
|
الليبية هدي السراري التي ألبسها الحب أثواب الحزن: أنوثتي وراء حضوري الشعري |
 | |
أجري الحديث ـ السيد رشاد تصويرـ موسي محمود هذه شاعرة, تري أن الحياة هي الفرح بالشعر, وأن الأنوثة ليست عارا, بل هي فعل ثوري نحو الأرقي أحيانا, وأحيانا أخري مفتاح قدس الأقداس (العقل), لكنها وفي كل الأحوال إرادة حرة, لا تقبل التراجع أو تخضع للابتزاز. أحبت من طرف واحد, وحينما خذلها الحب, سكنت القصيدة لتصبح هي ضمة الأحباء, ولمة الأصدقاء, والأهم أنها اختصرت عبر بريق التحدي الذي يتوهج في عينيها, عقودا من التردد والألم والإحباط, فامتلكت ذاتها, لتصبح قادرة علي التواصل مع ذوات الآخرين, ونقشت فوق (أثوابها الحزينة) حكايتها الشعرية الخاصة. إنها الشاعرة الليبية هدي السراري التي قدمت أوراق اعتمادها كإحدي رائدات شعر العامية في ليبيا من خلال ديوانها الأول (أثواب الحزن), التقينا بها علي هامش مشاركتها في مهرجان محكي القلعة الأخير في القاهرة.. وكان هذا الحوار. رغم أنك ابنة مدينة هي العاصمة طرابلس, ومتخصصة في اللغة الألمانية, إلا أنك تكتبين شعرا عاميا مكدسا بالمفردات البدوية, ألا يعني هذا نوعا من الازدواجية؟ أنا لست ابنة مدينة وإن كنت أقيم في طرابلس, لكن أنتمي إلي أصول عشائرية, وأسرتي بطبيعة الحال أسرة بدوية, وهو ما جعلني أتقن كل اللهجات البدوية الليبية, فضلا عن وجود عدد كبير من الشعراء الشعبيين في عائلتنا مما شجعني علي مواصلة المسيرة. في سياق عربي يتعامل مع شعراء العامية علي أنهم من الدرجة الثانية.. لماذا اخترت الكتابة بالعامية, ألا تشكين في جدوي هذا الاختيار؟ الخطاب الحياتي في ليبيا بمختلف مجالاته تسوده اللهجة العامية, حتي في حوارات التليفزيون, باعتبارها اللغة التي تمس حياة الناس وأحاسيسهم ومشاعرهم أكثر من الفصحي, وبالرغم من أنني بدأت كتابة الشعر بالفصحي, لكن وجدت أن العامية هي الأقرب إلي روحي الشعرية, والأكثر التصاقا بوجدان الجماهير فقررت أن يكون ديواني الأول (أثواب الحزن) بالعامية. إذن أنت تبحثين عن شهرة (ما) عبر الشعر؟ الشهرة ليست قضيتي, وإن كنت لا أنكر ترحيبي بها, لكنني في النهاية لست نجمة سينمائية, فقط هي الرغبة في التواصل الحميم مع الجماهير, مع التأكيد علي احترامي الشديد للفصحي التي أنا شديدة الحرص علي الاهتمام بها. معني هذا أن القاريء العربي خارج ليبيا ليس في دائرة اهتماماتك؟ من قال هذا؟! علي العكس تماما, فأنا أري أن شعر العامية الليبي ممثلا في قصائدي علي الأقل مفهوم في معظمه وقد تواصلت إبداعيا مع الكثير من القراء في الشام والخليج, وأخيرا في مصر عبر مشاركتي في مهرجان محكي القلعة للعام الثاني, بدليل تلك الكتابات النقدية التي اهتمت بقصائدي سواء في الصحف اللبنانية أم الخليجية, خاصة في الكويت التي كان لها فضل تقديمي للقاريء الخليجي من خلال زاويتي الصحفية سفيرة حب وكتاباتي الأخري في أكثر من صحيفة عربية. ما نصيب شعر العامية من الاهتمام في ليبيا سواء من التجمعات الثقافية الرسمية أم غير الرسمية؟ الشعر العامي لا يحظي بالاهتمام الكافي في ليبيا بل يأتي في المرتبة الثالثة بعد الشعر الشعبي (المحكي) الذي يحظي بالاهتمام الأول, ويحصد أهم الجوائز وتخصص له أكبر المهرجانات, يليه شعر الفصحي, أما شعر العامية فمستبعد تماما من المهرجانات الكبري, بل كان نشر قصيدة بالعامية إلي وقت قريب يعد جريمة كبري, حتي سمح أخيرا بنشر بعض قصائد بالعامية علي استحياء في جريدة المشهد التي تصدرها رابطة الأدباء والكتاب الليبية, لكن لايزال مجمع اللغة العربية ـ وغيره من الهيئات الثقافية والأدبية ـ يرفض الاعتراف بشعر العامية, وإن كنت أراهن علي أن المستقبل القريب سيجبر كل الرافضين علي الاعتراف بالمنجز الليبي في شعر العامية.
