
|
أي جزرة يا روني؟ |
 | |
محمد حبوشة المعاناة اليومية التي يعيشها أبناء الشعب الفلسطيني أصبحت علي ما يبدو بمثابة لوحة تشكيلية يروق لأبناء إسرائيل التأمل في أركانها وألوانها القاتمة طويلا, دون تحليل خطوطها ورموزها التي تشير إلي شدة العنف والكراهية لأصحاب الأرض الحقيقيين, وكي تبقي تلك اللوحة علي حالها هكذا دون أية رتوش وبإطارها الجديد المتمثل في السور الفاصل يحلو للبعض من الكتاب والمحللين السياسيين الإسرائيليين وصف الحالة الراهنة بالهدوء والسكينة في ظل الهدنة الحالية. وإمعانا في الاستفادة القصوي لأبناء الشعب الفلسطيني في ظل تلك الهدنة فقد رأي الكاتب والمعلق السياسي روني شكيد أن الفلسطينيين سيفضلون الحفاظ علي الهدنة طالما لمسوا فوائدها في حياتهم اليومية, وطالما منحتهم فائدة سياسية. وبالنظر إلي أرض الواقع الحياتي المتردي في الأرض المحتلة, سوف تدلنا التفاصيل المؤلمة إلي معاناة يومية لا حدود لها فإذا أراد المواطن الخروج من أي مكان في كامل الأراضي الفلسطينية فإنه سيكون بحاجة إلي تصريح وللحصول علي هذا التصريح فإنه سيحتاج إلي تصريح للمكان الذي يستخرج منه هذا التصريح, وهكذا يمكن أن تنتهي حياته في رحلة البحث عن تصريح دون جدوي, خاصة أن عدد الحواجز لا ينتهي, وكم الإهانات والإذلال يجعل أبناء هذا الشعب المحاصر يكره الإسرائيليين حتي في أحلامهم. إذن يا سيد روني كيف تتصور أن الشعب الفلسطيني سعيد بتلك الهدنة, في وقت يعاني فيه الشاب الذي يري والده المريض يتعذب دون إسعاف أو دواء, وكيف يري الأب ابنته تعيش المرور اليومي عند حواجزكم للوصول إلي مدرستها تحت لهيب الشمس وزمهرير الشتاء لأن عليها المرور من تحت حرابكم وسماع جميع الشتائم البغيضة من علي ألسنة جنودكم المدججين بالسلاح. كيف يتسني ذلك كله وقبول حقدكم وإهانات جنودكم لساعات طويلة يوميا, وبعد ذلك تري أنه حان وقت الجزرة التي تقدمها إسرائيل بإخلاء المدن الفلسطينية, وتغيير التعامل مع عرفات وفتح الكلية الإسلامية في الخليل, وسلسلة أخري من التسهيلات المدنية التي تراها أيضا تستهدف الفصل بين محاربة الإرهاب والجمهور المدني, تعتبر خطوات أولي في سياسة تقديم الجزرة للفلسطينيين في سبيل تحقيق الهدوء الأمني وتمديد فترة الهدنة إلي أقصي حد. هل هذا كلام معقول؟! يقول روني شكيد نفسه إن إسرائيل جربت كل وسائل القوة في محاربتها للإرهاب المقاومة الفلسطينية المشروعة مثل: طائرات إف 16, الدبابات, الصواريخ, الوحدات الخاصة, وحتي طرد السكان الفلسطينيين إلي غزة, ويعجب في ذات الوقت من أن تلك الوسائل مست إلي حد كبير قدرات المقاومة, لكنها لم تمس محفزاتها, لم تمس الروح القتالية لدي أبناء الشعب المعزول عن العالم بجسده وأرضه, لكن روحه وقضيته العادلة في السيادة والحفاظ علي أرضه لم تنل منها كل ترسانات السلاح الإسرائيلي. ولا وجه هنا للعجب فالأمر طبيعي جدا أن تسلب أرضك ومقدساتك ولا يمكن أن يكون هناك مقابل لذلك بانتزاع روحك والاكتفاء بفتات من الأرض التي يحيطها سور عازل. عزيزي روني ليس الأمر كما تري بأن الفلسطينيين قد فهموا أنه لا يمكنهم هزيمة إسرائيل عن طريق استخدام القوة ـ ولا أدري عن أي قوة تتحدث ـ ولذلك لجأوا إلي الهدنة التي يعتبرونها سلاحا كالعمليات الاستشهادية, أو صواريخ قسام, وبالتالي هم يسعون بذلك إلي إجبار إسرائيل علي المضي نحو تحقيق رؤية الرئيس بوش بإقامة الدولة الفلسطينية. القضية بالأساس هي محاولة لإثبات حسن النيات من جانب الفصائل الفلسطينية للسير نحو آفاق السلام وتنفيذ بنود خارطة الطريق التي تحقق قدرا ضئيلا من المكاسب التي ترونها تنازلات مؤلمة, وبالتالي لا يجب النظر إلي نصف الحقيقة, أو نصف الكوب الفارغ كما يري كثيرون غيرك, باختصار ليس لإسرائيل أي حق في هذه الأرض, وأري كما قلت منذ البداية أنكم منفصلون عن الواقع اليومي المعاش علي التراب الذي تدوسه أقدام جنودكم كأنها لوحة تشكيلية عبثية منمقة التفاصيل. أتصور أن تلك الرؤي والتحليلات التي تتحدث عن الهدنة كمرادف للأمن لا تخرج عن كونها محاولات للفت الأنظار وعدسات المصورين إلي واقع غير مرئي حتي يغض الطرف الفلسطيني النظر عن القضايا الأساسية للصراع كالمستوطنات والقدس واللاجئين.
|
|
|
|
 |
|
للرد على المقال أضغط هنا
|
 |
|
|