326‏السنة 123-العدد2003يونيو21‏21 ربيع الثانى 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

بغداد تصحو علي آلاف القصص المرعبة
أحد البعثيين ذهــب إلي الآخرة حيا بثلاثين مليون دينار عراقي

امراة عراقية وحيدة فى مواجهة الأسلحة الأمريكية الفتاكة

رسالة بغداد ـ ندي عمران


بعد أن حطت الحرب أوزارها‏,‏ رأينا بغداد تكشف عن وجهها برماد أسود‏,‏ لقد كان عويل الحرب قاسيا مؤلما‏,‏ كان مدججا بأصابع الأبرياء‏,‏ وعالقا فوق مدينة منكوبة‏,‏ وإذ بدأ نداء الحرية يجهر بسلطان ثائر‏,‏ فإن الثمن كان باهظا لا يحتمل‏,‏ فقد انتبهت بغداد فوجدت نفسها تعيش فوق آلاف القصص الإنسانية التي مازال سيلها يجري في طريق مبهم‏,‏ وزمن غامض مجهول‏,‏ وتظهر كل هذه القصص فوق مشهد تبدو فيه دبابة أمريكية تجثم علي بعد أمتار من عائلة تبكي عزاء فقيدها‏.‏
لقد صار البغداديون يرددون أن مصائب الآخرين‏,‏ كانت عزاء لمصائبهم‏,‏ وهكذا ليشترك الناس جميعا في تسديد ثمن الحكاية البائسة‏,‏ التي بدأت حزينة‏,‏ ويبدو أنها ستظل هكذا بناء علي سيناريو مفكك وهزيل لم يترك للمشاهدين فرصة التقاط الأنفاس‏,‏ أو فسحة من الأمل لتظل الحكاية سوداوية إلي النهاية‏.‏
بداية الحكاية كانت عند قريبتي آلاء صالح الشابة التي باركت زواجها قبل أقل من ثلاثة أشهر‏,‏ وكانت قد اتصلت بي بعد زواجها لتقول لي بإنها سعيدة مع زوجها أحمد في مسكنها الجديد‏,‏ وفي يوم الحادي عشر من أبريل أي بعد انتهاء الحرب أصرت آلاء علي أن تزور والدتها في بيتها بجانب الكرخ‏,‏ فأخذها أحمد بسيارتهما‏,‏ ثم قيل إن أحمد لم ينتبه إلي وجود مفرزة أمريكية علي الطريق في ساحة عنتر في منطقة الأعظمية‏,‏ وظل يسير حتي أوقفهما الجندي ولكن بزخات من الرصاص‏,‏ فقتل أحمد وقتلت آلاء علي الفور‏.‏
كانت المشكلة أن الجثتين بقيتا في السيارة التي جنحت علي الطريق بالقرب من الدبابة لمدة ثلاثة أيام حتي تبرع أحد المارة بدفنهما‏,‏ ولم تظهر بدايات القصة‏,‏ إلا بعد أكثر من عشرة أيام من جارة آلاء التي قيل إن آلاء استأمنتها علي المنزل حتي تعود من زيارة والدتها‏.‏
إن قصة أحمد وآلاء لم تكن إلا شكلا مماثلا لعشرات القصص من هذا النوع راح ضحيتها عدد كبير من المواطنين‏,‏ بهذا المشهد نفسه‏,‏ السيارة تتجاوز الخط المسموح به فينهال عليها الرصاص ويموت من فيها‏,‏ وقد مات في سيارة واحدة عشرة أشخاص علي الطريق بين الحلة وكربلاء‏,‏ وتعرض مواطن يدعي سالم نومان من مدينة بغداد إلي الموت عندما كان متجها إلي منزله في أحد أحياء بغداد‏,‏ وقتل معه ابنه البالغ من العمر خمس سنوات ولم يعثر عليهما إلا بعد عدة أيام‏.‏