|
 | |
وما سر كل هذه الثقة في المستقبل؟ لدينا في ليبيا الآن جيل مهم يتشكل إبداعيا في ليبيا وأتوقع له خلال سنوات قليلة جدا أن يحدث ثورة إبداعية في الوطن العربي كله ليس علي صعيد شعر العامية فقط, لكن في مختلف المجالات الإبداعية, وهو ما سوف يعوض حقبة التخلف الثقافي الليبي عن مواكبة ركب الحداثة الثقافية في باقي الدول العربية, أيضا لا يمكن إغفال دور الفضائيات الكبير في استفزاز المبدعين الليبيين, ليواجهوا بإيجابية التحولات الجديدة التي تطرأ علي العالم العربي, بل العالم كله. وماذا عن الاهتمام النقدي والأكاديمي؟ بصراحة شديدة, وبلا أية مزايدات لا يوجد في ليبيا ـ تقريبا ـ نقد أدبي, أو نقاد أكاديميون, فالأمر يقتصر علي قراءات انطباعية, أو تحليلية للاستهلاك الصحفي ليس أكثر. والاهتمام الإعلامي سواء ليبيا أم عربيا؟ المبدع الليبي وقع عليه الظلم مرتين, مرة من الإعلام الليبي نفسه الذي عجز عن تقديمه بشكل جيد سواء داخليا أم عربيا, ومرة أخري من الإعلام العربي الذي لم يهتم سوي باسمين أو ثلاثة مثل الفقيه أو إبراهيم الكوني وتجاهل باقي المبدعين الحقيقيين الذين تزخر بهم ليبيا.. رغم أن الفقيه أو إبراهيم الكوني مثلا هما مجرد ممثلين للأدب الليبي, وليسا كل هذا الأدب, كل ما في الأمر أن الظروف والإعلام خدمهما, فإبراهيم الكوني علي سبيل المثال ليس كل أعماله في أدب الصحراء متميزة, باستثناء عمل أو اثنين, خاصة أننا في ليبيا ندرك خفايا أدب الصحراء, ونفرق جيدا بين الجيد والركيك منه, وكلنا يدرك أن الإعلام يلعب دورا خطيرا في تلميع (البعض) ونفي واستبعاد البعض الآخر, لكن القاريء والمتابع الجيد لا يسمح للإعلام بخداعه, ويبحث عن الخريطة الحقيقية للإبداع الجاد والمؤثر في ليبيا. إذن بماذا تفسرين كل هذا الاهتمام الإعلامي والثقافي بك, وهل أسهم كونك امرأة جميلة في حضورك الإبداعي؟ سر الاهتمام بي يرجع إلي اهتمامي الشديد بنفسي, وبمجهودي الشخصي واتصالاتي, ولن أنكر أن الفضل في حضوري الإبداعي يعود إلي أنوثتي, وبصراحة شديدة, نحن نعلم أن المرأة الجميلة, خاصة إذا اهتمت بمظهرها وأناقتها, تفتح أمامها الأبواب المغلقة, لكن أنا من ناحيتي حاولت استغلال الأمر لصالحي, لكن بالشكل الذي لا يسيء إلي كياني كأنثي, فسعيت إلي تطوير مكوناتي الثقافية بحيث أثبت أنني لست مجرد جسد جميل, لكنني أيضا أمتلك عقلا مهما, وإن كنت لا أنكر أن هذا جعلني أسير فوق حقل أشواك طوال الوقت, وهي الأشواك التي تسير عليها شاعرة/أنثي جميلة ومحترمة ترفض تقديم أي قدر من التنازلات وتواجه في الوقت نفسه قيود التقاليد الاجتماعية الصارمة. بمناسبة التقاليد, كيف امتلكت جرأة مواجهة كل هذه القيود المفروضة علي المرأة الليبية؟ حبي الشديد لليبيا, وألمي بسبب غيابنا عن خريطة الشعر العربي, وغيرتي علي الإبداع الليبي, كل ذلك منحني القوة والجرأة لمواجهة غضب بعض أفراد عائلتي إلي حد قطع علاقتي بهم, لكن ماذا تساوي خسارتهم من أجل أن تربح ليبيا, وقد ساعدني كثيرا وقوف أبي بجانبي ضد من اعترضوا مسيرتي, وضد كل القيود القبلية التي كان من الممكن أن تدمر مشروعي الإبداعي, كذلك كان تشجيع زملائي في رابطة الأدباء حافزا آخر علي إظهار قصائدي للنور, لكن أعترف بأن المرأة الليبية مازالت مقهورة من قبل مجتمعها وتقاليدها القبلية رغم أن النظام السياسي كان حريصا علي منحها كل حقوقها لكن المشكلة مازالت قائمة في ظل مجتمع مازال ظالما ورجعيا ويري في بوح المرأة الشعري في وسائل الإعلام أو في مهرجانات وأمسيات جماهيرية جريمة كبري, ولهذا لدينا شاعرات كثيرات يكتبن بأسماء مستعارة. هل لهذا السبب تتجه المرأة الليبية إلي كتابة القصة هروبا من تبعات الشعر؟ هذا صحيح, فالمرأة الليبية تهرب بكتابة القصة والرواية من (إباحية الشعر) أحيانا, وأحيانا أخري حتي لا تضطر إلي المشاركة والإلقاء أمام الجماهير وجها لوجه أو في التليفزيون, وأذكر أنني في بداية تجربتي حينما ألقيت قصائدي في أول أمسية شعرية, واجهت عاصفة غاضبة, فكيف تجرؤ فتاة ليبية علي أن تقول علانية (حبيبي) و(لا أستغني عنك), وتتحدث عن الهجر واللوعة والأشواق. في تجربتك الشعرية الأولي من خلال ديوان أثواب الحزن الذي صدر العام الماضي في ليبيا تقدمين قصائد متوهجة عاطفيا, لكنها مليئة بنبرات الحزن والإحباط ما السر؟ ديواني الأول (أثواب الحزن) هو تعبير طبيعي عن فترة المراهقة بمشاعرها العاطفية المشتعلة, كما أنه كان صدي لتجربة حب حقيقي من طرف واحد, عبرت عنها بشجاعة وجرأة شعريا, لهذا كانت قصائدي حزينة ومحبطة, فأقسي ما في الحياة أن تحب من طرف واحد, لكن في ديواني الجديد الذي أكتبه الآن.. خرجت من عباءة هموم المرأة الذاتية وتجارب المراهقة إلي الفضاء الإنساني بكل رحابته وتنوعه واتساع آفاقه * |
|
|
 |
|
|
 |
|
|