لماذا أجلت إسرائيل اغتيال أحمد ياسين؟ حمـاس تعيد الروح للرئيـس عرفــات
الرنتيسى واحد من آلاف ترمز إلى مقاومة العدو المحتل
غزة ــ الأهرام العربي
بعد أقل من أسبوع علي قمتي البحر الأحمر وبدء انتهاء الأزمة التي خلفها خطاب أبو مازن في العقبة باقتناع حماس بضرورة العودة إلي طاولة الحوار مع السلطة الفلسطينية, فاجأ رئيس الوزراء الإسرائيلي آرييل شارون الجميع بحملة تصعيد غير مسبوقة ضد حركة حماس بدأت بمحاولة الاغتيال الفاشلة التي استهدفت الدكتور عبد العزيز الرنتيسي أحد القادة البارزين في قيادة الحركة في غزة وطالت26 آخرين علي مدار أربعة أيام فقط لم تغادر فيها المروحيات سماء القطاع تقصف هنا وهناك كلما لاحت الفرصة. ويمكن الجزم بأنه عندما تحركت المروحيات الإسرائيلية لتستهدف سيارة الدكتور عبد العزيز الرنتيسي لم تكن تهدف اغتياله فحسب ولكنها كانت عملية متعددة الأهداف. فقد شكل الرنتيسي في شخصه هدفا مثاليا لأي عملية إسرائيلية إذ يعتبر واحدا من ألد أعداء إسرائيل حيث أسهم بشكل قوي في تأسيس حركة المقاومة الإسلامية حماس ويعتبر أحد أعمدة قيادتها ويمتلك شخصية قيادية كاريزماتية جعلت منه رمزا فلسطينيا للمقاومة وللمواجهة مع الاحتلال ويعرف الجميع أنه ليس من النوع الذي تهزمه الشدائد والمحن بل كان دوما بركانا من اللهب الفلسطيني المتصاعد. وتحدثت إسرائيل صراحة عن استهداف جميع أعضاء القيادة السياسية لحركة حماس وأكد قادة الجيش الإسرائيلي أنهم تلقوا أمرا بمقاتلة حركة حماس' بكل الوسائل لسحقها بالكامل'. وصدرت أوامر' سحق حماس' في ختام اجتماع لهيئة أركان الجيش الإسرائيلي مع وزير الجيش شاؤول موفاز و تشمل ضرب البني التحتية لحماس وكذلك استهداف القادة السياسيين للحركة الذين لم يعودوا يتمتعون بأي حصانة. وقالت مصادر إسرائيلية أمنية: إن أمر' سحق حماس بالكامل' يمكن أن يستهدف' الناشطين في قواعد الحركة والشيخ أحمد ياسين( مؤسس الحركة) علي حد سواء' وفي الوقت نفسه هدد وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي تساحي هانغبي قادة حماس بالقتل مؤكدا أنهم' لا يتمتعون بأي حصانة' وردا علي سؤال حول احتمال تعرض الشيخ أحمد ياسين مؤسس حماس لعملية تصفية قال هانغبي لإذاعة الجيش الإسرائيلي:' إن قادة حماس لا يتمتعون بأي حصانة لاسيما عندما تبذل هذه المنظمة كل ما بوسعها لتخريب أي عملية سياسية'. وكشف اليكس فيشمان المحلل العسكري لصحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية أن الجيش الإسرائيلي يحتفظ بمخططات لاغتيال كل من الشيخ أحمد ياسين والدكتور عبد العزيز الرنتيسي والدكتور محمود الزهار قبل قمتي العقبة وشرم الشيخ وأجل تنفيذها بناء علي طلب أمريكي. وشدد عميت كوهين المحلل العسكري لصحيفة معاريف أن محاولة اغتيال الرنتيسي شطبت تماما الخط المشوش بين القيادات السياسية والقيادات الميدانية لحماس وتشكل تغييرا تاما لقواعد اللعبة بين إسرائيل وحماس بحيث تعتبر الآن حماس برمتها منظمة إرهابية ولا يمكن إجراء فصل بين الذراع العسكري وبين المكتب السياسي لأن المس بمستوي القيادة ليس عملا رمزيا بل خطوة إلزامية إذا كانت إسرائيل معنية بأن تضع حماس سلاحها. واعتبرت حركة حماس أن محاولة اغتيال الدكتور الرنتيسي وحملة التصعيد الإسرائيلي ضدها تخط للخطوط الحمراء وعلي الجانب الإسرائيلي أن يدفع ثمنا باهظا لهذا العدوان وهذا التخطي لأنه عدوان علي الآمنين من شعبنا والأبرياء والمدنيين فالقيادة السياسية لحركة حماس هي جزء من مدنيي الشعب الفلسطيني.
