
|
قصص عراقية تنبأت بالكارثة الذئاب يلتهمون الجسد العراقي |
 | | أدب يتنباء بالكارثة |
تحقيق - محمد هلال لأن الأديب هو مرآة مجتمعه والشخص الرافض دائما للواقع بحثا عن عالم أفضل ينشد فيه السعادة والسلام لا الحروب والتعديات, فهو في طريق بحثه الدؤوب هذا, يعكس ما يدور فوق أرض مجتمعه برؤيته الخاصة والتي تتكون منها مرآته الخاصة ومدرسته الإبداعية التي يرتضيها. وربما تجاوز الأدباء ذلك الدور إلي ما هو أكثر إشراقا واستشرافا للمستقبل, والأمثلة عديدة منذ أن بدأ الإنسان رحلة التعبير عن الذات.تحقيق ـ محمد هلال إذا كنا بصدد كارثة ـ من منظورنا العربي ـ لقطر شقيق هو العراق أرض الحضارات ومهد الثقافة والإبداع, فإن منحي الحديث ومجاله سيقتصر علي تناول ما أنتجه بعض أدباءالعراق في حقل القصة القصيرة, وخاصة من عاشوا تحت الحصار الأمريكي في أرض الرافدين منذ ثلاثة عشر عاما. ولأن الحصار قد فعل ما فعله بالمجتمع العراقي, فقد كانت عملية الطباعة والنشر والتوزيع من الصعوبة بمكان ربما قاربت المستحيل. وقد أخذت الأديبة العراقية بثينة الناصري بحكم موقعها بالسفارة العراقية بالقاهرة علي عاتقها مهمة الخروج من دائرة الحصار الجهنمية, فأصدرت سلسلة ثقافة ضد الحصار لتفتح ثغرة في الجدار تلتقي عبرها العيون العربية وهي إطلالة علي فكر وقلب وأغوار ومفردات حياة شعب فرض عليه الحصار العزلة وربما الموت. وبعيدا عن ألوان عديدة من التناول الأدبي لمعطيات الواقع, واستشراف المستقبل وموقف الأديب منه, فإننا نتوقف الآن فقط أمام بعض القصص التي تنبأت بوقوع الكارثة واحتلال البلاد, ثم الهوان العربي وحالة التخاذل تجاه ما حدث تناولا دق أجراس الخطر بقوة قاربت الصراخ الزاعق, ربما استفاق من بأيديهم اتخاذ القرار, ونجوا بشعوبهم. وإذا كان بعض الأدباء يستلهم الخرافات والأساطير والهروب في الرموز التاريخية القديمة ليقدم من خلالها إبداعه, إلا أن الموقف في العراق كان لا يحتمل مثل هذا اللون من الإبداع, وجاءت القصص أكثر صراحة ومباشرة, وذلك ليس عيبا إبداعيا. يتضح للمتلقي ذلك وضوحا جليا ربما بدأ من عناوين القصص فلا وقت للانتظار للإبحار داخل المتن القصصي. وإذا كان لابد من مثال لذلك فهاهي بعض العناوين: السيرة الذاتية للألم للأديب حسب الله يحيي, الذئاب للقاص علي خيون, الحياة تحت ظلال الصواريخ نص للأديب وارد بدر السالم, حين يحزن الأطفال تتساقط الطائرات للقاص صلاح زنكنة, الطريق إلي بغداد للأديبة بثينة الناصري, تحنيط للقاص محمد خضير. ونتوقف أمام نص قصير جدا ولكنه نص قنبلة أو نص انفجاري صريح, جريء يكشف ما حدث بعد خمس سنوات من نشره وهو اللحظة الصاعقة أو الصباح الغريب الذي أذهل العالم أجمع في يوم9 أبريل2003, حين سقطت بغداد في لحظات واختفي القادة, واختفت البيانات, والتصريحات وفرشت الدهشة خيمتها, ماذا حدث؟!. والنص كما سنري أوضح من أن يثقل بالشرح, وكما سنري أيضا فهو نص قصير جدا وكأنه بيان عسكري ولكن من