
|
تراب الزعيم بركة.. والصلاة لها طقوسها الخاصة مستعمرة البهرة في قلب القاهرة |
 | |
تحقيق ـ سامي كمال الدين تصوير ـ موسي محمود يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا لكم نورا مبينا هل هناك علاقة بين هذه الآية المعلقة في إطار جميل في سوبر ماركت بجوار جامع المعزلدين الله الفاطمي, الذي يملكه رجل باكستاني ينتمي إلي طائفة البهرة, ويتحدث اللغة العربية, وبين محمد برهان الدين المسئول عن البهرة في العالم الذي قال لي رجل يعمل أمام المسجد إنه لو أتي إلي مصر يحمل علي خشب, وإن لامس طرف ثوبه الأرض فإن البهرة يجمعون هذا التراب ويلقونه علي أجسادهم تبركا به. البهرة ينتمون إلي دول عدة كالهند وباكستان وإيران, وجاءوا إلي القاهرة عام1979 بهدف ترميم بعض المساجد الفاطمية, وقد وافق الرئيس الراحل أنور السادات علي وجودهم, بل افتتح ترميم مسجد الحاكم بأمر بالله معهم عام1980 ويدعي البهرة أنهم أحفاد الفاطميين وأن هدفهم البحث عن رفاة أجدادهم, وكلمة بهرة أطلقت عليهم نتيجة العلاقات التجارية التي تربط الهنود والشيعة بمصر واليمن وهم ينتمون إلي طائفة الإسماعيلية التي تنتسب إلي إسماعيل بن الإمام جعفر الصادق وتعتبر الإمامة من نسله, ولا يعترفون بالإمام موسي الكاظم ابن الإمام جعفر الصادق, وهو الإمام الصادق عند الشيعة الإمامية. والشيعة الإسماعيلية قسمان: المستعليه وهم البهرة, والنزارية وهم الأغاخانية.. وأحدث هذا الانقسام المستنصر بالله الفاطمي عام487 هـ. القصة غريبة طبعا ولا تستعجبها بل تعالي معنا لنري الحكاية التي قالت لنا إن الخليفة المستنصر كان له عدة أولاد منهم نزاد ومحمد وعبدالله وإسماعيل وحيدرة وأحمد, وكما هي العادة فقد كان وزير المستنصر بدر الجمالي ـ الذي هدم أبواب القاهرة ـ يسير أمور الدولة التي نقلها إلي ولده الأفضل من بعده, وما هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم, والغريب أن الأفضل وأباه بدر كانا ينتميان إلي مذهب يختلف عن مذهب الدولة الفاطمية وهو الإمامية. الموضوع شائك وغريب, والدخول في تفاصيله متعب, ففور دخولك إلي جامع المعز سوف تجد نوعين من الأسراب, سرب محلق في السماء يطير بحرية وانطلاق, وهو الحمام الآمن في المسجد, وسرب من البهرة كلما تحركت في المسجد وجدتهم يعيشون آمنين في شقق ملتصقة بالمسجد وأبوابها تفتح علي صحنه, ستجدهم في حالهم يمارسون طقوسهم دون السماح لأحد بالتدخل فيها, لذا فإنهم يخشون الصحافة ويرفضون الحديث مع أحد, ولا يتزاوجون إلا من بعضهم البعض, فالرجل لا يتزوج إلا من البهرة, وهي كذلك, حتي ملبسهم يختلف عن الملابس العادية.
|
 | | فى هذا المسجد يتجمع أبناء طائفة البهرة |
التقيت بأحدهم- صاحب مكتبة- وألقيت عليه السلام, فرفض أن يرد علي, ولما رحت أقترب منه أمام ورشة حدادة, أشار بيده إلي رجل يدعي حسن السبكي صاحب الورشة, فقلت له: يبدو أن الرجل يجهل العربية, فأجاب ببساطة وتلقائية: إنهم يخشون إقامة علاقات مع أحد, وأضاف السبكي: علاقات البهرة بالناس طيبة, وأبناؤهم يدرسون في الأزهر, ويقومون بترميم كل المساجد الفاطمية في مصر, ويهتمون بها ويسهمون في إدارتها. يردد الناس أشياء غريبة عن البهرة وأفكارهم التي تصل إلي حد الخرافات منها أن هذه البئر الموجودة بوسط المسجد بئر مقدسة وأن الماء الذي يخرج منها مقدس تكفي جرعة واحدة منه لشفاء جميع الأمراض, وقد استخدمت هذه الخرافات بطريقة سلبية حين روجوا أن البهرة سيغتالون السادات أثناء افتتاح المسجد وأن البئر ليس بهاماء مقدس, لكن أسلحة وقنابل ومتفجرات, ووسط ترتيبات أمنية عالية افتتح السادات المسجد دون حدوث أي مشكلة, والبهرة يفرشون المسجد في كل يوم خميس من كل أسبوع مثل يوم الجمعة عند الناس.. بل إن