الرقابة المصرية وضعت مؤلفات القصيمي تحت الفحص: قصة البدوي الذي دعا إلي التغيير قبل انطلاق المدافع |
 | | عبد الله القصيمى |
سيد محمود حسن خبر صغير بثته وكالة الأنباء الفرنسية قبل أيام ومر مرور الكرام شأن آلاف الأخبار التي باتت معتادة من فرط تكرارها يقول الخبر 'اتهمت دار 'الجمل' للنشر في ألمانيا السلطات المصرية بمصادرة نسخ من كتاب 'العرب ظاهرة صوتية' للمفكر السعودي عبد الله القصيمي بعد 26 عاما من صدور طبعته الأولي في باريس إلا أن الرقابة المصرية نفت ذلك مؤكدة أنها تدرس محتوياته قبل السماح بتوزيعه ' هذا هو الخبر أما التفاصيل فقد كانت حافلة بالمفارقات . كانت اولي المفارقات من نصيب السلطات المصرية التي أوقفت توزيع الكتاب الذي صدر قبول أكثر من ربع قرن ثم انتبهت وقررت حظر طبعته الجديدة الصادرة عن دار الجمل قبل سنوات ومن ثم أبلغت الرقابة شركة التخليص الجمركي بمصادرة 97 نسخة منه' طلبها أحد أصحاب المكتبات وقال مسئول بالرقابة رفض ذكر اسمه للوكالة إن 'الكتاب تم وقفه لكنه لم يصادر حيث تقوم لجنة من أساتذة الجامعات بتقييمه لمعرفة ما إذا كان مسيئا للدين الإسلامي. 'وأضاف ' سيتم تحديد وضع الكتاب خلال الأيام القليلة المقبلة بعد أن تنهي لجنة التقييم عملها . المفارقة الثانية التقطها الناشر الذي أبدي استغرابه إزاء القرار خصوصا أن الكتاب 'لم يمنع خلال الدورة السابقة لمعرض القاهرة الدولي للكتاب قبل ستة أشهر إضافة إلي توفر الكثير من النسخ من الطبعة الباريسية في مكتبات سور الأزبكية' الشهير في وسط العاصمة المصرية. أما المفارقة الثالثة فقد كانت في الإهمال الغريب الذي لقيه الخبر في أوساط المثقفين المصريين والعرب كأنهم يئسوا من مقاومة هذا المناخ الذي يجعل فعل المصادرة فعلا طبيعيا ينبغي التعايش معه. أما المفارقة الأخيرة والأهم فترتبط بالقصيمي ذاته مؤلف الكتب التي تذكرتها الرقابة المصرية فجأة ووضعتها تحت الفحص بين يدي لجنة ربما لا يوجد بين أعضائها من يعرف شيئا عن القصيمي الذي عاش في مصر ومات فيها وفيها أيضا نشر معظم كتبه قبل أكثر من نصف قرن من دون أن تمتد إليها الأصابع الخفية التي تحاول حرماننا من التفكير وترغب في وضع عقولنا في حضانة الأفكار سابقة التجهيز. لعلها نفس الأفكار الجامدة التي رفع القصيمي في وجهها راية التمرد التي كلفته البقاء في المنفي لسنوات طويلة قبل أن يعود ميتا إلي السعودية التي من بين مثقفيها الآن من يستعيد سيرة عبد الله القصيمي وتلك مفارقة أخري جديرة بالتأمل فمصر التي شهدت مع بيروت ميلاد قيمة الاختلاف التي يجسد ها المشروع الفكري للقصيمي هي التي تضيق الآن بأفكاره بينما تجد نفس تلك الأفكار طريقها للسعوديين لا عبر مؤلفاته - التي يتم تداولها الآن في المملكة بيسر - فحسب وإنما عبر مئات المواقع علي شبكة الإنترنت تلك الشبكة التي تخرج لسانها للرقيب مع كل نقرة علي ' الفأرة ' ' الماوس ' وهي تسرد عبر فضائها المتخيل سيرة القصيمي وتقتضي الأمانة المهنية أن نشير إلي أن 'موقع إيلاف 'الإلكتروني وقت أن كان الشاعر العراقي صمويل شمعون يشرف علي تحرير القسم الثقافي فيه كان في مقدمة تلك المواقع التي