أما عائلة السيد كاظم جبار‏,‏ فقد عاشت فصلا مثيرا‏,‏ عندما توفي أحد أقاربه في الأيام التي كانت فيها القوات الأمريكية علي مشارف النجف‏,‏ وقررت عشيرة المتوفي أن يدفن في النجف اعتمادا علي رواية أحد الموجودين بأن القوات الأمريكية لم تصل إلي النجف بعد‏,‏ وهكذا وضعت الجنازة فوق سيارة كبيرة وصعد فيها عدد كبير من الأقرباء‏,‏ بينهم زوجة السيد كاظم السيدة فاطمة وابنتها الشابة لمياء وابنها علي كاظم‏.‏
يقول السيد كاظم إن الجنازة كانت تسيربالقرب من الكوفة في الطريق بين الكفل والنجف‏,‏ عندما حاصرتها مدرعات أميريكة‏,‏ حيث اتضح أنهم طوقوا مدينة النجف وسيطروا علي مداخلها الشمالية‏,‏ وأنهم في طريقهم إلي كربلاء‏,‏ وفي أثناء محاولة لاعتراض السيارة وإطلاق الرصاص عليها‏,‏ وكان الوقت ليلا‏,‏ اضطر السائق إلي التوقف في ظلال إحدي الأشجار‏,‏ في بستان نخل كثيف‏,‏ وفي تلك اللحظات قررت السيدة فاطمة أن تصطحب ولديها لمياء وعلي‏,‏ وتقول للموجودين في السيارة إنها تريد الهرب والنجاة بولديها ولم تقتنع باعتراضات الآخرين وراحت تختفي في أعماق البستان‏,‏ ويقول إن الآخرين بقوا في السيارة حتي الصباح ثم واصلوا السير إلي المقبرة ودفنوا الميت وعادوا ووصلوا إلي بغداد بهوية الميت حيث كانت القوات الأمريكية علي الطريق لا تسمح بمرور السيارات إلا لدفن الموتي‏,‏ ولكنهم رجعوا دون عائلتي ـ يقول السيد كاظم ـ وانتظرنا يومين وثلاثة وخمسة ولم تعد زوجتي وابناها حتي بعد أن احتلت القوات الأمريكية بغداد وعادت حركة السيارات فأيقنا أنهم ماتوا وقررنا أن نبحث عن جثثهم في البستان ورحنا نسلك الطريق الذي سلكوه ونسأل القري دون جدوي‏,‏ وبعد مرور عشرين يوما دخل علينا الثلاثة في مفاجأة مثيرة حيث اتضح أنهم اختبأوا في كوخ امرأة عجوز في إحدي القري القريبة من الكوفة‏,‏ وقد منعتهم من الخروج خشية أن تتعرض حياتهم للخطر وكانت تنقل إليهم أخبارا تفيد بأن كل من يخرج يقتل‏.‏
وفي محافظة الناصرية ينقل السيد نعمان مسلم قصة طريفة بطلها السيد نعيم عبود سالم الذي كان عضوا في حزب البعث وقد تسبب في زج عدد من المواطنين في السجون‏,‏ فقرر أبناء حي الشهداء الواقع في الجانب الشمالي من المدينة أن يقتلوا نعيم بعد احتلال الناصرية‏,‏ وهكذا وضعوا خطة محكمة لقتله ينبغي ألا يعرف القاتل فيها طبعا خوفامن المضاعفات العشائرية‏,‏ غير أن أنباء الخطة وصلت إلي نعيم‏,‏ ولكن ابن عمه عدنان وكان ضابطا في الجيش اتخذ قرارا خاصا‏.‏
الدمار .. ما تبقى من العدوان الأمريكى
وفي صباح أحد الأيام تصاعد بكاء النساء في بيت عدنان‏,‏ وقيل إن والده قد مات واجتمع أبناء الحي ووجدوا أن الميت قد كفن ووضع في التابوت فقاموا بتشييعه إلي خارج الحي وبدأ العزاء الرسمي واستمر ثلاثة أيام كالمعتاد لكن نعيم المستهدف بالقتل لم يظهر رغم أن المترصدين له كانوا يحرسون طرق الحي كلها خشية أن يهرب وينجو من الموت‏,‏ لقد حاول منفذو الخطة أن يهجموا علي بيت نعيم فلم يجدوه وبحثوا عنه في كل مكان حتي ينسوا‏,‏ ولكن بعد فترة من الزمن اجتمعت عشيرة نعيم وذهبت إلي كبير أعداله السيد ماهود حيث أعدم ابنه بسبب معلومات عن انتمائه إلي حزب الدعوة قدمها نعيم وقالت العشيرة إننا ندفع الدية مقابل التغاضي عن التهديد وهذه عادة مألوفة عند العشائر العراقية وقد دفعت عشيرة نعيم‏30‏ مليون دينار إلي كل الذين تسبب نعيم في الإضرار بهم‏.‏
