
|
التقليد دون إعمال العقل مذموم في الإسلام |
إعداد- د. حسن علي دبا لا يبالغ الخطاب الديني المعاصر إذا توصل إلي أهمية عمل العقل في خطابه للآخرين وقد بلغت عناية الإسلام بالعقل الإنساني مبلغا كبيرا, ذهب فيه الفكر الإسلامي إلي ضرورة تحرر هذا العقل من كل ما يؤثر عليه, مطالبا بالمناقشة والنقد والدليل في كل ما يعرض عليه من قضايا, فقيه الوسطية د. يوسف القرضاوي يذهب إلي ذم التقليد الذي يعطل العقل, ويري في إجاباته عن أسئلة القراء هذا الأسبوع أن الإسلام ينكر تقليد العامة والسير مع الجماهير دون الرجوع إلي العقل أو الشرع, ناقشت الإجابات قضايا أخري لكنه أكد في أول الأمر علي ضرورة احترام العقل فقال: يجب أن يحترم العقل لدي المسلمين, فلا يعطلوه عن وظيفته, ووظيفته هي التفكير والبحث والاستنباط والنقد, وليست مهمته مجرد التلقي والتقليد والجمود, وقبول كل ما يلقن للإنسان دون أن يمتحنه ويفحصه ويعرف صدقه من كذبه أو صحته من فساده أو صوابه من خطئه, ولهذا كان علي العقل أن يناقش وينقد ويطلب دليلا علي كل قضية, وهذا ما يعلمه لنا القرآن, فهو الذي يقول بكل وضوح (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) كما قال (نبئوني بعلم إن كنتم صادقين). ما منهج القرآن في بناء العقل؟ لإثبات الحسيات لابد من دليل المشاهدة (أشهدوا خلقهم), ولابد في إثبات النقليات من دليل التوثيق (قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا), وكان لابد في إثبات العقليات من البرهان المنطقي, ولهذا تكررت في القرآن مطالبة أصحاب الدعاوي العقدية, أن يأتوا بالبرهان المنطقي, ولهذا تكرر في القرآن مطالبة أصحاب الدعاوي العقدية أن يأتوا بالبرهان علي دعواهم (أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم), وقال أيضا: (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصاري تلك أمانيهم, قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين). وما العقل الذي يرضي عنه الشرع؟ العقل الذي نريده هو العقل الحر الباحث عن الحقيقة الطليق من إسار التقليد واتباع الظنون والأهواء, فإن الظن لا يغني من الحق شيئا, والهوي يعمي ويصم, أما العقل المكبل بأغلال الانبهار بفلسفة معينة أوبثقافة بشرية أو بتقليد الماضين, فهذا عقل غير مأمون في تحصيل المعرفة الصحيحة, والوصول إلي الحقيقة الصريحة, وقد قال الإمام ابن الجوزي: (أعلم أن المقلد علي غير ثقة فيما قلد فيه, وفي التقليد إبطال منفعة العقل, لأنه خلق للتأمل والتدبر, وقبيح بمن أعطي شمعة يستضيء بها, أن يطفئها ويمشي في الظلمة. كيف تري الشريعة أمر التقليد الذي يبطل عمل العقل؟ التقليد مذموم في شرعة الإسلام, سواء كان تقليدا للأجداد والآباء, أم للسادة والكبراء, كما قال تعالي: (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا, أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون) كما قال: (وقالوا: ربنا إننا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا) بل ينكر الإسلام تقليد العامة و السير مع الجماهير دون الرجوع إلي عقل أو شرع, كما ذكر الحديث لا تكونوا إمعة تقولون: إن أحسن الناس أحسنا, وإن ظلموا ظلمنا, ولكن وطنوا أنفسكم: إن أحسن الناس أن تحسنوا, وإن أساءوا فلا تظلموا (رواه الترمذي في البر عن حذيفة وقال: حسن غريب). وأشد ما يكون التقليد مذموما: حين تقلد أمة فلسفة أمة أخري, وتقبل ـ مبصرة أو غير مبصرة ـ فكرتها عن الدين والمجتمع, عن الله والإنسان, عن الدنيا والآخرة, عن المعرفة والقيم, ويقودها أفراد منها فتنوا بالآخرين وغلبوا علي عقولهم كأنهم مغيبون أو مخدرون. ما أثر التقليد الذي وقعت فيه الأمة علي مسيرتها العقلية؟ جربنا هذا التقليد قديما في افتتان فئة من كبار مثقفي المسلمين بفلسفة الإغريق, وبهروا بها, وأذعنوا لسلطانها, ولم يحاولوا أن يناقشوها أو يمتحنوها, بل اعتبروها أو اعتبروا قضاياها: مسلمات, واتخذوها أصلا, والإسلام فرعا, فما وافقها من عقائد الإسلام وشرائعة فهو مرضي مقبول, وما خالفها فهو مرفوض, وبعض ما كان يعتبر حقائق عندها وعندهم, يعرف تلاميذ المدارس الإبتدائية اليوم أنه خرافة, وباطل, وقد كشف العلم زيفه, حتي جاء حجة الإسلام الغزالي فهدم هذا الصنم الكبير علي رأس أهله, وبين ما فيه من أباطيل وأوهام في كتابه (تهافت الفلاسفة) فأبطل الفلسفة بمنطق الفلاسفة, ثم جاء بعده شيخ الإسلام ابن تيمة, فأكمل مشواره, ورد علي الفلاسفة, ومن تأثر بهم من المتكلمين,وبين موقف الإسلام بمنطق العقل الفطري, وضبط جموح العقل الإنساني لضوابط الوحي الرباني, وذلك في عدة كتب له أهمها (درء تعارض العقل والنقل) والذي سمي أحيانا (موافقة صحيح المنقول صريح المعقول). إذا انتقلنا إلي الحاضر هل يعد انبهار بعضهم بالحضارة الغربية تبعية وتقليدا مذمومين؟ في عصرنا امتحن العقل الإسلامي بقضية الانبهار بصنم الحضارة الغربية الحديثة بما تحمله من فلسفة للحياة والإنسان مغايرة لفلسفة الإسلام, سواء في فلسفتها الليبرالية الفردية أم في فلسفتها الجماعية الماركسية, فكلتاهما فلسفة حسيةمادية, مغرقة في النفعية والدنيوية, تغلب المادة علي الروح, والدنيا علي الآخرة, والعقل علي الوحي, والمنفعة علي الأخلاق, هذا إن لم ترفض الروح والآخرة, والأخلاق رفضا مطلقا, كما هو شأن الفلسفات المادية ومنها الشيوعية والماركسية, سميت هؤلاء: (عبيد الفكر الغربي) وهم الذين أرادوا أن نفني في الغربيين, ونسير في ركابهم ونأخذ حضارتهم كلها, بجذورها الفلسفية, وخلفياتها العلمانية, وتناقضاتها التاريخية أو كما قال قائلهم: بخيرها وشرها, وحلوها ومرها, ما يحب منها وما يكره, وما يحمد منها وما يعاب. ماذا يمكن للعقل أن يأخذ ويترك من الشرق ومن الغرب؟ يجب علي العقل المسلم اليوم في خطابه الديني أن يتحرر من التبعية والتقليد للغرب وفلاسفته, كما دعوناه أن يتحرر من التبعية والتقليد للشرق وأئمته, بل هذا التحرر أحق وأولي, فإن أئمة الشرق هم منا ونحن منهم, نشاركهم في الأصول الكلية, وفي الفكرة المدنية, ولكن زماننا غير زمانهم, ومشكلاتنا غير مشكلاتهم, وظروفنا غير ظروفهم. نريد من العقل المسلم أن يتحرر من التبعية والتقليد, وألا يتعبد إلا بمحكمات النصوص الربانية التي تضيء له الطريق, وتهديه سواء السبيل, وهي في الحقيقة منارات تهدي, وليست قيودا تكبل, ترشد العقل ولا تقيده, وتحرره ولا تستعبده (ومن يعتصم بالله فقد هدي إلي صراط مستقيم) (يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا) *
في الحلقة القادمة كيف يري الشرع العلاقة بين العقل والإيمان؟
|
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|