احتفت بأفكار القصيمي ليس هذا فقط وإنما كان لها فضل إجراء مجموعة من التحقيقات الصحفية المميزة التي تابعت فيها سيرة القصيمي منذ خروجه من السعودية إلي بيروت ثم ظروف خروجه منها الي القاهرة التي نشر فيها معظم مؤلفاته إلي أن مات فيها عام 1996 وبعد موقع إيلاف بدأ مئات المثقفين السعوديين البحث وراء صاحب السيرة كأنهم يبحثون فيها عن ضوء إلي حد أن كثيرين منهم قد وضعوا هذه السيرة في مواقعهم الشخصية .ولم لا إذا كان أدونيس الشاعر الكبير وصف القصيمي في حوار أجراه معه عام 1965 بأنه ' صراخ يقول كل شيء ولا يقول شيئا. يخاطب الجميع ولا يخاطب أحدا. إنه الوجه والقفا: ثائر ومتلائم ملتزم وغير ملتزم بريء وفتاك. وأنت عاجز عن وصفه. فهو بركان يتفجر والحمم كلمات تحرق لكن فيما تزرع العشب. فهو تيار جامح مهيب من المد والجزر من الانقراض والانبعاث مسكون بشحنة الاحتجاج متناقض ومنطقي معتم وصاف: كأنه الرمل وقطرة المطر.هكذا تتقاطع في صوته أصداء كثيرة: من هيراقليطس وحتي العبثية مرورا بنيتشة وماركس. لكنه يبقي غريبا أصيل النبرة والبعد. ويتابع أدونيس الوصف بقوله 'عبد الله القصيمي في الفكر العربي حدث ومجيء: حدث لأن صوت هذا البدوي الآتي من تحت سماء المدينة ومكة صوت هائل فريد. ومجيء لأن في هذا الصوت غضب الرؤيا والنبوءة...حتي ليصعب أن يوصف العربي الذي لايقرأه بأنه مثقف أو بأنه يحيا علي هذه الأرض. هل لهذه الأسباب التي ذكرها أدونيس خافت الرقابة المصرية من كتبه؟ الإجابة تقدمها رسالة علمية تقدم بها الباحث الألماني يورغن فازلا وعنوانها' من أصولي إلي ملحد' إذ استطاع صاحبها التعرف علي عبدالله القصيمي ونجح في إقامة اتصالات مع أشخاص مقربين جدا منه فتمكن بذلك من حضور حلقة النقاش الأسبوعية التي كان يعقدها القصيمي في منزله بالقاهرة ومن ثم أنجز عنه رسالة دكتوراه استغرق إعدادها ثلاث سنوات وشملت مجموعة من المقابلات والحوارات الدائمة معه في منزله بالقاهرة وقد ترجمت هذه الرسالة إلي العربية ونشرتها دار الكنوز الأدبية ببيروت وعرضتها 'ايلاف ' في بداية العام 2002ويري صاحبها أن الشيء المميز في حياة الكاتب العربي السعودي عبدالله بن علي القصيمي هو أن سيرته تمثل نموذجا متناقضا كليا لـ' اتجاه الأسلمة ' فلقد تطور القصيمي من مؤيد قوي لحركة التجديد الوهابية عبر الاقتراب من المواقف العلمانية إلي ممثل لأكبر أشكال النقد الديني تطرفا وحدة وبشكل لم يسبق له مثيل علي الإطلاق في العالم العربي إضافة إلي ما شكلته مؤلفاته التي تجاوزت 20 مؤلفا من أهمية بالغة أثارت بعد نشرها نقاشات عامة واسعة النطاق شارك فيها عدد من أشهر ممثلي الحياة الثقافية الحديثة في العالم العربي و تناول الباحث فازلا في كتابه نشأة القصيمي وميلاده في العام 1907 وسيرته التعليمية وتنقله في العديد من الدول لطلب العلم والبحث حتي استقر في الأزهر الذي التحق به في عام 1927 ووجد أن خيبته فيه كانت أكبر من الواقع الذي ينتظره والذي يختلف اختلافا كليا عن التصور المثالي الذي كان القصيمي قد تخيله إلا أنه استطاع أن ينهي دراسته في جو تميز بخصومات متواصلة بين الأزهريين وفي عام 1930 اتخذ القصيمي