لكن المفيد في هذه القصة أن والد عدنان لم يكن قد مات إنما وضع نعيم في التابوت واستطاع ابن عمه أن يفلت به إلي بغداد‏,‏ ورغم أن شر البلية ما يضحك‏,‏ فإن هذه القصة هي شيء من رماد الحرب‏,‏ وأن حوادث الثأر التي بدأت في العراق هي الآن أخطر ما يواجه الوضع‏,‏ وقد تسلح كل طفل بسلاح وصار المراهقون يمرحون ببنادقهم ويتباهون في الميادين بإطلاق النار‏,‏ وكان هؤلاء المراهقون يتناولون الأدوية المسكرة فيما يطلق عليه‏(‏ الكبسنة‏)‏ أي تعاطي الكبسول المخدر‏,‏ ورأي أحد الشباب المستهترين أن عليه أن يقوم بعمل عظيم فوضع بيده قنبلة وأطلقها في سوق مزدحم بالناس ليقتل خمسة أشخاص في حين بقي هو طليقا حتي هذه اللحظة‏.‏
وتحاول بعض الجهات الآن التخلص من بعض الفنانين والشعراء الذين كانوا يتغنون بصدام حسين فمثلا كتب علي منزل الفنان كريم عواد‏(‏ هذا مجرم يحل قتله‏)‏ وهو ممثل واشتهر بمديحه لصدام حسين‏,‏ وكان آخرها وقت اندلاع الحرب حيث ظهر في التليفزيون وهو يحمل بندقية ويتوعد الأعداء الأمريكيين بالموت‏.‏
وتعلن إحدي المنظمات أنها تبحث عن المطرب قاسم السلطان لتقتله حيث كان السلطان قد قدم أغنية وطنية شعبية اشتهرت كثيرا وتداولت علي ألسنة الناس في الأيام الأولي للمعركة‏,‏ وقد فوجيء المصور زياد اللامي بمحله الكبير وقد احترق لأنه كما يقال كان عميلا لعدي‏,‏ ولا أحد يعرف ما الأسباب التي قتل فيها السيد علي السلطان صاحب استوديو تسجيلات هو وعائلته المكونة من ستة أشخاص‏,‏ إذ عثر عليهم ميتين جميعا في المنزل‏.‏
وفي جمعية الهلال الأحمر العراقية حيث شكلت لجنة لمتابعة مفقودي الحرب ذهبت الأهرام العربي إلي مقر هذه الجمعية‏,‏ التي يزورها يوميا عشرات العراقيين‏,‏ الذين فقدوا أبناءهم في الحرب‏,‏ ولم يعرفوا لهم سبيلا‏,‏ منهم من كان جنديا يقاتل في أماكن كثيرة من العراق‏,‏ ومنهم من فقدوا في الغارات التي شنت علي بغداد ومحافظات العراق الأخري‏,‏ ومنهم من فقدوا في أثناء هروبهم من المنازل عندما كانت الصواريخ تلاحقهم حتي في المنازل نظرا لكون الجيش العراقي كان منتشرا في كل الأحياء والشوارع‏,‏ ففي عمليات المطار لاتزال المئات من الجثث موجودة هناك‏,‏ حيث لم تفتح القوات الأمريكية‏,‏ بعد أرض المطار لإخلاء هذه الجثث‏,‏ وكان رجلا بعمر ستين عاما قد زار الجمعية للبحث عن ابنه الذي شارك في عمليات المطار‏,‏ وقال إن لديه ولدين آخرين استشهدا في المعركة لكنه حصل علي جثتيهما ودفنهما وهو مؤمن بقضاء الله وقدره‏,‏ لكنه يريد أن يدفن ولده الثالث أيضا جنب إخوانه‏.‏