حماس اعتبرت التصعيد الإسرائيلى ضدها حرب شاملة تستهدف القضية الفلسطينية
واتهم الشيخ أحمد ياسين في تصريحات لـ الأهرام العربي الحكومة الإسرائيلية بمحاولة جر المنطقة إلي مسلسل من العنف وقال إن ما حدث في الأسبوع الدامي يكشف عن النيات الحقيقية لهذ ه الحكومة الإسرائيلية وتؤكد أنها عدو السلام في المنطقة وأن شارون تحديدا هو الذي يحاول أن يجرها إلي مسلسل من الدماء والعنف وأن الاحتلال هو سبب المشكلة فهو من يحتل أرضنا ويزرعها بالاستيطان ويحاصر شعبنا وهو من طرد شعبنا وشرده ويدمر ويقتل كل يوم الشباب والرجال والنساء والشيوخ والأطفال وهو سبب كل المآسي والمجازر ويتحمل مسئوليتها. واعتبرت حماس أن التصعيد ضدها هو حرب شاملة تستهدف القضية الفلسطينية برمتها وقال إسماعيل هنية عضو قيادة حماس أن هذه التهديدات الإسرائيلية' ليست جديدة وتشكل دليلا علي الفشل الأمني والسياسي الإسرائيلي والفشل الذريع في إنهاء الانتفاضة والمقاومة أو توفير الأمن مشددا أنه' ليس أمام الاحتلال الإسرائيلي إلا أن يرحل عن أرضنا'. وتعلم إسرائيل يقينا أن اغتيال شخص بمكانة الرنتيسي وأن تصعيدها باتجاه النشطاء الميدانيين بهذه الطريقة لا يمكن أن يمر فيما تظل حماس تشاهد قادتها يسقطون الواحد تلو الآخر, وهي تردد ترانيم التهدئة والهدنة بل إن استهداف القيادة السياسية لحماس هو تخط للضوء الأحمر في قواعد اللعبة ولكنها أرادت أن تبعث برسالة لكل من حوله أن الجميع علي دائرة الاستهداف وأن كل من لا يسير في خارطة الطريق سيلقي نفس المصير وأن لا حصانة حتي علي السياسيين وهو ما قاله رعنان غيسين صراحة في تبرير عملية الاغتيال. وجاء توقيت التصعيد الإسرائيلي في وقت نجحت حماس في إدارة الدفة السياسية جيدا في الواقع الفلسطيني الداخلي واستطاعت تطويق محمود عباس بمهارة فائقة فمقابل المرونة الهائلة التي أبدتها قبل قمتي العقبة وشرم الشيخ عادت لتصعد بشكل كبير عبر إعلان مقاطعة أبو مازن وحكومته, ونجحت في شد حركة فتح وباقي الفصائل الفلسطينية لمربعها وموقفها السياسي وحصلت علي تأييد شعبي هائل مما اضطر أبو مازن إلي التراجع أمام هجومها السياسي وعقد مؤتمره الصحفي في رام الله الذي بدا عليه الانفعال فيه وكرر تمسكه بالثوابت الفلسطينية ورجا حماس العودة إلي الحوار وقد استجابت بالفعل لطلبه قبل11 ساعة فقط من محاولة الاغتيال الفاشلة للرنتيسي مما أثار الغضب الإسرائيلي الذي تجسد علي الأرض في حملة الاغتيالات ووصف شارون لأبو مازن بـ' الفرخ' الذي لم ينبت ريشه بعد. وقد أثبت شارون للعالم أجمع أنه لا يريد السلام أو حتي التسوية السياسية حتي لو كانت ظالمة وبمقياس خارطة الطريق فما يريده هو استسلام الشعب الفلسطيني ورفع الراية البيضاء وفرض الشروط عليه دون نقاش وقد أعادت عمليات الاغتيال الجميع إلي المربع الأول وحلقة العنف المفرغة خاصة بعدما نفذت حماس عملية عاجلة في القدس الغربية أسفرت عن مقتل17 إسرائيليا مما أثبت أن العنف يمكن أن يولد عنفا مضادا مساويا له بالمقدار ومضادا بالاتجاه.