موقفا في الخلاف الحاد الذي نشب بين الدوائر المؤيدة للوهابيين - والتي كان القصيمي محسوبا عليها - وبين قيادة الجامعة وكان من بين علماء الأزهر البارزين الشيخ يوسف الدجوي الذي لمع بشكل خاص في دفاعه عن شعائر تكريم الأولياء الصالحين ضد الهجمات الوهابية لذلك أصدر القصيمي عام 1931 أول كتاب له بعنوان ' البروق النجدية في اكتساح الظلمات الدجوية ' وهو يتضمن نقاشا مستفيضا لحجج الدجوي . أدي هذا الكتاب إلي ردة فعل عنيفة وقاسية لدي قيادة الأزهر التي قررت طرد القصيمي من الأزهر لا سيما وقد رأوا طالبا شابا أجنبيا يتجرأ علي مهاجمة عضو في هيئة كبار العلماء وقد وصف القصيمي الدجوي بأنه أرسطو عصره !! لذلك شن القصيمي هجومه علي الأزهر وأصدر كتابين هما شيوخ الأزهر والزيارة في الإسلام والفصل الحاسم بين الوهابيين ومخالفيهم . الغريب أن القصيمي بعدطرده من الأزهر تفرغ لشن هجوم علي الكاتب محمد حسين هيكل أحد أشهر ممثلي الليبرالية المصرية وذلك بعد أن كتب هيكل كتابا أسماه حياة محمد الأمر الذي جعل القصيمي يصدر كتابا وسماه نقد كتاب حياة محمد لهيكل اتهم القصيمي من خلاله هيكل بأنه ينكر أن يكون لمحمد القدرة علي صنع المعجزات وذكر لذلك مثالين هما : الإسراء والمعراج وشق صدر محمد كما ذكر القصيمي أن هيكل لا يعترف إلا بمعجزة وحيدة فقط هي نزول القرآن علي محمد فالله جعل القرآن المعجزة الكاملة ولم يكن محمد بحاجة إلي معجزات خارج القرآن.
|
 | | طه حسين |
قبل مبادرة كولن باول وفي فصل كتبه فازلا تحت عنوان الطريق إلي الانشقاق قال الباحث إنه مع حلول عام 1940 انتقل القصيمي في مؤلفاته التي كان يطغي عليها النقاش الإسلامي الداخلي إلي تركيز اهتمامه علي ما يعيشه العالم الإسلامي من تخلف في المجالات الاقتصادية والسياسية إذ بدأ لديه النقد الذاتي الإسلامي الحاد وذلك عندما أصدر كتابيه كيف ذل المسلمون و هذه هي الأغلال حيث ركز علي ضرورة تحرر الفرد من التصورات الدينية التي تعيق تفتح شخصيته الأمر الذي جعل القصيمي يقترب بصورة متزايدة من المواقف العلمانية و لكي لا نتهم بأننا نروج للأفكار التي طرحها كولن باول قي مبادرته أو الأفكار التي طرحها المثقفون في مؤتمر ' نحو خطاب ثقافي جديد ' نقول نقلا عن ' إيلاف ' إن القصيمي بدأ في شن هجوم مباشر علي التصورات الطوباوية للسلفية الوهابية ويري الباحث فازلا أن كتابيه هما خط الفصل الفكري بين أيديولوجيا القصيمي الوهابية وهجومه اللاحق علي كل ما هو ديني وهو الهجوم الذي جعل بعض معارضي أفكاره يصنفونها ضمن ' الآراءالملحدة '. وفي هذا الكتاب يري القصيمي أن المسلمين يقفون أمام خيارين لا ثالث لهما : إما أن يستفيدوا من التراث العلمي للبشرية أو أن يبقوا متخلفين جهلة ولكي يتخلصوا من الركود الذي هم فيه ما عليهم إلا أن يعرفوا أنه لاتوجد معرفة ضارة ولا جهل نافع ! وأن كل الشرور مصدرها الجهل وكل الخير مصدره المعرفة ثم يذكر أن الشريعة الإسلامية هي أول نظام قانوني في تاريخ البشرية أعطي المرأة حقوقا مكفولة وأنهي معاملتها كسلعة يملكها الرجل مستشهدا بأحاديث نبوية يثبت من خلالها أن المسلمين الأوائل لم يفصلوا بين الجنسين .
