
|
ما يقرب من ثلاثة مليارات لحماية العرش ليبيا تتنازل عن التاريخ في لوكيربي |
 | | الطائرة الأزمة |
تحقيق: إلهامي المليجي بعد عشر سنوات من الحصار, وعشرات المليارات من الدولارات تكبدتها الخزينة الليبية وعشرات الضحايا من الشعب الليبي من جراء حصار ظالم فرضته الأمم المتحدة تحت ضغط أنجلو ـ أمريكي, أقرت ليبيا بمسئوليتها عن ما يسمي بحادثة لوكيربي واتخذت الخطوات الإجرائية لإيداع ما يقرب من ثلاثة مليارات من الخزينة الليبية كتعويض لأسر ضحايا الطائرة الأمريكية بان أمريكان التي سقطت فوق القرية الإسكتلندية لوكيربي عام .1988 وبالرغم من أن تلك الخطوة التي أقدمت عليها القيادة السياسية الليبية قد سبقتها خطوات تؤدي إلي تلك النتيجة, فإن الرأي العام العربي والليبي اختلف في استقباله لتلك الخطوة التي رآها البعض مشهد النهاية لمأساة درامية عاني منها الشعب الليبي زهاء العشر سنوات, بينما رآها البعض الآخر بداية لتنازلات مخيفة, عواقبها وخيمة علي الشعب الليبي في حاضره ومستقبله, ويستندون في ذلك علي بيان باول الذي أوضح فيه أن هذا التطور الحاصل في قضية لوكيربي لن يؤثر علي العقوبات التي تفرضها أمريكا علي ليبيا, ويعتبرون الموقف الفرنسي والألماني بداية الغيث الذي سيحل بالشعب الليبي من جراء ذلك الاعتراف الذي لم يكن ضروريا من وجهة نظر العديد من المحللين والسياسيين والقانونين العرب والليبين.بل إن أحد أبرز القانونيين الليبيين والعرب والمحامي المكلف من قبل المهتمين الليبيين والعارف بالتفاصيل الدقيقة لتلك القضية إبراهيم الغويل يري أن ليبيا وقعت ضحية لأحد أكبر مجموعات النصب في أمريكا مجموعة كارنير ممثلي أسر الضحايا, والتي سبق أن عرضت عليه تسوية مقابل 400 دولار أمريكي كان يمكن أن تصل إلي نصف هذا المبلغ لو كانت هناك نية لقبول مبدأ التعويض دونما إقرار بأية مسئولية علي الدولة هنا يستغرب قبول المفاوض الليبي بدفع ذلك الثمن الباهظ . إبراهيم الغويل المحامي الذي تولي ملف القضية منذ اندلاعها قال: إذا استعرضنا لوكيربي من بدايتها فسوف ندرك النتائج التي وصلت إليها جيدا, ففي 21 ديسمبر 1988 انفجرت قضية لوكيربي وبقيت تتداول في وسائل الإعلام منذ ذلك التاريخ حتي 14 نوفمبر 1991, أي قرابة ثلاث سنوات, تم توجيه الاتهام خلالها إلي دول ومجموعات, لم يرد من بينها اسم ليبيا حتي قبيل إعلان الاتهام لها في الرابع عشر من نوفمبر 1991, بناء علي الرواية المالطية التي تذكر بأنه كانت هناك حقيبة علي إحدي الطائرات المقلعة من مطار مالطة, وبها المتفجرات والموقتات وهبطت في مطار فرانكفورت وبقيت ساعات, ثم طارت إلي لندن للهبوط في مطار هيثرو وظلت عدة ساعات لتوضع الحقيبة بموقتات الإنفجار في طائرة بان أمريكان التي انفجرت في النهاية فوق قرية لوكيربي في اسكتلندا. هذه الرواية قال عنها أحد قضاة محكمة استئناف نيويورك إنها رواية خرافية, لا يمكن تصور حدوثها. ويري الغويل أنه وفقا للتطور في دراسة الوثائق الإجرامية فمن المؤكد أنه لا يمكن لمتفجرات مع موقتات أن ترتفع كل هذه الإرتفاعات وتعرضها لعوامل الضغط الجوي, وتتحرك من مطار إلي آخر ومن طائرة إلي أخري دون أن تنفجر. فالمخابرات الأمريكية حسب الغويل تعرف علي سبيل اليقين أن هذه الرواية خرافية, ولا يمكن تصديقها, ويرجع ذلك للتوقيت الذي انفجرت فيه طائرة بان أمريكان, حيث كانت الحرب الباردة مشتعلة وتلعب فيها المخابرات في ألمانيا الشرقية آنذاك دورا كبيرا, حيث إنها قامت بترتيب