أديب يعتصره الألم ويأكله الحزن. يقول القاص صلاح زنكنة في قصته حين يحزن الأطفال تتساقط الطائرات: هذا الحطام الهائل الذي أحدثه القصف الجوي قبل دقائق يعيق حركة السير تماما حيث فرق الإنقاذ والإسعاف والإطفاء منتشرة بشكل عشوائي وهي تعمل بارتباك واضح, وثمة جثث مرمية هنا وهناك وعشرات الجرحي يئنون ويستنجدون ونساء يولولن ويلطمن خدودهن وأطفال يبكون دون توقف, أما ذلك الرجل الذي يبدو مسئولا كبيرا ولفافة التبغ لا تفارق شفتيه لا يعرف ماذا عليه أن يفعل في موقف كهذا, إنه مرعوب بلا شك فهو بين فينة وأخري يرفع رأسه إلي السماء وكأنه يخشي الكر ثانية, لذا نراه يستعجل مساعديه ويوبخ حراسه المنتشرين حوله, فجأة زعقت صفارة الإنذار زعيقا متقطعا وخلال ثوان معدودة اختفت الجموع المنتشرة, لم يبق سوي الجثث وبعض الجرحي وطفل ظل يدور وهو يبكي بحرقة بين ركام الجثث والدماء والحطام, بغتة توقف الطفل وكف عن البكاء وارتمي علي جثة وراح يشمها ويدس رأسه في حضنها لاهثا, ماما, ماما, والطائرات تحوم, صوب نظرة حزينة نحو الطائرة الأولي, فهوت, صوب نظرة أخري نحو الطائرة الثانية والثالثة والخامسة والعاشرة, هوت الطائرات كلها, غفا الطفل وعم سكون تام.
|
 | | كوارث عراقية تنتظر من يكتبها |
وإذا كان من ملمح سياسي, فنهاية القصة تؤكد أن طائرات الاحتلال لن تدوم طويلا, وإن جبروته لا محالة زائل. قصة أخري أكثر اتساعا في مساحات الألم ووصفا لحالة التردي العربي, وهي قصة الذئاب للقاص علي خيون, التي تحكي قصة رجل يطارده كابوس مرعب عن ذئب يستهدف يده, إلا أن زوجته انقذته في اللحظة الأخيرة بإيقاظه من النوم. وعندما قص علي زملاء العمل ما يحدث له ربما وجد عندهم ما يزيح به الكابوس المزعج, نصحوه بأن يتدثر جيدا عند النوم. عاوده كابوس الذئب المزعج ولم يفلح معه تقليد صوت الكلب الذي افتعله الرجل ليصرف عنه الذئب, وعندما استجمع قواه في قبضة يده ليضرب الذئب, فهوي بها علي وجه زوجته النائمة إلي جواره. نصحته إحدي زميلات العمل بالذهاب إلي طبيب نفساني ودلته علي عيادة مشهورة في ساحة النصر. لم يفلح الدواء في إزاحة مطاردة الذئب له, وقرر أن يسعي إلي طبيب آخر, حكي له عن حياته وأولاده وبيته البسيط, وفي النهاية أخبره الطبيب وهو يضحك مستهينا بأنه ليس مريضا ونصحه بأن ينسي الذئاب ولا يعيرها اهتماما. وينهي علي خيون قصة الذئاب قائلا: ولم يأبه للذئب الذي جاءه مع مجموعة أخري من الذئاب لم يرها من قبل. كان واثقا حين رفع ذراعه اليمني وهش بها الذئب الذي صار يقترب رويدا رويدا, لكنه فوجيء بصراخ زوجته والألم الذي ضج في يده حتي المرفق, فتح عينيه فذعر حين فوجيء بذراعه اليمني تنزف دما في منظر غريب. صرخ بكل صوته, صرخ غاضبا حائرا, صرخ كالمجنون ولوح بيده المقطوعة في حزن لم يعرفه من قبل وهكذا التهمت الذئاب اليد اليمني للمواطن العراقي البسيط والذي ينجز بها أعمال الناس ـ علي حد قول ساعي المصلحة ـ الفراش الذي سمع الحكاية