فتوي الاغتيال وقد أثارت هذه الأفكار ضجة كبيرة في أوساط الكتاب ففي الوقت الذي رأي فيه بعض الكتاب المصريين آنذاك أن كتاب الأغلال يصلح لأن يكون برنامجا للتعليم الوطني وخطة ناجحة للإصلاح شن بعض الكتاب هجوما عنيفا علي القصيمي وتوالت المؤلفات التي ردت عليه سواء في مصر أو خارجها ثم طالبت بعض الجمعيات الإسلامية بطرد القصيمي من مصر وصدرت فتوي من خارج مصر أباحت دم القصيمي! وقد تعرض هذا الكتاب أيضا للنقد الشديد من قبل علماء نجد إذ أصدر علامة القصيم الشيخ عبدالرحمن بن سعدي كتابا أسماه' تنزيه الدين ورجاله مما افتراه القصيمي في أغلاله' ثم أصدر عبدالله بن يابس وهو صديق للقصيمي وصحبه في سفره إلي القاهرة كتابا سماه ' الرد القويم علي ملحد القصيم' !! لذلك تواري القصيمي عن الأنظار . وتردد أنه تعرض لمحاولات اغتيال رواها ل'إيلاف' صديقه المحامي المصري إبراهيم عبد الرحمن الأولي في القاهرة والثانية في السعودية والأخيرة في لبنان. عن موقف القاهرة قال المحامي إبراهيم. كان القصيمي يتردد علي أحد المقاهي في حي السيدة زينب ولاحظ أن أحد الشباب يتبعه دائما ويراقب تحركاته تعرف القصيمي عليه ووجده شابا سعوديا جاء من السعودية خصيصا لقتله بحجة أن العلماء أفتوا هناك بجواز قتله لأنه خرج عن الإسلام في كتابه الأغلال وقال له الشاب: لا أصدق أن أحدا مثلك يقتل بعد أن سمعت كلامك ومع أن القصيمي علم بهدف هذا الشاب فلم يتوقف أبدا عن الذهاب إلي المقهي للمناقشة والمحاورة سأل القصيمي الشاب بعد ذلك عن الذين بعثوه بماذا وعدوه!! قال الشاب للقصيمي: وعدوني بالجنة!! قال القصيمي له: لماذا يؤثرونك علي أنفسهم بالجنة لو كانوا يعلمون أن قتلي طريقا لهم إلي الجنة بالمفروض أن يسبقوك إلي! بعد ذلك اختفي الشاب نهائيا.. و بعد كتابه ' هذي هي الأغلال ' اقتصر ظهور القصيمي فقط في حلقة نقاش ضيقة تجري في أوقات دورية في إحدي الكافتيريات وكان الكاتب خالد محمد خالد أبرز المترددين عليها و في هذه الفترة أنتقل القصيمي للعيش في ضاحية حلوان جنوب القاهرة وكان بجواره مقر بعثة الطلاب اليمنيين الذين كانوا يواصلون تعليمهم الثانوي والجامعي في مصر والذين سرعان ما التقوا بالقصيمي فأعجبوا به وبأفكاره إلي أن حيكت مؤامرة ضد القصيمي دون دراية منه أدت في النهاية إلي طرده من مصر وأشار الباحث الألماني إلي أن من الأمور التي كانت وراء إبعاد القصيمي من مصر أن الإمام أحمد طلب رسميا من صلاح سالم ترحيل القصيمي من مصر فغادرها القصيمي إلي بيروت . |
 | | أدونيس |