الحجز لعميلها بولير صاحب الموقتات وأخبرته بأن ليبيا في حاجة لموقتات, وبالفعل تم الحجز له في 18/12/1988 علي أن يأتي إلي ليبيا ومعه أربعون موقتا. وحسب رواية الغويل فإن مخابرات ألمانيا الشرقية حددت له طريق العودة من طرابلس عن طريق مالطا, ثم عادت المخابرات الألمانية وباعت ملف معاملاته للمخابرات الأمريكية عن طريق أحد العملاء المزدوجين. أما في 30/12/1988, فقد واجهت المخابرات الأمريكية بولير بملفه مع المخابرات الألمانية ولكن بولير فجر مفاجأة للأمريكيين لم تكن في حسبانهم, حيث أكد لهم أنه لم يتبع المسار الذي حددته له المخابرات الألمانية, بل عاد إلي زيورخ مباشرة, وأنه لم يبع الموقتات لليبيا, وعاد بها من حيث أتي . ويواصل الغويل روايته قائلا: هنا أدركت المخابرات الأمريكية أن الرواية الألمانية مضللة, وعاد التحقيق لمساره الطبيعي في 1/1/1989 حتي 30/6/1990 وكانت علي وشك إعلان الاتهام لإيران, اعتمادا علي مشابهة واضحة, حيث إن الحادثة تمت قبل أعياد الميلاد المسيحية بأربعة أيام, ونحن نعرف أن الأمريكان أسقطوا الطائرة الإيرانية في 4/7/1988 قبل أعياد المسلمين بأربعة أيام, وكانت إيران قد توعدت بالرد علي تلك الجريمة بنفس الطريقة. لكن حدث ما لم يكن في الحسبان, عندما قامت العراق بغزو الكويت, وهنا أصبح لأمريكا احتياج لبعض الدول في المنطقة تساعدها في الإعداد لحربها علي العراق, فرأي البعض في الإدارة الأمريكية العودة للرواية المالطية , ولما كان بولير قد دحض تلك الرواية, فكان ضروريا أن يفتشوا في أوراقهم بحثا عن أحد عملائهم, فوجدوا ضالتهم في عبدالمجيد الجعاكة, الذي نبهتهم إلي عبدالباسط المقرحي صديق الأمين فحيمة إلي أنه يمكن لهذين الشخصين أن يتحملا تلك الجريمة. ويقول الغويل: هنا يجب أن نتوقف أمام موقف المحكمة التي اعتبرت الجعاكة شاهد زور, ومع ذلك استندت إلي أقواله في إدانة المقرحي. ويخلص الغويل إلي أن الحكم جاء كتسوية سياسية وهو شخصيا لم يكن موافقا علي ذهاب المتهمين لتلك المحكمة حيث كان يجب التمسك بحكم محكمة العدل الدولية التي قررت بأن الولاية والاختصاص القضائي لليبيا ولا إلزام لها بتسليم المتهمين إلي أي بلد آخر, ويتساءل الغويل لماذا تخلينا عما هو مقرر قانونا, وأشار المحامي الأول في لوكيربي إلي ملاحظة ذكية وهي أن المبادرة البريطانية بالتسوية جاءت في 24/8/198 وصدر القرار في 28/8/1998, وبالتالي كان هو متوقعا أن يجيء الحكم سياسيا. واستغرب الغويل لجوء ليبيا للتسوية بالتعويضات بالرغم من أن الحكم صدر بغير أدلة قانونية, وكان علي القيادة الليبية أن تتابع ذلك الحكم قانونيا بدلا من التسوية المجحفة. وأشار إلي الخطأ الإجرائي الذي تم في مجلس الأمن حينما عرضت عليه القضية, حيث أن الميثاق يلزم أطراف القضية بالامتناع عن التصويت, وكان يجب علي مجلس الأمن حينما عرضت عليه القضية أن يحيلها إلي محكمة العدل طبقا للمادة 36, فقرة 3 من ميثاق الأمم المتحدة وكان اندهاش الغويل الأكثر إثارة هو قبول ليبيا بالتعويض الذي صدر عن محكمة أمريكية, حيث إن ذلك يتناقض مع قبول أمريكا بالقرار 11 لسنة 1998, والذي يحول القضية لمحكمة اسكتلندية في كامب زيست فالاختصاص المدني انتقل بذلك إلي المحكمة الاسكتلندية ويري أنه كان علي السلطات الليبية أن تقوم بالتسوية خارج المحكمة دون الاعتراف بالمسئولية. ويري الغويل أن المليارات الثلاثة تعد رقما كبيرا إذا ما تمسك المفاوض الليبي باتفاقية مونتريال التي تضع 75 ألف دولار كأقصي تعويض لحوادث الطيران المدني. وماذا عن اعتراف ليبيا بالمسئولية؟ أنا لا أعرف كيف وصلت الأمور إلي تلك المرحلة, فمن المتعارف عليه أن المسئولية المدنية علي المستوي الدولي لا تعترف بها الدولة إلا إذا كان الذين قاموا بالعمل هم مسئولون رسميون وتصرفوا وفقا لاختصاصهم وصميم أعمالهم أو تلقوا تعليمات بالإقدام علي ذلك . وبالتالي لا يمكن من ناحيتي أن أعترف بمسئولية مدنيةعن تصرفات لو صحت ليست من اختصاص المقرحي, فإذا كان قد تصرف لحساب نفسه, فذلك شأنه. وتساءل الغويل لماذا نترك قوة القانون التي في أيدينا ونخضع للقوة الغاشمة؟ أما الدكتور إبراهيم العناني, عضو مجلس الشوري المصري, وأستاذ القانون الدولي بجامعة عين شمس, فيري أنه لو نظرنا إلي الموقف الليبي في إطار الظروف المختلفة التي أحاطت بقضية لوكيربي نجدها كانت خاضعة لضغط وحالة ما يطلق عليه الإكراه, متمثلا في عقوبات اقتصادية منذ ما يزيد علي عشر سنوات. في ضوء هذا كانت ليبيا أمام خيارين, إما أن تستمر في إصرارها علي أن تتعامل مع القضية بشكل قانوني وأمام محكمة العدل الدولية أو الخيار الثاني, وهو أن تسوي الوضع سياسيا مع الأطراف المعنية. ويعتقد العناني أن ليبيا اختارت الخيار الثاني و الذي أسفر عن إعلان ليبيا عن مسئوليتها عن الحادثة, وتحملها بدفع التعويضات. ما الأثر القانوني لذلك الإعلان؟ لن تعود هناك مبررات لاستمرار العقوبات المفروضة من الأمم المتحدة علي ليبيا, وتنتهي تلك القضية وينهي معها الابتزاز المستمر لليبيا ولكن هناك وجها آخر للوكيربي أن دولا أخري مثل فرنسا بدأت تطالب بتعويضات مماثلة, وكذلك ألمانيا, وتلك تداعيات ينبغي الاستعداد لها والعمل علي مواجهتها. وحسب العناني فإن الاتفاق الذي أبرمته ليبيا مع أمريكا وبريطانيا لا يمكن أن يصبح كله مضمونا مائة بالمائة , فالسياسة الدولية لم تعد تحكمها المعايير الموضوعية, بل تتأثر بالمتغيرات الجارية, ويشير إلي أن الإقرار بالمسئولية من قبل ليبيا تحيط به المثالب القانونية, وذلك لأنه لم تكن الإرادة الليبية بكامل حريتها. أما عن الموقف الفرنسي والذي أعلن عقب وصول ليبيا إلي اتفاق مع كل من بريطانيا والولايات المتحدة, فيري الدكتور سعيد الجويلي, أستاذ ورئيس قسم القانون الدولي بحقوق الزقازيق, أن الاتفاق لا ينصرف إلي أطراف أخري, ولكن يمكن لفرنسا أن تستند إلي ذلك الاتفاق في مفاوضاتها المقبلة مع ليبيا, وأرجع الجويلي رضوخ ليبيا للاتفاق المجحف إلي أن ليبيا قرأت الواقع الدولي. من ناحية أخري كان مجموعة من المثقفين والسياسيين الليبيين المقيمين خارج ليبيا قد وجهوا خطابا إلي الأمين العام للأمم المتحدة وأعضاء مجلس الأمن أدانوا فيه اعتراف النظام الليبي بجريمة تفجير طائرة البانام فوق قرية لوكيربي, وأكدت الرسالة براءة الشعب الليبي من هذه الجريمة واحتفاظ الشعب الليبي بحق مساءلة ومحاسبة كل من شارك في هذه الجريمة, وملاحقتهم عبر مؤسساته القانونية الدستورية النزيهة والعادلة. وأن المليارات الثلاثة التي سيدفعها الشعب الليبي عنوة هي لحماية العرش فقط وهكذا أسدل المسئولون الليبيون الستار علي لوكيربي, بعد الاعتراف بالمسئولية بدفعهم ثلاثة مليارات من الدولارات ستكون بداية لعلاقة متميزة مع أمريكا, غير أن بعض المراقبين يرون أن ما جري سيكون بداية الخيط الذي ربما يطيح برءوس كثيرة آمنت بشعارات كبيرة تحاول طمسها الآن بمتغيرات دولية مخيفة.
|
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|