
|
رجل بارد بلا وجه أم زعيم منضبط ومنظم؟ بوتين .. قيصر روسيا الجديد |
 | |
ميادة العفيفي بوش وملكة بريطانيا يغفران كل أخطاء بوتين بسبب براعته في تحويل بلده من مستنقع للإجرام إلي الجنة الموعودة للاستثمارات الآمنة عندما ظهر فلاديميروفيتش بوتين لأول مرة في الكرملين, بشكل مفاجيء تماما, ومدهش للجميع, وصفته الصحافة الغربية والروسية علي حد سواء, بأنه رجل لا وجه له, وأن له عينين باردتين فارغتين, لكن جورباتشوف آخر رئيس سوفيتي, و حده تقريبا. انبري للدفاع عنه, بعد أن أصبح رئيسا للحزب الديمقراطي الاجتماعي, ووصفه بأنه رجل ماهر وجاد, متحفظ ومنظم. ويبدو أن فلاديمير بوتين منذ ظهوره المفاجيء منتصف عام 1999, من قائمة الشخصيات الخفية المسيطرة علي الأمور في الكرملين, استمر في إدهاش الجميع, من أفراد شعبه إلي بقية شعوب العالم, وعلي رأسهم الزعماء أو علي وجه الدقة نخبة زعماء العالم وأولهم جورج بوش الابن. الذي مازال حتي الآن يقف أمام الدبلوماسية الماكرة لرجل المخابرات الروسية السابق, عاجزا تماما عن الشعور الحقيقي بالغضب, بل إنه بالأحري وسط تخبطاته المدوية المستمرة, يقف مشدوها أمام تلك الكتلة الروسية الماهرة والمهذبة جدا, مرتبة الخطوات, ومأخوذا بمهابة قيصر روسيا, تلك المهابة المتواضعة إلي حد يثير غالبا لدي رجال واشنطن وحلفائهم البريطانيين مزيجا من التقدير والحنق الشديد في آن واحد. أثناء الإعداد الأنجلو - أمريكي للحرب علي العراق, وقف بوتين بكل ثقة وجرأة ليعلن كمغامر غامض عن أنه سوف يجر روسيا نحو الطريق الخاطيء تماما فيما يخص قرار الحرب علي العراق, وأنه غير موافق ولن يدعم واشنطن ولا بريطانيا في تكالبهما المحموم للانقضاض علي العراق, ومع هذا فإنه ما إن بدأت الحرب وانتهت علي نحو ما, وحدث أن تقابل كل من بوش وبوتين في المؤتمر الأخير للاتحاد الأوروبي, الذي ضم فرنسا وألمانيا, الخصمين الأخرين اللذين تجرءا علي إعلان رفضهما للحرب, إلا ولاحظ المقربون أن بوش سرعان ما أجبر علي تغيير خطته المسبقة للتعامل مع الرؤساء الرافضين بالتجاهل التام وإظهار الغضب العميق, فقط تمكن بوش من ممارسة هذا التجاهل مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك, فتركه ينتظره نصف ساعة قبل أن يقابله, وفعل نفس الشيء تقريبا مع المستشار الألماني شرودر, إلا أنه لم يستطع - رغما عنه - أن يتجاهل مهارات بوتن الدبلوماسية المميزة في خلق جو إيجابي أثناء المؤتمر, وسرعان ما اضطر الرئيس الحانق, إلي التخلي عن خطته المسبقة, ليتحول إلي خطة بديلة مفادها, اغفر لروسيا وتجاهل ألمانيا, وعاقب فرنسا. وعلي الرغم من أن بوتين أيد شيراك تماما في رفض صيغة عالم أحادي القطبية الذي تحاول الولايات المتحدة فرضه, خلال مؤتمر قمة الثماني الذي عقد في شهر يونيو الماضي في فرنسا, إلا أن بوتين استطاع بذكائه الدبلوماسي المعهود أن يدس رفضه في غلاف من الحرير, عندما أكد خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده مع الرئيس الأمريكي, أن الدعوي لرؤية متعددة الأقطاب, هي دعوة جميع الدول الكبري وليس روسيا وحدها, وحتي لا يدع أمام الرئيس الأمريكي أي فرصة لأن تنتابه عقدة التهديد الأحمر بأي شكل, فإنه سرعان ما أعلن أن مواقف البلدين - يعني روسيا وأمريكا - أكثر تقاربا مما قد يبدو, وأضاف بعد ذلك وبشكل حاد, لاحظه جميع المحللين الأمريكيين, إن روسيا أيضا تعارض أي