ظاهرة للعيان, فعلي المستوي الدولي, مازالت الولايات المتحدة في موقعها الدولي السابق, قوة سياسية متفردة علي قمة النظام العالمي, ومازالت التفاعلات الأوروبية مستمرة لموازنة مصالحها العالمية والتواؤم مع السياسات الأمريكية, وبدأت روسيا والصين وكوريا الشمالية في الإقرار بالواقع السياسي الجديد والتعامل معه, والتفاعلات في الشرق الأوسط مازالت جارية, وإن كانت التغيرات الحادثة عميقة وجذرية, تتطلب تفهمها والتعامل مع الواقع الجديد* |
|
|
 |
|
|
 |
|
|