نداء الحرية في بيروت تعرف القصيمي إلي عدد من المثقفين الذين كان كتابه ' هذي هي الأغلال ' يلقي في أوساطهم تقديرا عاليا فحصل القصيمي علي التشجيع منهم والدعم لمتابعة التأليف والنشر وكان من أبرز الداعمين له سهيل إدريس صاحب مجلة ' الآداب ' والناشر قدري قلعجي الذي أعطي القصيمي زاوية في مجلته ' الحرية ' أما محاولة اغتياله في بيروت فقد .. فوجئ القصيمي بصديقه محسن العيني رئيس وزراء اليمن السابق يطرق عليه الباب في المساء وقال له: لقد جئت لك من دمشق خصيصا وقد علمنا في دمشق أن هناك محاولة لاغتيالك من قبل بعض الجماعات المتشددة!! وقد جئت أبلغك رسميا وأطلب منك أن تأتي معي إلي دمشق وسوريا مستعدة لحمايتك وتكريمك!! فرفض القصيمي ذلك ويضيف المحامي قائلا: فوجئ القصيمي في الصباح وإذا بأحد ضباط الأمن يهاتفه ويطلب منه أن يلتقي به فرحب به القصيمي وقال الضابط: إن المخابرات اللبنانية اكتشفت مؤامرة لقتلك وإنها لاتستطيع حمايتك كما أن لبنان غير قادر علي أن يتحمل قضية اغتيالك! وعليك أن تغادر لبنان فذهب القصيمي إلي كمال جنبلاط وهو صديق له وداعمه وقال له كمال: لا بد أن تغادر لبنان إننا لن نستطيع أن نمنع ذلك عنك فقال القصيمي لكمال جنبلاط مقولته الشهيرة إنني أجبن عن أن أكون جبانا أنا لا أستطيع أن أهرب بل سأبقي وأواجه مصيري وعلي مسئوليتي إلا أن أجهزة الأمن صممت علي مغادرته لبنان حماية لسمعة لبنان من أن يغتال فيها!! ويومها أطلق أدونيس نداء شهيرا دعا فيه الكتاب والشعراء والمفكرين لكي يكونوا دروعا بشرية من أجل عبد الله القصيمي سواء الذين يتفقون معه أو الذين لا يتفقون لأن الحرية نفسها في خطر ولأن عبد الله القصيمي هو اختبار لجدارة الكتاب وامتحان لكل الذين يجعرون من أجل الحرية....وكتب يومها أنسي الحاج محتجا بقوة قائلا: لم يفعل القصيمي شيئا. أفكاره موضوعة في كتب والكتب يجاوب عليها بكتب. معاملة الكاتب بالتدابير البوليسية تصرف جبان '. وفي عام 1956 ألغت الحكومة المصرية نهائيا أمر إبعاد القصيمي عن مصر وسمحت له بالعودة إلي أسرته بالقاهرة . وقد تناول الباحث فازلا أعمال القصيمي المتأخرة أي ما بعد عام 1963 وذكر أن المناخ الفكري السائد في القاهرة كان من الصعب علي القصيمي فيه أن يستأنف كتاباته في النقد الديني إذ أنه مع نهاية الحرب العالمية الثانية كان الخطاب الإسلامي قد فقد كثيرا من وزنه وأهميته ذلك أن أولوية المسائل الاجتماعية والتركيز علي المشاكل المتعلقة بقضية الاستقلال أدت في النقاش العام إلي إرغام التيارات الإسلامية علي الانضواء تحت لواء ثقافة الدولة المفروضة من فوق وفي إطار دولي جديد إلا أن الباحث فازلا يشير إلي أن ثلاثة من أبرز أصدقاء القصيمي قد لعبوا دورا مهما حينما طالبوه بالعودة إلي النشر وهم : طالب الحقوق المصري إبراهيم عبدالرحمن ورجل الدولة اليمني أحمد محمد نعمان والناشر اللبناني قدري قلعجي. يشير الباحث إلي كتاب أصدره القصيمي بهذه الطريقة هو كتاب ' العالم ليس عقلا ' عام 1963 ثم ألحقه بكتابين هما ' هذا الكون ما ضميره' و ' كبرياء التاريخ في مأزق ' وبذلك يكون القصيمي قد دخل عهدا جديدا سماه فازلا بـ العودة إلي الحياة العامة وتوالت إصدارات القصيمي بعد ذلك بدءا من كتابه' العالم ليس عقلا' والتي كان يطبعها في بيروت. كما يشير الباحث إلي أن الهزيمة التي تعرض لها العرب في حزيران 1967 قد زادت من أهمية القصيمي وبالتالي زادت شعبيته