محاولة لاستخدام ادعاءات حول إمداد روسيا لإيران بأي قوة نووية, أو اتهام روسيا بأنها سوف تستخدم إيران أو كوريا الشمالية كذريعة للمساعدة في منافسة ظالمة وجائرة ضد الولايات المتحدة. لقد استطاع بوتين بنعومة شديدة أن يجعل فكرة إيجاد مبررات له, تتغلغل في أذهان الإدارة, وأقنعوا بوش الابن, أن بوتين أجبر علي إعلان رفضه الحرب علي العراق من أجل الحفاظ علي أكبر عدد من الأصوات الداعمة له في الانتخابات في ديسمبر القادم, وأن الرجل يستحق فترة رئاسة ثانية, في بلد استطاع خلال السنوات الثلاث الأخيرة أن ينقلها بأعجوبة من حافة الهاوية إلي المقاعد الدولية الكبري, بجهود جبارة, لابد أن تستحق كل التقدير, ثم إنه في الواقع حرص علي أن تأتي معارضته في صيغة تعد في النهاية مقبولة وضعيفة التأثير, ويظل في النهاية رجلا يمكن للإدارة الأمريكية الاستمرار في التعاون معه, وتقدير خطواته المحكمة التي قام بها لإنهاء آثار سنوات حكم يلتسين المشوشة والفوضوية التي كادت أن تضيع خيط الارتباط الأمريكي - الروسي, للأبد. وفي منتصف الشهر الحالي حرص بوتين علي أن يؤكد للإدارة الأمريكية من جديد أنه معها حتي النهاية في حربها علي الإرهاب, ولا ننسي أنه أيضا يعتبر نفسه في الشيشان محاربا ضد الإرهاب, شأنه شأن واشنطن تماما عندما شاركت المخابرات الروسية للمرة الثانية, في التعاون مع الولايات المتحدة, ومع مخابرات حليفها البريطاني في إحباط محاولة لتهريب أسلحة روسية إلي الولايات المتحدة, كان من المفترض أنها سوف تسلم إلي أعضاء من القاعدة, كانوا يخططون لاختطاف طائرة أمريكية تجارية, لتنفيذ عملية إرهابية داخل الولايات المتحدة. أوكسانا أنطون نيكو, مدير البرنامج الروسي الأوروآسي المشترك التابع لمعهد الدراسات الإستراتيجية الدولية في لندن, أكد أن هذه العملية المشتركة هي أبرز نتائج التعاون الاستخباراتي الأمريكي - الروسي المشترك, الذي أعلن منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر, التي شككت الكثير من الدوائر السياسية في واشنطن في فاعليته عقب الرفض الروسي للحرب علي العراق, الذي ارتبط به في نفس الوقت, شبه موقف من عدم التعاون الاستخباراتي الروسي فيما يخص العراق. إلا أن التعاون الروسي الجديد جعل من المحللين السياسيين يدافعون عن إمكانية وجود تعاون استخباراتي, بين القوي العظمي السابقة والحالية, بعد انتهاء الحرب الباردة. وكانت المعلومات الاستخباراتية الروسية التي قدمتها لوكالات الاستبخارات الأمريكية قد ساعدت علي اعتقال المواطن البريطاني, الهندي الأصل, هيمانت لاخاني, يوم الثلاثاء 14/8 في ولاية نيوجرسي الأمريكية, الذي كان يعقد صفقة لبيع صاروخ روسي طويل المدي إلي أعضاء من القاعدة, وكانت روسيا فقد فقدت أعدادا كبيرة من هذا الطراز من الصواريخ الذي يسمي IGla خلال حربها في الشيشان منذ أواخر عام .1999
|
 | | قيصر روسيا الجديد فى أول زيارة لأراضى المملكة المتحدة بعد أكثر من مائة عام |