مجتزأة أثناء انشغاله بجمع الأقداح. هكذا التهم الذئب الذي يتبعه مجموعة من الذئاب التي تجمعت من كل حدب وصوب لتأكل المواطن البسيط دون جريرة أو ذنب ولا شيء سوي أن الذئب الكبير يريد التهامه. وبعد أن ألقي القاص صلاح زنكنة قنبلته القصصية أو قصته القنبلة التي تنبأ فيها بانسحاب القيادة دون مبرر واضح جعلنا نفكر فيه دون الوصول إلي نتيجة, لتفرش أسئلة الدهشة خيمتها, تري ماذا حدث؟! هل كانت الخيانة هي التي أسدلت ستار المقاومة؟! أم أن القوة القادمة للاحتلال كانت أكثر ضراوة عجزت أمامها القيادة فاختفت؟ أم ماذا بالضبط؟! وكشف القاص علي خيون في قصة الذئاب التخاذل الأخوي أو العربي تجاه نجدة الشقيق, والاستهتار بالموقف أو اللامبالاة تجاه الخطر القادم, معتمدا نظرية الثور الأسود والثور الأبيض المشهورة؟! والتي أهمل فيها الثور الأبيض استغاثات أخيه الثور الأسود حين داهمه الخطر, وما أن استفاق حتي كان الخطر قد قضي عليه هو الآخر فقال قولته الشهيرة: أكلت يوم أكل الثور الأسود. يأتي القاص محمد خضير في مجموعته القصصية تحنيط لينقلنا إلي مشهد آخر للمأساة أكثر إيلاما, فقد انتهي كل شيء وضاع كل شيء وما عاد شيء ينفع, وقد تجلت تلك الرؤية في قصته, بلاغات من المرصد والمرصد باللغة العسكرية هو مكان مرتفع يجلس فيه جندي يراقب حركة ميدان القتال, قد يكون في قمة تل أو قمة جبل, ويقوم بإرسال ما رصده من تحركات لقوات الأعداء وتشكيلاته إلي قيادته لتقوم بعمل ما يلزم تجاه مجابهة تلك القوات. |
 | | مأساة أكبر من الحزن العراقى |
المرصد في قصة محمد خضير يقع في قمة تل ترابي قائم علي ضفة فرع النهر الملتف حول جزيرة صغيرة. ولم يمهلنا محمد خضير حتي تستدرجنا الأحداث المؤلمة إلي نهايتها بعد انتهاء آخر بلاغات جندي المرصد, فقرر أن يقوم بالصدمة علها تؤثر في قرارات من يملكون مصائر الأمم والشعوب, وإشعال الحروب فيعود إليهم رشدهم ويقررون حسبما توضح لهم صورة النهاية فيسلمون وتسلم معهم أممهم, يقول خضير واصفا الجزيرة بعد انتهاء المعارك: كانت الجزيرة كعكة متفحمة في وسط النهر الكبير وتزداد الصدمة عندما نسمع إلي الجندي الراصد وهو يصف مرصده قبل بداية الحرب وعمليات القصف الجهنمية يقول خضير: وصف الجندي الراصد مرصده الذي تخفيه نخلات عاليات في بلاغ بأنه واحة آمنة, معجزة صغيرة منسية. سنري كيف تتحول منظورات الراصد منذ ذلك البلاغ إلي وساوس وإنذارات نائية انطوت شهور علي آخر إطلاقة مدفع وآخر رشقة من بندقية ثم لم يسمع الراصد سوي جريان النهر البطيء واحتكاكه الناعم بأعشاب الضفة أسفل المرصد. يسلخ المجري البطيء جلد النهر الأخضر فينكشف اللون البني للمياه المخبوطة, ثم يزيدها الغروب حمرة واعتكارا. ويصف خضير في قصته معاناة الراصد والانهيار المباغت الغريب, فبعد أن كان يرسل في أول أيام عشرة بلاغات, تم اختصارها إلي بلاغ واحد يوميا, وذلك حسب الأوامر بلاغ واحد في اليوم يكفي, هل فهمت؟! ولنا أن نضع خطوط الدهشة الحمراء