335
السنة 123-العدد
2003
اغسطس
23
25 جماد ثان1424هـ
السبت
الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات
حسبي الله
غرفة العمليات
داود الفرحان
من المصطلحات الغريبة التي اقتحمت أسماع العراقيين بكثرة خلال نظام صدام حسين المنهار مصطلح 'غرفة العمليات' . وهو مصطلح متداول جدا في الميدان العسكري للدلالة علي سرية الغرفة وخطورتها نظرا لما تحويه من خرائط عسكرية ومجسمات لمواقع العدو وأرض المعركة والأهداف التي يمكن ضربها. وقبل ذلك فهو مصطلح معروف وشائع في الميدان الطبي للدلالة علي معني المصطلح نفسه.. أي الغرفة التي تجري فيها العمليات الجراحية.
إلا أن الأمر تعدي ذلك الي مجالات أوسع.. بحيث فقد أهميته لكثرة استخدامه. فمع أحداث العقدين الأخيرين في العراق والهالة التي أحيطت بغرف العمليات العسكرية في حروب صدام التي قادت البلاد إلي كوارث ونكبات بفعل قيادته الفذة حاول بعض المنافقين والمتسلقين الظهور في الصورة أو محاكاة الجو السائد عن طريق إنشاء ما سموه بغرف العمليات. وهو أمر مفهوم إذا ما كان متصلا اتصالا مباشرا بالجهد العسكري, ولكنه يصبح موضعا للتساؤل, والسخرية في أحيان كثيرة إذا ما كان بعيدا تماما عن العسكر والعسكرية والمعسكرات.
فقد صرنا نسمع عن غرف عمليات في الوزارات كافة بما فيها الأوقاف والشئون الدينية والزراعة والمالية والعدل والإعلام والخارجية والداخلية وغيرها. بالاضافة إلي غرف عمليات في المؤسسات والمديريات والمنظمات.. وغرفة تلد غرفة.. وكلها للعمليات. ومع الحصار والتضخم وسقوط الدينار العراقي بالضربة القاضية ليس أمام الدولار والعملات الصعبة فقط وإنما أمام الجنيه السوداني والفول السوداني أيضا, بدأنا نسمع عن غرف عمليات في البنك المركزي العراقي ومصرف الرافدين ومصرف الرشيد وحتي المصرف الاشتراكي المفلس الذي نهبه قصي صدام حسين بحجة تحسين الوضع الاقتصادي لمنتسبي الحرس الجمهوري معقل المرتزقة والخونة الذين فتحوا أبواب بغداد أمام الدبابات الأمريكية.
وانتقلت العدوي إلي الصحف العراقية الحكومية, وكلها حكومية, حيث تم تفريغ غرفة خاصة في كل منها للعمليات. ما هي هذه العمليات؟ أنها عمليات اختيار صورة صدام والأخبار التي تنشر علي الصفحة الأولي خلال الأزمات السياسية خاصة أن لدينا أزمة بين كل أزمة وأزمة. وفي هذه الغرفة يتناول الزملاء الكباب والطرشي هنيئا مريئا بعد الانتهاء من إعداد خطاب القائد الملهم للنشر.
ومن الطبيعي أن يصاب المواطن البسيط بالرهبة إذا راجع دائرة الكهربـاء - مثلا- وطلب مقابلة أحد مسئوليها وقيل له إنه في اجتماع داخل غرفة العمليات. وسيضرب المواطن أخماسا بأسداس وأنا لا أعرف في الواقع لماذا أخماسا في أسداس وليس أسباعا في أثمان لتخمين ما يدور في هذه الغرفة. وسيتصور أنهم يجرون اختبارات حساسة ويراجعون كشوفات سرية لتحديد سعة الضغط العالي والضغط الواطي والأحمال والذروة وغيرها من المصطلحات التي اعـتاد العراقـيون سماعها طوال ربع قرن كلما سألوا عن سبب انقطاع الكهرباء. ولأن المواطن حسن النية فهو يجهل أنهم كلما دخلوا غرفة العمليات عم الظلام أنحاء العراق, مثلما كانت الهزائم تلاحق الجيش العراقي كلما دخل صدام غرفة العمليات. وآه أيها الجيش العراقي الباسل كم من الجرائم ارتكبت باسمك.
والحال نفسه في وزارة التجارة التي كلما دخل وزيرها ومدراؤها العامون والخاصون غرفة العمليات حدثت أزمة في السوق وارتفعت الاسعار وانفرجت أسارير عدي صدام حسين.
ومع كل تلك الأزمات والهزائم والخطب الرنانة والأناشيد السخيفة ومهرجانات التصفيق والشعر الردئ وغرف العمليات كان العراقيون يرددون : بالروح بالدم!