وسرعان ما أعلن بوتين بدهاء واضح لواشنطن أنه كان قد منح العملاء الروس من خدمة الأمن الفيدرالية الـ FSB رخصة سرية للتعاون مع عملاء الـ FBI الأمريكي, المتمركزين في روسيا. لقد استغل بوتين الفرصة تماما علي الرغم من أن جهوده لإحباط تهريب هذا النوع من الصواريخ تأتي في المقام الأول من أجل احتواء حرب القوات الروسية الدائرة في الشيشان, بعد انتشار هذا النوع من الصواريخ الروسية التي يصل مداها إلي ثلاثة أ ميال إلي القوات الشيشانية التي تمكنت من إسقاط عدد هائل من المروحيات الروسية هناك, وعلي الرغم من أن عملاء الـ FSB الروس كانوا قد شرعو ا منذ زمن طويل في محاولة القضاء علي ظاهرة تهريب هذه الصواريخ, إلا أن بوتين سرعان ما ضرب كعادته عصفورين بحجر واحد, وكسب في الطريق ود واشنطن, وهذا ما أكده عدد من المحللين الروس والأمريكيين علي حد سواء. محلل سياسي روسي بارز مثل ألكسندر بيكياف مدير مركز كارينجي لأبحاث قضايا نزع الأسلحة في موسكو يؤكد أن بوتين مازال مستمرا في محاولة إقناع الولايات المتحدة بأن رفضه للحرب علي العراق لم يفسد أبدا للود الوليد بين البلدين أية قضية, وأن روسيا مازالت علي عهدها بالمشاركة في الحرب علي الإرهاب, ذلك العهد الذي قطعته روسيا - بوتين, علي نفسها منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر, ويؤكد بيكياف أن التعاون الاستخباراتي الأخير, لم يكن الأول بين الولايات المتحدة وروسيا, فقد قدمت روسيا من قبل لواشنطن في حربها علي أفغانستان, كميات كبيرة وغير متوقعة من المعلومات الاستخباراتية الروسية المتراكمة, التي سهلت للقوات الأمريكية الكثير من مهامها المتعثرة داخل التضاريسن الأفغانية الغامضة. يبدو واضحا أن بيكياف وغيره من المحللين الروس نسوا أو تجاهلوا أن روسيا - بوتين في مقابل هذه المعلومات الضخمة التي أهدتها لواشنطن لم تتخل عن سياسة ضرب عصفورين بحجر واحد, ويذهب محلل مثل إريك مرجوليس المتخصص في الشئون الخارجية في الصحف الكندية والباكستانية, وصاحب كتاب الحرب من أجل القمة: الصراع علي أفغانستان وكشمير والتبت إلي أنه في الوقت الذي انشغلت فيه إدارة بوش بتقطيع أوصال أفغانستان للإمساك المزعوم بأسامة بن لادن, فإنها عجزت عن ملاحظة ما استطاع الروس تحقيقه, من خلال الاستيلاء علي نصف أفغانستان تقريبا, فقد سعت الولايات المتحدة ومعها باكستان ومنذ وقت طويل لبناء خطوط أنابيب, نفطية تجري إلي الجنوب من ترميز بأوزباكستان إلي كابول في أفغانستان ثم منها إلي ميناء كراتشي وغوادر بباكستان علي بحر العرب, ذلك الطريق الذي يطلق عليه رجال النفط اسم طريق الحرير الجديد علي غرار الطريق التاريخي الذي كان يستخدم منذ عدة قرون لتصدير ثروات الصين, وكان لابد من وجود حكومة أفغانية مستقرة موالية للغرب لإقامته من جديد. لقد بدا أن الروس استعادوا نفوذهم في أفغانستان وانتقموا من هزيمتهم علي يد الولايات المتحدة في حرب الثمانينيات, وهزموا إدارة بوش هزيمة محكمة, تلك الإدارة التي لم تستطع أبدا أن تفهم أفغانستان علي الرغم من قوتها العسكرية عالية التقنية, فقد استعادت روسيا السيطرة علي أفضل طرق أنابيب النفط, وأصبحت هي المسيطرة علي طريق الحرير الجديد. طريق الطاقة السريع والسوبر للروس. ويري مرجوليس أن الولايات المتحدة عندما هجمت كالثور علي جنوب آسيا, فإنها كانت قد سلمت بنصرها الجيوبولتيكي المدهش إلي الروس, وأضرت بشدة بطموحات قوتها العظمي, وباتت موسكو هي الطليقة الآن في مواصلة خططها للهيمنة علي جنوب ووسط آسيا, في تناغم مع حلفائها الإستراتيجيين, الهند وإيران, وينصح مرجوليس الرئيس بوش بالتوقف عن الإصرار علي أن الروس يمكن أن يصبحوا أصدقاء, ويقول له فيما يشبه النصح الأبوي عليك أن تدرك أنه عندما يتعلق الأمر بالجيوبوليتيك والنفط, لا يوجد أصدقاء , بل فقط منافسون وأعداء.
