
|
القرضاوي مؤكدا أولوية المعركة مع الملاحدة الإنشغال بتغطية وجه المرأة بالنقاب ليس من الحكمة! |
 | | ليس من الحكمة أن يتناول الخطاب الدينى الفرعيات وقد ضيع الناس الأصول |
إعداد- د. حسن علي دبا ضالة المسلم كما ذكر الحديث الشريف المشهور, أني وجدها فهو أحق الناس بها, ولا يقف الوعي بالحكمة عند حدود السلوك أو التصرف الإنساني العام؟ ماذا تعني الحكمة في الخطاب الديني, وما المظاهر التي يبتعد فيها الخطاب الديني عن الحكمة, في ضوء الفقه الوسطي؟ هذا ما سوف توضحه إجابات د. يوسف القرضاوي علي أسئلة القراء هذا الأسبوع.. قال:الحكمة!المراد بالحكمة مخاطبة العقول بالأدلة العلمية المقنعة, وبالبراهين العقلية الساطعة التي ترد علي الشبهات بالحجج والبينات, وترك المتشابهات إلي المحكمات والظنيات إلي القطعيات, والجزئيات إلي الكليات, والفروع إلي الأصول. كما أن من الحكمة مخاطبة الناس بما يفهمون, وما يستسيغه عقولهم, لا بما يعجزون عن فهمه, وقد قال علي رضي الله عنه: حدثوا الناس بما يعرفون, ودعوا ما ينكرون, أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟ كما أن من الحكمة أن تكلم الناس بلسانهم, ليفهموا عنك, ويتجاوبوا معك, كما قال تعالي:وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم وليس معني ذلك مجرد أن يحدثهم بلغتهم, بل المعني أن يكلم الخواص بلسان الخواص, والعوام بلسان العوام, ويكلم الناس في القرن الحادي والعشرين بلسانهم, لا بلسان قرون مضت.. كما يشمل معني الحكمة أن نأخذ الناس بالرفق فيما يأمرهم به وينهاهم عنه, وأن نهييء أنفسهم لتقبل الأمر والنهي قبل توجيهه إليهم, وأن نأخذ بالمنهج النبوي الذي أمر به الأمة في الدعوة والتعليم, حين قال:يسرو ولا تعسروا, وبشروا ولا تنفروا ويتصل بذلك ألا نكلف الناس ما لا يطيقون, حتي لا يردوا أمرك, ويقولوا سمعنا وعصينا, وقد قال الرسول صلي الله عليه وسلم:إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم, كما يجب أن نأخذ بحسن ترتيب ما نأمر به وما ننهي عنه بحيث يأتي كل شيء في موضعه وفي أوانه, وفي مرتبته. في شأن الخطاب الديني كيف يبتعد المسلمون عن الحكمة في الدعوة إلي الله؟ ليس من الحكمة أن نكلم الناس في الفرعيات, وهم يخالفون في إثبات الأصول نفسها, كأن تدعوهم إلي صدقة التطوع وقد منعوا ركن الزكاة أو إلي صلاة الضحي, وقد ضيعوا صلاة الفريضة, أو تتكلم في الأوامر والنواهي قبل أن تثبت العقيدة أولا. روي البخاري وغيره عن ابن عباس أن رسول الله صلي الله عليه وسلم لما بعث معاذ إلي اليمن قال:إنك تقدم علي قوم أهل كتاب, فليكن أول ما تدعوهم إليه: عبادة الله( وفي رواية: شهادة أن لا إله إلا الله) فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وفي ليلهم فإذا فعلوا الصلاة فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة من أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد علي فقرائهم فلم يفرض عليهم فرض الصلاة إلا بعد أن يعرفوا الله. يشدد بعض الدعاة علي الناس بالأخذ بالنوافل: هل يجوز ذلك في تأسيس الخطاب الديني الجديد؟ قال أسلافنا: ما حرمنا الوصول إلا بتضييعنا الأصول.. إذ يجب أن نثبت الأصول ثم ندعو إلي الفروع, فمن مجانبة الحكمة التشديد في النوافل. والله لا يقبل النافلة حتي تؤدي الفريضة, ومن حكم السلف: من شغله الفرض عن النفل فهو معذور, ومن شغله النفل عن الفرض فهو معذور. هل من الحكمة أن ينشغل بعض المسلمين بقضية النقاب أم الحجاب للمرأة؟ هذا من الانشغال بالمختلف فيه, وقد ضيع الناس المتفق عليه, فالانشغال بتغطية وجه المرأة بالنقاب وعدم الاكتفاء بالخمار( المعبر عنه في عصرنا بالحجاب) وتأثيم المسلمة المختمرة من مظاهر عدم الحكمة.. فالمعركة الآن لم تعد معركة كشف الوجوه, بل كشف الرؤوس والنحور والصدور والذراعين والساقين, وما أكثر من ذلك, وشاع لبس ما يسمي بالميني جيب والميكروجيب ونحوها, ورأينا الكاسيات العاريات المميلات المائلات وأذكر أني تكلمت في هذه القضية مع علامة الجزيرة عبد العزيز بن باز رحمه الله فوافقني علي الاكتفاء من المسلمة في عصرنا بالخمار, علي أن تترك البلاد التي التزمت بالنقاب علي التزامها. هل يدخل فقه الأولويات الذي دعوت إليه مرارا في الحكمة المطلوبة؟ نعم من الحكمة المطلوبة أن نراعي ما سميته فقه الأولويات, فتقدم في باب المأمورات العقائد علي الأعمال, ونقدم الفرائض الركنية علي ما سواها, ونقدم الواجب علي السنن, والسنن المؤكدة علي المستحبات, ونقدم في المنهيات: محاربة الكفر علي ما دونه, ونقدم محاربة الكبائر علي صغائر المحرمات القطعية, ونقدم المحرمات علي الشبهات, وعلي المكروهات, ونقدم المتفق عليه علي المختلف فيه.. كما يجب أن نأخذ الناس بالتدرج, فالتدرج سنة كونية, كما أنه سنة شرعية, أما أنه سنة كونية فهذا ما نراه في خلق الإنسان, حيث بدأ نطفة, فعلقة فمضغة, فعظاما مكسوة لحما, ثم ينشئه الله خلقا آخر, ثم يخرج إلي الدنيا وليدا فرضيعا, ففطيما, فصبيا, فيافعا, فشابا, فكهلا, وفي هذا يقول الله تبارك وتعالي:والله خلقكم أطوارا وهكذا نري خلق النبات, حيث يبدأ بذرة, فينتقل من طور إلي طور, حتي يصبح شجرة مثمرة. وكيف ترون شرعية سنة التدرج في الحكمة المطلوبة في الخطاب الديني؟ إن الله تبارك وتعالي أمر رسوله صلي الله عليه وسلم أن يرسي العقائد وأصول الأخلاق أولا, كما نري ذلك واضحا في القرآن المكي, ثم بدأ بأخذه بالجانب العملي, متدرجا بهم شيئا فشيئا, بادئا بإقامة الصلوات التي فرضت قبل الهجرة, ثم بإيتاء الزكاة, وصوم رمضان في السنة الثانية للهجرة, ثم بعد ذلك فرض الحج علي من استطاع إليه سبيلا, كما بدأ ـ في سنة التدرج ـ بتحريم بعض المحرمات التي تعتبر من الرذائل الإنسانية المتفق عليها, وأنها من أسباب الفساد والاضطراب في الحياة الإنسانية مثل قتل النفس وفاحشة الزني, وقتل الأولاد من إملاق واقع أو خشية إملاق متوقع, وأكل مال اليتيم ونقض العهد, والمشي في الأرض مرحا, ونحو ذلك مما هو أقرب إلي الجانب الأخلاقي منه إلي الجانب التشريعي. كيف ترون شرعية بعض الدعاة الذين يهاجمون عقائد الأشاعرة والماتريدية في ضوء الحكمة في الخطاب الديني؟ حدث ذلك بالفعل, فبعد أن تحررت من الشيوعية بعض الأقطار الإسلامية كالبوسنة والهرسك وكوسوفا وقد ظلت ـ هذه البلاد وأهلها مسلمون ـ نحو خمسين سنة معزولة عن الإسلام علما وثقافة وسلوكا, بعد أن تحررت هذه البلاد جاء بعض الدعاة بشن حملة علي عقائد الأشاعرة والماتريدية, الذين يدين بمذهبهم جمهور المسلمين في المشارق والمغارب, وتقوم المدارس والجامعات الدينية في أنحاء العالم الإسلامي بتدريسه هؤلاء الدعاة من الأخوة ـ أصلحهم الله ـ لم يراعوا سنة التدرج, مع أن معركتنا اليوم ليست مع من يؤمن بالله وبلقائه وحسابه, ولكنه يؤول يد الله بأنها القدرة أو يؤول( وسع كرسيه السماوات والأرض) بأنه كناية علي سعة ملكه وعظمة سلطانه.. كمسلمين ودعاة إلي الله مع الملاحدة, الذين يجحددون وجود الله بالكلية ويقولون لا إله, والحياة مادة* في الحلقة القادمة لكن معركتنا الحقيقية ما صورة الوحي والعقل في تجديد الخطاب الديني؟
|
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|