
|
المواطنة والحرية |
 | |
نبيل عبدالفتاح لا شك أن حريات الرأي والتعبير في الصحافة المصرية, تمثل نقطة تحول أساسية في طريقنا نحو تطوير وإصلاح حياتنا السياسية, ومن أبرز ملامح هذا الإنجاز السياسي المصري المهم اتساع مساحات وخطوط النقد أمام المثقفين والكتاب إلي حدود لم تتح من قبل في ظل نظام يوليو 1952, ويبدو أن ذلك رهين بضرورة الممارسة الموضوعية للنقد لا الغوغائية والتجاوزات التي تنحدر إلي انتهاك القانون وحقوق الغير, إن أبرز ملامح هذا الإنجاز المصري المهم هو مشروعية واتساع مجالات طرح القضايا والإشكاليات والأزمات ومن بينها علي سبيل المثال مشاكل المواطنة والاندماج القومي المصري, والتناول غير التقليدي لهذا الموضوع المهم. لا شك أن المواطنة تشكل أحد أهم القضايا والإشكاليات المصرية والعربية خلال أكثر من خمسة عقود مضت لأسباب عديدة يمكن أن نذكر بعضها فيما يلي: 1ـ طبيعة الدولة التسلطية, وأجهزتها الإيديولوجية والرمزية والمادية التي أعلت من شأن الطابع التعبوي في علاقاتها مع القوي والفئات الاجتماعية علي اعتبارات الحريات العامة والفردية. 2ـ ركزت الدولة علي بعض الأبعاد الاجتماعية للمواطنة لا علي الأبعاد السياسية والحريات, وعلي إيلاء العناية والاهتمام بالمباديء العامة, دون تطبيقاتها الواقعية ولم تركز علي ضرورة التنبه إلي الجوانب الإيجابية التي ينطوي عليها التعدد في التركيبة المجتمعية المصرية بمكوناتها الدينية, والمناطقية والاجتماعية.. إلخ ويعود ذلك لعدد من الاعتبارات منها: أـ أن طبيعة تركيبة الصفوة السياسية الحاكمة, وأصولها العسكرية تنزع إلي السيطرة والتعبئة ومن ثم سطوة الثقافة المركزية النهرية للدولة المصرية علي تكوين وتدريب وقيم المؤسسة العسكرية الوطنية التي تمثل بلا نزاع بوتقة صهر وتجانس بين المصريين علي اختلاف انتماءاهتم ومناطقهم وأديانهم.. إلخ. ب ـ أولوية الصراعات الداخلية مع بعض القوي السياسية الإسلامية كجماعة الإخوان المسلمين, والشيوعيين, وبعض الليبراليين, مما أدي إلي سيطرة هواجس وأولويات أمنية علي أجهزة الدولة. جـ ـ الصراعات الإقليمية مع إسرائيل, ثم في إطار العلاقات العربية ـ العربية مع بعض الدول حول الأدوار والمكانات الإقليمية ولا سيما العراق, والسعودية.. إلخ ـ مما أدي إلي أولوية علاقات التعبئة السياسية والأمنية الداخلية في إطار تنظيم سياسي وحيد علي اعتبارات التعددية السياسية والأيديولوجية وحريات التعبير عنها. د ـ أدت ظواهر المد الإسلامي السياسي, من بعض الجماعات السياسية الإسلامية إلي إنتاج عدد من المتغيرات منها: 1ـ مد ديني مضاد علي أساس الارتباط بالمؤسسة الدينية المسيحية المذهبية بكل انعكاسات ذلك علي الشعور بالمواطنة المصرية. 2ـ عودة مفاهيم فقهية تاريخية إلي قلب الخطاب الديني السياسي الإسلامي, كأهل الذمة والأمة الإسلامية. 3ـ بروز ظواهر للتدين البيروقراطي والنفطي في ثنايا السلوك والقيم والممارسات السلوكية للمصريين القادمين بعد نهاية العمل والهجرة المؤقتة إلي إقليم النفط, واعتبار سلوكياتهم الحديثة المستلهمة من هناك هي المثال المرتجي للتدين, مما أثر كثيرا علي التفاعلات السلوكية داخل الوطن ـ الأمة مصر. 4ـ مواجهة جهاز الدولة الأيديولوجي والأمني لظواهر العنف ذي الوجوه الدينية والطائفية, أدي إلي تعثر استراتيجيات المقرطة من أعلي وتطورها السياسي السلمي ومن ثم إلي تبني التعددية السياسية والفكرية بأطيافها المتعددة. 