
|
قوانين السياسة في الشرق الأوسط |
 | |
د. عبدالمنعم سعيد هناك خلاف كبير بين علماء السياسة حول عما إذا كان ممكنا اكتشاف قوانين للسياسة في بلد أو منطقة أو في العالم أم لا, فالبعض يقول إن السياسة في النهاية عملية بشرية يصعب صبها في قوانين معلومة, أما البعض الآخر فإنه يقول إن التاريخ يقدم لنا معملا لتكرار أنماط من السلوك, وإذا ما باتت أنماط منها مستقرة فإنه يمكن القول إنها تمثل قوانينا للحركة السياسية, وإذا كان هذا القول الأخير صحيحا فإن هناك أربعة قوانين خاصة بالسياسة في الشرق الأوسط يمكن تطبيقها علي الموقف الراهن في المنطقة. وأول هذه القوانين هو ما قال به هنري كيسنجر ـ وزير الخارجية الأمريكي ـ في عهد الرئيسين الأمريكيين نيكسون وفورد من أن عملية السلام في المنطقة أشبه براكب الدراجة الذي يصعد التل, فما لم يستمر في الصعود فإنه يتدهور إلي الخلف ويهبط مقلوبا علي رأسه إلي السفح. ولم تكن هناك مصادفة أبدا أن المحاولات التي نجحت في دفع عملية السلام إلي الأمام كانت تلك التي كانت فيها كل الأطراف لا تكف عن دفع العجلة إلي أعلي مستوي خاصة من جانب الولايات المتحدة الأمريكية حينما يعطي رئيس الجمهورية ووزير خارجيته وقتا لقضية المنطقة لا يتوافر لأي قضية أخري. ولا يمكن أن ننسي أن اتفاقيات الفصل بين القوات علي الجبهتين المصرية والسورية (1975-1974) كان لا يمكن تحقيقها لولا الجهد الذي قام به الرئيسان نيكسون وفورد ووزير خارجيتهما كيسنجر في رحلاته المكوكية بين عواصم الشرق الأوسط والعاصمة الأمريكية. وثاني هذه القوانين هو ما تقول لنا به التجربة التاريخية إذا ما أتيحت فرصة تاريخية لتغيير الأوضاع علي الأفضل وضاعت فإنها لا تعود ثانيا إلا بعد وقت طويل تسود فيه واحدة من حلقات العنف الجهنمية. ولا ننسي أبدا أن قرار التقسيم لعام 1947 كان واحدا من تلك الفرص, والتي كان ممكنا ساعتها تسوية الصراع علي أسس قد لا ترضي أحدا. ولكنها كانت ستتيح حلا يقوم علي دولتين وهو ما تذهب إليه خريطة الطريق الآن بعد ما يزيد علي نصف قرن من الصراع, وما بين قرار التقسيم وخريطة الطريق سالت دماء كثيرة كان ممكنا أن تكرس لبناء الدول العربية والمنطقة كلها, ولا ننسي أبدا الفرصة التي أتاحها انعقاد مؤتمر جنيف للسلام بعد حرب 1973 والذي كان ممكنا أن يخط الطريق لحل الصراع علي كل الجبهات, وكذلك الفرصة التي تولدت عن مبادرة الرئيس السادات للسلام, وحتي الفرصة التي تولدت بعد انعقاد مؤتمر مدريد واتفاقيات أوسلو, وأخيرا الفرصة التي تولدت عن قمة كامب دافيد الثانية وما تلاها من مقترحات كلينتون ومفاوضات طابا التي ضاع فيها السلام من أصابع المفاوضين. وثالث القوانين أن قوي الاعتدال في المنطقة مهددة دائما من قوي التطرف فإذا لم تنجح الأولي تقدمت الثانية لكي تملأ الفراغ وتمسك بيدها تقرير الأمور, وما علينا إلا أن نراجع التاريخ حتي نجد هذا القانون فاعلا في الصراع العربي ـ الإسرائيلي وغيره من صراعات الشرق الأوسط وسياساته بطريقة مثيرة, فقد كان الفشل في التسوية بعد قرار التقسيم سببا في نهاية النظم السياسية المعتدلة في المنطقة ومولد الحركات الراديكالية والناصرية القائمة علي الأيدلوجيات الثورية والقوة العسكرية بدلا من البرلمانات والأفكار الليبرالية والإصلاحية. ومع فشل التسوية في السبعينيات جاءت الحركات