تحت كلمة هل فهمت؟! وما هو المقصود بالضبط. ثم يأتي الصمت ليحل اللغز عندما يتصل الراصد بالقيادة.. لا جواب.... سوي أن الكتلة النارية الهابطة خلف التل تجعد الظلال المحروقة. ثم يقضي الراصد وقته في مشهد مباغت غريب وهو كثرة ظهور السلاحف: كانت السلاحف تتزاحم لاحتلال كل شبر من حشائش الجزيرة المحروقة. وكما كان مشهد البداية في قصة القاص العراقي محمدخضير بلاغات من: تشممت الأرض حريقها, بعد انتهاء المعركة, شواء اللحوم, هشيم الأعشاب, رماد وتفسخ. جاء مشهد النهاية أيضا قاسيا ليؤكد علي أن دائرة جهنمية تحرق الإنسان البسيط ومعه تراب الوطن إذا ما تخلت القيادات عن وقاحتها وطمعها وطموحاتها المدمرة. يقول خضير: شعر الراصد أن طائرة واطئة جدا, جناحين معدنيين عملاقين يقتربان, ويكادان يلامسان سقف المرصد وهما يجتازانه من دون صوت أو أزيز, ثم اتضحت الجزيرة ونخلاتها شيئا فشيئا بعد انتشار السحابة التي نفثها محرك الطائرة الصامت, بدت الرؤية طويلة ومؤلمة, كشطت قشر العتمة الشفافة حتي وصلت إلي لبها الأبيض الرطب, وفي الوقت نفسه جز الجناحان القمم الخضر, وهبطا إلي جمارها فشقاه إلي لب أبيض, جبهة صافية زهراء, هكذا أشرق النهار ثانية علي الجزيرة, ولكن من دون بصر الراصد. وهكذا أنهي خضير قصته بالفاجعة فقدان بصر الراصد أو بالأحري فقدان الراصد, وقد أصبحت البلاد نهبا لأعدائها, وقد وصفها خضير في قصه بأنها سفينة فقدت شراعها وفقد ملاحها:لا شراع يدفعها ولا ملاح يتحرك علي سطحها. الإشارات الزاعقة والصرخات المدوية تملأ الأدب العراقي وبخاصة في الفترة الأخيرة من الحصار وقبيل الاحتلال الأمريكي, يحذرون من خطر قادم يجب التعامل معه, هكذا كان العديد من أدباء العراق, ولكن ما حدث كان قدرا مؤلما, بلغ منتهاه, وربما نجد أنفسنا نقول مع حسب الله يحيي القاص العراقي, في قصته السيرة الذاتية للألم والتي ارتقي فيها باللغة النثرية إلي مصاف الشعر, أو هكذا فعل الإحساس القاتل به وبنا أيضا فكانت تلك المرارة التي تنشد بعدها إزاحة ذلك الكابوس الجاثم علي صدر الأمة العربية: كل الجبال لها ارتفاعها.. كل ناطحات السحاب لها ارتفاعها كل الطائرات التي تحلق عاليا لها ارتفاعها.. كل الطيور.. كل الجوار.. كل الغيوم.. كل.. كل شيء له ارتفاعه. إلا.. إلا.. الألم.. فقد تجاوز كل مدي, كل ارتفاع أو نردد مع القاصة هدية حسين في قصتها القصيرة والتي تضمنتها مجموعة حين يحزن الأطفال تتساقط الطائرات تحت عنوان وليس علي سلوي حرج والتي تصف حالة الضياع التي تنتظر المجتمع إذا استفحلت الفوضي وغاب العدل قولتها: رأسي محشو بالضياع وهي تصف حالة الفساد والطغيان التي سادت المجتمع منذ ثلاثين عاما هي عمر سلوي, وربما هي عمر العراق في ظل قيادة لم تقدر عواقب طموحات غير عادية, فكان الاحتلال بدعوي الحرية وإزاحة الفساد والطغيان, قدر عجيب وغريب, يتوجه ويستشفه الأديب والشاعر قبل غيره من أصحاب القرارات المصيرية للأمم* |
|
 |
|
|
 |
|
|