وأب آخر يبحث عن ابنتيه التوءم بعمر خمس سنوات أثناء خروجهم جميعامن منزلهم القريب من المطار أيضا بعد أن تقدمت إليهم الدبابات فهربوا مذعورين من منزلهم إلي جهة غير مقصودة‏,‏ يقول الأب‏:‏كنت أحمل في يدي صغيري البالغ من العمر بضعة أشهر‏,‏ وكانت الأم مشغولة بطفل آخر‏,‏ وآخر ما أتذكره أن الفتاتين كانتا تصرخان من الخوف وهما ملتصقتان بي ولا أعرف كيف وأين أصبح مصيرهما بعد أن أخذتنا أقدامنا إلي منطقة مجاورة‏,‏ لم نكن وحدنا بل كان آلاف الناس يخرجون من بيتهم مذعورين من الدبابات التي لم ترحم الأطفال والنساء وعندما استقرت بنا الحال عند عائلة أخري فتحت لنا بيتها شاهدت منظر الذعر والخوف علي وجوه أطفالي وزوجتي‏,‏ وكنت أعتقد حينها أن بنتي صفا ومروة أخذهما أحد جيراني معه في أثناء مغادرتنا‏,‏ ولكن بعد أن هدأت المعركة وعدنا إلي بيوتنا سألت كل جيراني ولم يشاهدهما أو يعثر عليهما أحد‏.‏
كانت هذه المشاهد حصيلة يوم واحد جلست فيه بجانب الموظفة التي تقوم بتنظيم استمارات لذوي المفقودين وأهلهم تكتب فيها معلومات وبيانات كاملة عنهم ووقت اختفائهم والمكان الذي يعتقد أنهم موجودون فيه آخر مرة‏,‏ ويزور جمعية الهلال الأحمر أيضا ذوو المفقودين في حرب الثمانينيات مع إيران أو حرب بداية التسعينيات أو المفقودين المدنيين الذين لا يعرف احد مصيرهم‏,‏ تصوروا أن الموظفة عندما يطلب منها أحد المراجعين استمارة ويقول لها ابني مفقود في الحرب‏,‏ فترد عليه بسؤال‏..‏ أي حرب؟
وقد دفن الكثير من الأهالي عددا من الجنود الذين قتلوا في مواضعهم القريبة من الأحياء السكنية وقاموا بدفنهم في الحدائق العامة ولم يتعرفوا علي هوياتهم وقامت جمعية الهلال الأحمر والصليب الأحمر بالبحث عنهم واستخراج جثثهم مرة أخري ووضعها في الثلاجات ليتعرف عليهم أهلهم‏,‏ ومن بينهم فدائيون عرب من سوريا ولبنان ومصر والسودان‏,‏ وقد شاهدت بنفسي أحد هؤلاء الفدائيين‏,‏ وهو لبناني الجنسية في موضعه‏,‏ الذي هو عبارة عن حفرة في الأرض مغطاة بأكياس الرمل والتراب‏,‏ وهو يحمل قاذفة بينما انتهت الحرب ودخلت القوات الأمريكية إلي بغداد فقلت له لماذا أنت باق هنا وقد انتهت الحرب؟ فقال أنا جئت إلي هنا لأستشهد وسأبقي حتي تمر دبابة أمريكية أمامي فأطلق عليها هذه القاذفة‏.‏
إن العراقيين يتوقفون عن مراسم الأفراح ابتداء من الأول من محرم ولمدة‏60‏ يوما‏,‏ ولكن هذا العام وبعد انقضاء المدة لم نشاهد أي موكب فرح كما كنا نلاحظ في السابق حيث تزدحم بغداد بعشرات المواكب يوميا و لم تجرؤ عائلة علي اقتحام أحزان الآخرين ولم يجرؤ شاب أن يعلن عن زفافه وسط مشهد الموت والخراب والقصص المؤلمة التي نسمعها كل يوم‏,‏ إنه موسم للحزن والحداد‏,‏ ذلك الحزن الذي يعلن عن نفسه في كل بيت وكل شارع وبناية ومؤسسة‏,‏ موسم الأمهات اللواتي فقدن أولادهن في حرب سوف لن تسطر بطولاتها صفحات التاريخ‏*‏