5ـ العوائق الثقافية والقيمية إزاء المواطنة, كالمواقف الاجتماعية من أوضاع وحقوق المرأة, وبعض المجموعات الاجتماعية المهمشة والهشة. ثانيا: عودة الخطاب حول المواطنة: أحد أبرز الجوانب المتعددة للظواهر الاجتماعية والسياسية السابقة, تمثل في عودة العناية مجددا بالمواطنة في بعض الخطابات السياسية المتداولة, وذلك مرجعه ما يلي: 1ـ تطور الحقل النظري, والمفاهيمي للمواطنة في العلوم السياسية والاجتماعية المعاصرة وتطوراتها في المدارس الأوروبية والأمريكية ففضلا عن تراكم خبرات ونماذج وتقاليد مقارنة في مجال تطوير المواطنة وتطبيقاتها في ظل ثورة أجيال حقوق الإنسان المتعددة, الأمر الذي أسهم في إغناء المواطنة وتنظيراتها المتعددة. 2ـ انهيار الامبراطورية السوفيتية ودول الكتلة الاشتراكية السابقة, والعودة إلي بناء الدول علي أسس ديمقراطية, وتعددية, ومن ثم تطبيق نماذج المواطنة. 3ـ بروز إشكاليات جديدة للمواطنة في الإطار ما بعد الحديث, والعولمة أي عمليات تآكل مفاهيم السيادة والدولة القومية إلي ظواهر ما بعدية أخري. 4ـ اهتمام بعض المثقفين المصريين, والمؤسسات بأهمية تجديد المواطنة, ولا سيما في ظل انكسار بعض الموحدات في النموذج المصري للاندماج القومي الذي تأسس علي الربط بين الدستور ومقاومة الاستعمار, وبين الدولة الحديثة والحريات العامة والتحرر الوطني. 5ـ أدي عنف بعض الجماعات الإسلامية السياسية علي أسس طائفية إلي بروز دعوة إلي ضرورة مواجهة مجموعة الأفكار الفقهية التي ارتبطت بنموذج أهل الذمة الذي تجاوزته الظروف والأوضاع التاريخية فضلا عن التجربة الوطنية المصرية, من هنا برزت أهمية فتاوي محمد سليم العوا, وطارق البشري, واستعار البعض آراء فتحي يكن زعيم الجماعة الإسلامية السنية في لبنان, وبرزت آراء أكثر تقدما وتطورا لراشد الغنوشي أدت استجابات بعض المفكرين الإسلاميين المعاصرين إلي التأكيد علي أهمية مبدأ المواطنة, بل وأهمية إحداث توافقات ما معه. 6ـ أدي تطور العلاقات الدولية بعد الحرب الباردة وانهيار الكتلة الشيوعية إلي بروز مبدأ المشروطية بين مراعات الدول المستقبلة للقروض, والمعونات والمساعدات الأجنبية بين الدول المتقدمة, وبين احترام حقوق الإنسان والمواطنة والحريات العامة, بصرف النظر عن توظيف ذلك كغطاء للتدخل الأجنبي في بعض الأحيان. 7ـ الأدوار الجديدة للمنظمات غير الحكومية, والحركة الاجتماعية الجديدة في تبني قضايا المواطنة وحقوق الإنسان, سواء علي مستوي إنتاج الخطابات الجديدة حولها أو علي مستوي الممارسة والتطبيق والأنشطة, والشبكات الداخلية والإقليمية والعولمية. ثانيا: ملاحظات عن الأنشطة السابقة حول موضوع المواطنة: من الملاحظة الميدانية, وعبر المشاركة, والفحص النقدي للإنتاج السابق حول المواطنة يمكن ملاحظة ما يلي: 1ـ تقليدية الإنتاج البحثي والخطابي حول المواطنة, ونقصد بذلك دورانه حول مفاهيم قديمة ـ وكلاسيكية ـ حول معاني وتطبيقات المواطنة, بل إن بعضها لايزال يلوح من بين ثنايا, التمحور حول مفهوم الدين لله والوطن للجميع الكلاسيكي, علي الرغم من تطورات عديدة من المفهوم بل وفي التجربة المصرية يحتاج إلي الرصد. 2ـ النزعة التبشيرية بمبدأ المواطنة, دون النزعة البحثية والنظرية التي تتابع تطور هذا الحقل علي الصعيد النظري والعلمي والتطبيقات المقارنة. 3ـ باسم المواطنة عاد إنتاج بعض الشعارات العامة التي تطرح في مجال قضايا أخري, كالمرأة, والعلاقات بين الأديان أو الحوار بينها, بما يشي بغموض والتباس بل وفوضي مفاهيمية ونظرية لا تخطئها عين الباحث والمراقب والمثقف الحصيف. 4ـ الافتقار إلي كادر بحثي وفكري ـ إلا فيما ندر ـ داخل الجماعتين البحثية والثقافية متخصص في موضوع المواطنة, يستطيع أن ينهض بعرض الحد الأدني من المفاهيم والتطبيقات المقارنة والمعاصرة للمواطنة. 5ـ افتقار إلي برامج تعليمية وتربوية وتدريبية علي المواطنة, بعض البرامج التي تمت اعتمدت علي غموض وعمومية وسيولة المفهوم, ولاتزال في بدايتها, وتركز علي كبار السن من الجماعات المستهدفة.
|
|
|
|
 |
|
للرد على المقال أضغط هنا
|
 |
|
|