
|
البقية في حياتنا |
 | |
عاطف حزين لم أعرفه علي المستوي الشخصي, لكنني بكيته كما لم أبك أحدا. لم أحزن من قبل علي الذين يموتون انتحارا, لكن الحزن يمزقني بسبب إنتحار عبدالحميد شتا. اجتمعت له كل صفات التفوق, تراهن كل من يعرفه علي أنه سيصير شيئا عظيما تفخر به مصر, أما هو فقد كان يأخذ بالأسباب التي تجعله في المقدمة. ذاكر كثيرا فحصل علي أعلي التقديرات في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية. احتضنه أساتذته وحاولوا التوسط له للعمل في أماكن مرموقة, لكن عبدالحميد شكرهم وقال لهم سأرفع من مستواي أولا في اللغات والكمبيوتر حتي استحق الوظيفة التي أحلم بها. عبدالحميد شتا لن يحلم بعد الآن.. بعد أن استقر بأحلامه واجتهاداته وآمال أسرته وقريته في قاع النيل ليكتب كلمة النهاية لقصة لم تكتمل, قصة كان يتناقلها أهالي قريته ميت الفرماوي دقهلية. قصة عبدالحميد ابن عم علي الفلاح الفقير الذي سيصبح سفيرا وربما وزيرا وربما رئيسا للوزراء من يدري أليس لكل مجتهد نصيب؟ وهل هناك من يجتهد أكثر من أبننا عبدالحميد؟ وعندما تخرج إبنهم عام 2000 لم يلبث أن بدأ في إعداد رسالة الماجستير, وفي نفس الوقت عمل باحثا تحت التمرين بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية, ولكن فور علمه بأن وزارة الاقتصاد تنظم مسابقة لاختيار ممثلين تجاريين لمصر في الخارج, قال لنفسه هذه هي الفرصة التي أحقق بها حلم أبي, تمثيل مصر في الخارج, واجتاز عبدالحميد المسابقة التي تقدم لها الآلاف وكان يحقق المركز الأول في كل مرحلة حتي تم تصفية المتسابقين إلي 42 شابا, انتقلت بهم المسابقات إلي مستوي أعلي وأقسي لكن عبدالحميد المثقف الباحث الذي يجيد الإنجليزية والفرنسية إجادة تامة يجتاز كل زملائه بمهارة جعلت الممتحنين يقولون له مبروك مقدما فيقفز من السعادة وينقل التهنئة إلي أهله في القرية وإلي أصدقائه. المفاجأة القاسية كانت في انتظار عبدالحميد يوم إعلان النتيجة رسميا, نظر إلي الكشف فوجد اسمه, نظر إلي الخانة المقابلة للاسم فوجد عبارة: غير لائق اجتماعيا. أسقط في يده, سأل من حوله ماذا تعني هذه العبارة؟ نظروا إلي تعبيرات وجهه فأشفقوا عليه, هم يدركون أنه يعرف معني العبارة لكنه لا يصدق أن هناك مكانا في مصر ! التي يشكل الفقراء %85 من سكانها يأخذ بهذا المعيار. لا يصدق لأنه تربي علي كلمات أبيه الفلاح الذي أنصفته الثورة حين ساوت بين الغني والفقير, حين جعلت العلم والاجتهاد وقبلهما المواطنة هي أساس أي تقييم في أي مكان ينتمي إلي مصر, عبدالحميد لم يصدق لأنه تربي علي مباديء ثورة يوليو التي أعلت قيمة العلم بدليل أن رؤساء مصر بعد الثورة ينتمون جميعا إلي الطبقة المصرية الفقيرة ووصلوا بجدهم واجتهادهم ووطنيتهم إلي أعلي منصب في البلد. مع ذلك عبدالحميد غير لائق اجتماعيا لشغل وظيفة ممثل تجاري, تصوروا أن هذه الجريمة ارتكبت في وزارة الاقتصاد. جريمة بشعة جعلت ضحيتها يرتكب جريمة أبشع لا يقرها عقل ولا قلب ولا دين. قال لنفسه بصوت عال إذا لم أحصل علي فرصتي بعد كل هذا الاجتهاد فليس هناك قيمة للحياة. لم يمنح نفسه خمس دقائق لتدبر الأمر والنظر إليه من جميع الوجوه. لم يتخيل رد فعل أبيه حين يعلم بما فعله ولده بنفسه. لم ير غير كلمة النهاية فألقي بنفسه في قاعها. من المؤكد أن عم علي سيكون أكثر الناس حزنا علي زرعته التي ماتت, تماما مثل عم عبدالله القهوجي الذي قال لي منذ أسبوعين وهو يرص لي حجر الشيشة: تصور يا بيه.. بنتي الكبيرة حصلت علي بكالوريوس الهندسة بدرجة جيد جدا, وعندما استدعتها إدارة الكلية لتعيينها معيدة سألوها عن مهنة والدها فلم تتردد وهي تقول لهم بملء الفم, والفخر بالأب الفقير الذي علمها هي وإخوتها حتي مراحل التعليم العالي.. قالت لهم أبي قهوجي فنظروا إلي بعضهم وقالوا لها: شكرا.. فرصة سعيدة. البقية في حياتك يا عم علي.. والبقية في حياتنا يا عم عبدالله
|
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|