قيصر روسيا الجديدة إن عافية الإمبراطوريات المنهارة ليست سهلة المنال, وهذا تحديدا ما آمن به بوتين منذ أن تولي السلطة في روسيا, لقد أدرك تماما أن روسيا ما بعد الاتحاد السوفيتي مازالت تترنح من صدمة الانهيار الإمبراطوري, وأنها مازالت تتعثر في الطرق البديلة التي اختارتها بعد انهيار نظام الشيوعية, الذي كرست من أجله أكثر من 70 عاما هي كل تاريخها في القرن العشرين. |
 | | حاشية الملكة إليزابيث فى استقبال بوتين أثناء زيارته لبريطانيا |
ولهذا فإن بوتين - 50 عاما - صاحب العبارات الوطنية الخلابة, والقادم من عالم المخابرات الغامض, عندما جاء للسلطة طلب من الشعب الروسي أن يبارك رغبته القوية في البقاء علي القمة في روسيا, أعني في بناية الكريملين في موسكو, أطول فترة ممكنة, فهو مبدئيا يريد أن يمحو جميع الآثار الكارثية التي خلفها سلفه - سيء الذكر - بوريس يلتسين, الذي أحاط روسيا بعالم من الفساد والجريمة, وكانت أول كلمة ألقاها عندما تسلم منصب الرئيس بالإنابة قبل ثمانية أشهر من انتخابه كرئيس فعلي عندما طرد يلتسين من منصبه. إن روسيا بلاد ثرية وإن كان أهلها فقراء, لكننا جنود في خدمتها, سوف نبنيها دولة قوية, ومن يتجرأ علي إهانتها لن يحيا أكثر من 3 أيام. وحتي يحقق بوتين عهده الذي قطعه علي نفسه منذ أن خلف يلتسين فقد أعلن أثناء حملته الانتخابية عن رغبته في أن يصبح قيصرا لروسيا, و أنه يتمني أن يقودها فترة 8 سنوات متواصلة وليس 4 سنوات فقط, وربما أيضا يطمح في أن يحكمها 12 عاما, فهذا أفضل كثيرا.. لماذا؟ بشجاعة نادرة قال إن رئاسته الأبدية لروسيا قد تمنحه ذلك الوقت الكافي الذي هو في أشد الحاجة إليه, حتي يعيد لروسيا قوتها وهيبتها كقوة عظمي. والواقع أن بوتين علي الرغم من محاولاته لم يستطع أن يخفي تقديره الشخصي الكبير لكل ما هو عسكري حتي إن أغلب جهوده عندما بدأ في تولي منصبه كرئيس بالإنابة انصبت علي القوات المسلحة, وفور توليه الرئاسة طار إلي الجبهة الشيشانية, بعد أن وقع مرسوما أمنيا يتيح استخدام القوات الروسية هناك لأسلحة نووية وكيماوية, علي الرغم من أنها حرب تقليدية, وإثر ذلك قام بزيادة ميزانية التسلح بنسبة %50 وحرص علي إعادة حصة الرماية العسكرية في المدارس الروسية. لكنه مع ذلك حاول أن يتخلي عن مظهره العسكري الجامد وتدرب علي السير بخطوات مرنه مدنية عندما خطي أولي خطواته في صالات الكرملين, وحاول أن يزيل جمود وجهه الأصيل, وأن يرسم ابتسامة ما, علي الملامح الباردة, بل إنه سمح لنفسه بأن تنزل دموع عينيه أثناء تشييع جنازة 86 من رجال المظلات, الذين سقطو ا قتلي في إحدي المعارك في الشيشان. في عام 1992 التقي كسينجر - كما يروي في مذكراته - فلاديميروفيتش بوتين, في مدينة بطرسبرج الروسية, عندما كان مجرد ضابط استخبارات مغمور, ومرشح في نفس الوقت للانضمام إلي قائمة الشخصيات الاحتياطية التي تضم تلك المجموعة المسيطرة علي شئون الكرملين, وقتها قال لكسينجر إنه يخشي أن تعوقه حقيقة قدومه من عالم الجواسيس المظلم, عن الوصول إلي الكرملين, ووقتها يروي كسينجر أنه ضحك وأجابه بثقة: لا تخش شيئا فأنا أيضا جئت من هذا العالم.اليوم وبعد نحو ثلاثة أعوام فقط من رئاسته لروسيا, أصبح بوتين هو الرجل القوي الذي يفرض نفسه علي الساحة الدولية, إنه الرجل الذي استطاع بإعجوبة أن يجلب الاستقرار والثبات لاقتصاد روسيا الذي انهار عام 1998, والواقع أن الحفاوة الملكية التي حظي بها بوتين في بريطانيا بعد فترة قصيرة جدا من موقفه ضدها في تحالفها مع أمريكا في حربها ضد العراق, دفع العديد من المحللين والكتاب البريطانيين إلي وضع العشرات من علامات الاستفهام حول ذلك التغير الواضح من الملكة المحافظة حد التزمت في استقبال أحد أحفاد البلاشفة الذين ذبحوا عام 1916, آخر قياصرة روسيا نيقولاي الثاني وأسرته, الذي كان من أبناء عمومة ملكة بريطانيا, تلك الحادثة المروعة التي أنهت التعاملات الدبلوماسية الرسمية مع الاتحاد السوفيتي السابق * |
|
 |
|
|
 |
|
|