هناك من سارع بالقول بأن البهرة لا يقرأون القرآن ولا يعتبرونه دستورهم, وهذا قول خاطيء بالفعل. ونساءهم يقفن وراءهم يولولن بشكل غريب وماداموا ينتمون إلي الفرق الإسماعيلية فهم بطبيعة الأمر يؤمنون بأن الرسالة والخلافة حق لعلي بن أبي طالب, بل تأليف سور من القرآن يدعون فيها فضل علي بن أبي طالب, وبالتالي يحولون صلواتهم إلي مآتم للبكاء علي علي والغلو الشديد في تقديسه. أما يوم عاشوراء يوم الصوم والبهجة للمسلمين فيحوله البهرة إلي سواد حيث يرتدون الحداد الأسود, ويضربون صدورهم ويجرحون أنفسهم تعبيرا عن الأسي لمقتل الإمام الحسين, بل يستنكرون رمي الجمرات في الحج. في المسجد رفض العديد منهم الحديث إلي الصحافة, أما العامل المشرف علي المسجد فقال: ما الذي تريدونه من البهرة؟ إنهم أناس طيبون, ولا يفعلون شيئا يغضب الله. عامل آخر في المسجد يدعي محمود علي قال: منهم من يسكن في المسجد, ومنهم من يسكن خارجه, وبخلاف السائد عنهم فإنهم يصلون في أي مسجد, وبعد الآذان العادي, ويتحدثون اللغة العربية. منازل البهرة ثلاثة أدوار داخل المسجد, دور أرضي به أربع دورات مياه عادية, أما الشقق فهي منظمة ومرتبة ترتيبا جيدا. |
 | | شيخ من البهرة داخل جامع الأنوار |
خرجت من جامع المعز لدين الله الفاطمي الذي يرجع إنشاؤه إلي عام380 هـ, حيث بدأ الخليفة العزيز بالله في بنائه وأتمه الخليفة الحاكم بأمر الله عام403 هـ, وأعطيت ظهري لبوابة الفتوح, وسألت التجار الذين يبيعون ويشترون أمام المسجد, فقال لي أحدهم: طقوسهم غريبة وصلاتهم أغرب منهم, يضربون صدورهم بقبضات أيديهم ولا نعرف السر في ذلك, ثم إنهم لا يصلون معنا, بل يصلون لحالهم, أما عن علاقاتهم بالناس فلا دخل لهم بأحد. أما أحمد محمد علي ورمضان محمد محمود, وفرج محمود, وسيد حسين, وهم يعملون في تجارة البصل أمام المسجد, فقد أجمعوا علي أن البهرة يتعاملون ببساطة وتلقائية في البيع والشراء, وطبيعتهم في الكلام صعبة, وقال أحمد: في صلاتهم يقبلون أرض القبلة وهم ساجدون, ويقبلون الجدران, كما أن صلاتهم سريعة جدا, ولا نعرف كم فرضا يصلون, ويمارسون طقوسا غريبة في صلاة الفجر, ودائما يذهبون إلي الحسين والسيدة زينب, وهناك شخص كبير في السن يأتي في مولد كبير يحملونه ويقبلونه في كل جسمه, وإذا لامس جزء من جسده أو ثوبه الأرض فإنهم يلمون التراب ويضعونه علي أجسادهم, ويقولون إنها البركة. كما أن هناك مكانا دائريا وسط المسجد يتوضأون منه ويقولون إنه ماء طاهر ومقدس, لأن جدهم مدفون أسفله, والماء يأتي من مجري عميق, ويتوضأون وضوءا تاما منه. وهو في الشتاء مياه ساخنة, وفي الصيف باردة عن طريق التحكم الكهربائي. ويقول رمضان محمد: إذا ذهبنا مع البهرة لحمل حاجياتهم أو الاهتمام بشئونهم المنزلية, فإنهم يراضوننا بفلوس كثيرة, ولهم فنادق كبيرة ومشروعات عديدة, ومنهم من يملك بيوتا في الضاهر, وهناك الشيخ نجم وبابا عبده, ويعملان في مصنع للفطائر والكيك, ونحن نتعامل معهم علي أنهم سائحون. الرجل الذي وجدت عنده الآية الكريمة يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا لكم نورا مبينا, قال: إنه درس الكيمياء ولا يعلم عن أمور الدين إلا أبسطها, وغير مسموح أن يتحدث في أمور الدين مع أحد, وقال: لكنك لو حضرت بعد شهر فسوف أحضر لك معلومات عن الطائفة من الهند. وعندما سألته عن سر كلمة غير مسموح تركني وعاد صامتا إلي أعماله وكأنه لا يسمعني. الشيء اللافت للنظر عند بوابتي الفتوح والنصر في باب الشعرية, أن الناس يتعاملون مع البهرة بسماحة غريبة, رغم أنهم يعرفون طقوسهم ولا نعرف هل هو مبدأ البحث عن لقمة العيش, أم أن الشعب المصري- وهذا الأقرب للحقيقة- شعب يتعامل مع كل الديانات والطوائف ويتقبلها!* |
|
 |
|
|
 |
|
|