ولقيت آراؤه صدي واسعا في لبنان لذلك أعيدت طباعة كتابه ' العالم ليس عقلا ' في ثلاثة أجزاء ثم نشر القصيمي كتابيه ' أيها العار .. إن المجد لك ' و' فرعون يكتب سفر الخروج ' ويشير الباحث إلي أن القصيمي أصبح في تلك الفترة فيلسوفا تناقلت أفكاره علي نطاق واسع وأصبح للقصيمي حضوره الوهاج في الأوساط اللبنانية بعد توالي إصداراته وعندما ساءت الأحوال في لبنان وبعد تعرض قدري قلعجي إلي ضغوط رهيبة وصلت الي حد التهديد بحرق مكتبته وجد القصيمي صعوبة في متابعة إصداراته من لبنان فاتجه إلي باريس فكان أول كتاب يصدره من باريس هو كتاب' العرب ظاهرة صوتية' وبقي بعد ذلك في منزله في روضة المنيل بشارع عبدالعزيز آل سعود يستقبل زواره وضيوفه في ندوته الأسبوعية . ويشير الباحث إلي أن القصيمي في أغلب كتاباته بعد عام 1963 يصف العرب وتاريخهم بعبارات 'التخلف والرجعية والضعف ' كما يكثر من استخدام التعبيرين المتضادين اللذين وضعهما المؤرخ ابن خلدون وهما البداوة والحضارة لكي يصف جميع صفات العرب بأنها غير حضارية إضافة إلي ذلك فقد شكك القصيمي بعد هزيمة 1967 تشكيكا جذريا في الأسطورة السياسية التي هي عبارة عن وحدة العالم العربي ثم تناول الباحث جانبا من النقد الحاد الذي تعرضت له كتب القصيمي وأعماله المتأخرة والتي دارت مناقشتها علي صفحات المجلات اللبنانية مثل ' العلوم ' و' الآداب ' وملحق صحيفة النهار والتي كتبها كتاب ونقاد من داخل لبنان ومن أبناء شبه الجزيرة العربية ومن عرب المهجر وفي آخر فصول الدراسة تحدث الباحث عن ' ستار الصمت ' الذي أسدله القصيمي علي نفسه بعد عام 1977 وذلك بعد إصداره لكتابه ' العرب ظاهرة صوتية ' والذي هو آخر أعمال القصيمي التي لقيت صدي واسعا في العالم العربي إذ بدأ القصيمي بمرحلة الانسحاب إلي الحياة الخاصة وتساءل الباحث عن السبب الذي دفع القصيمي إلي الوصول إلي هذه العزلة مبينا أن انتهاك المحرمات المركزية للحضارة الإسلامية لا يمكن أن تكون وحدها السبب في ذلك فالقصيمي لم تطبق ضده أبدا أحكام الشريعة الإسلامية كما أنه لم يحاكم استنادا إلي قوانين التجديف علي الرغم من أن القانون يفرض عقوبات علي مهاجمة الأديان والسؤال الذي طرحه الباحث هل رغب القصيمي بالانسحاب من كل ذي صلة بالأوساط الثقافية المصرية عدا ندوته الأسبوعية التي يعقدها في منزله والتي تحضرها شخصيات سياسية وثقافية بارزة علي مستوي الوطن العربي كان منهم الباحث الكاتب سيد القمني والبحرينية فوزية رشيد واليمني عبدالله جزيلان والسفير اليمني أحمد الشجني ورجل الدولة احمد نعمان ويبدو أن هذه الأسئلة ستظل معلقة إلي أن تصدر سيرة للقصيمي أعدها الكاتب السعودي هاشم الجحدلي بعنوان 'الحياة السرية لعبد الله القصيمي' وهي السيرة التي نشرت جريدة 'عكاظ' بعض فصولها ورغم أنف الرقابة سنقول العبارة التي قالها أنسي الحاج منذ سنوات'' اقرأوا القصيمي. لا تقرأوا الآن إلا القصيمي. ياما حلمنا أن نكتب بهذه الشجاعة! * |
|
 |
|
|
 |