الأصولية التي اغتالت الرئيس السادات وجعلت السلام العربي ـ الإسرائيلي مجرد سلام مصري ـ إسرائيلي, وضاع عقد الثمانينيات بأكمله في مناورات أضاعت الزمن والإمكانيات علي دول المنطقة, وعندما ظهر أن تسويات مدريد وأوسلو لم تذهب بعيدا, أو لأن القائمين عليها لم يجعلوها تذهب بعيدا, كانت النتيجة اغتيال رابين, والتوسع الاستيطاني, والعمليات الانتحارية, وتجمد عملية السلام لمدة ثلاث سنوات لم تحصد فيها الأطراف سوي العنف. ورابع القوانين أن قوي التطرف لا تريد لأي تجربة من تجارب السلام أن تنجح لأنه لو حدث السلام والاستقرار لما عاد هناك وجود للتطرف الذي يزدهر فقط عندما تنفلت كل الأمور من عقالها, ولو عدنا إلي تجربة مبادرة الرئيس السادات في السبعينيات وخطة الملك فهد في الثمانينيات. وتجربة مدريد ـ أوسلو في التسعينيات لو جدنا أن قوي التطرف, لدي العرب ولدي إسرائيل, لم تعارضها فقط وإنما عملت كل جهدها لإفشالها تماما, لقد كانت هذه القوي منظمة بشدة من أجل إفشال التسوية من خلال خلق حالة من الهستيريا القومية التي تجعل من التوصل إلي تسوية شبه مستحيل, بل وجعل التسوية نوعا من الخيانة للأمة, وكفرا بالدين, والأهم من ذلك أنه لا علاقة لها بالتنمية والتقدم والتغيير السياسي واللحاق بالعصر, حيث بات كل ذلك يمكن تأجيله لأنه لا صوت يعلو علي صوت المعركة. هذه القوانين الأربعة فاعلة الآن بشدة في الساحة الشرق أوسطية, وبعد أن نجحت مصر من خلال دبلوماسيتها في تحقيق, أولا, تعديل السلطة الفلسطينية بحيث يمكن بدء المفاوضات من خلال وجود منصب رئيس الوزراء للسلطة الوطنية الفلسطينية وتولي السيد محمود عباس ـ أبو مازن ـ لهذا المنصب. وثانيا, تحقيق الهدنة من خلال التوسط مع المنظمات الفلسطينية المختلفة لقبول وقف لإطلاق النار, وكان تطبيقه فاتحة لعملية دبلوماسية واسعة هي التي نعيشها الآن لتطبيق خريطة الطريق, ولكن تطبيق الخريطة ليس كتصميمها, وعندما تتحول الخطط والخرائط إلي حركة سياسية, فإن قوانين السياسة تأخذ هي الأخري في العمل, ومن ثم فقد بتنا نواجه موقفا غريبا, وبدلا من التطبيق الأمين لمراحل الخريطة المختلفة, بدءا من المرحلة الأولي, وجدنا أن عددا من القضايا ـ مثل أسري الانتفاضة والحائط الإسرائيلي ـ التي لم يرد بها نص مباشر في الخريطة, بدأت تأخذ الأولوية علي ما عداها, وبدأ الوقت يضيع بينما الساعة تدق فيما يخص الانتخابات الأمريكية, وعلي الأطراف فإن التطرف الإسرائيلي بدأ في الحركة, وكلما تمت إزالة نقاط استيطانية, أقيم فورا أضعافها, وعلي الجانب الفلسطيني, فإن المنظمات الفلسطينية التي قبلت الهدنة تتعامل معها ليس علي أنها مرحلة انتقالية للاستعداد وتمهيد الأرض للسلام, وإنما كمرحلة انتقالية استعدادا للحرب, وكانت نتيجة ذلك كله هي أنه رغم تحقيق الهدنة, وصمودها حتي وقت كتابة المقال, فإن هناك القليل الذي تم تحقيقه من الخطوات الفعلية لتحقيق المرحلة الأولي من خريطة الطريق, ويبدو أن التفاعل الراهن بين الأطراف, والاتهامات المختلفة هي في حقيقتها محاولة للهروب من الاستحقاقات لأن معني تطبيقها وتنفيذها مواجهة التطرف والتشدد السائد, فهل تنهار عملية السلام مرة أخري حتي قبل أن تنهض أو تطبق هذه المرة, أم أنه سوف تكون هناك إمكانية لإنقاذها؟ لننتظر ونري!!
|
|
|
|
 |
|
للرد على المقال أضغط هنا
|
 |
|
|