عرفات
ورغم التصعيد الإسرائيلي فقد بقيت خيارات شارون محصورة بين تطبيق التزاماته التي تنص عليها خارطة الطريق والعمل باتجاه التهدئة والتسوية ما يستدعي إجراء تغييرات في بنية حكومته التي لا يمكنها إقرار مثل هذه الخطوات أو الإصرار علي حكومة يمينية والهروب للأمام باتجاه تصعيد شامل واجتياح واسع لقطاع غزة في إطار خطة لا زالت حبيسة الأدراج تسمي' حماية البيت' مع ما تحمله هذه الخطوة من مخاطر علي جنوده وعلي حياة الفلسطينيين وإمكانية أن تجر عليه الفشل حال انتهائها خاصة أن التاريخ يحمل في طياته الكثير من التجارب التي تؤكد أن ثورة الشعوب لا ينهيها العنف بل يعززها... ومن المؤكد أن الاختيار لا يملكه شارون وحده فقد برز إصرار دولي علي إنجاح خارطة الطريق التي شددت واشنطن علي أنها لا زالت خطة ذات صلة ولن تتخلي عنها وجرت مساع دولية مسئولة لانقاذ المنطقة من التصعيد الإسرائيلي حيث تحركت الدبلوماسية المصرية لإنقاذ الوضع الفلسطيني الداخلي ومحاولة إقناع حماس وباقي الفصائل بضرورة استئناف المساعي الحقيقية للتهدئة لإحراج الجانب الإسرائيلي ونزع كل مبرر ممكن للتصعيد فيما أرسلت واشنطن رسالة واضحة لإسرائيل تعنفها بعد المحاولة الفاشلة لاغتيال الرنتيسي رغم أنها عادت وحملت حماس المسئولية بعد ذلك عن التصعيد بعد قيامها بعملية إيريز المشتركة. وكان اللافت أن الولايات المتحدة طلبت من عرفات التدخل لإنقاذ المنطقة من دوامة العنف الحالية والذي التقي بعدها مع الوزير عمر سليمان وطالب الفصائل الفلسطينية وإسرائيل بوقف فوري لإطلاق النار والتزام التهدئة وعاد وأثبت أنه مازال يملك زمام الأمور وأنه الرقم الصعب في المعادلة الفلسطينية الذي لا يمكن تجاوزه فكان اجتماعه مع قادة الأمن التابع لوزارة الداخلية والتابع له مباشرة في سلسلة اجتماعات ناجحة مهدت لاستلام المناطق التي تنسحب منها إسرائيل في قطاع غزة أو غيرها وسهلت علي إسرائيل اتخاذ مثل هذا النوع من الخطوات. وبدا للعيان أن عرفات هو المايسترو الوحيد الذي يمكنه قيادة الأوركسترا الفلسطينية ويعزف لحن السلام أو الحرب دون أن يخرج صوت نشاز وأنه الضمانة الأكيدة لعدم وقوع مواجهة داخلية أو التفريط بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني. وفي ضوء ذلك كله تبقي إمكانية أن يكون تصعيد الأيام الماضية مرحلة العنف الأخيرة التي يستعرض فيها الجميع عضلاته قبل الولوج في التسوية السياسية أو بداية حلقة مفرغة جديدة من العنف قد تتواصل إلي انتهاء العهد الشاروني...!!*