333‏السنة 123-العدد2003اغسطس9‏11جماد ثان 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

الدكتورة هناء المطلق تحذرك من أكياس النفايات النفسية‏:‏
اغضب حتي لا يفترسك المرض‏..‏ والاكتئاب

جدة‏-‏ آمال رتيب


الدنيا لا تطاق‏,‏ والواحد يكره حتي نفسه‏,‏ يشد شعره‏,‏ يقضم أظافره‏,‏ يضرب رأسه في الحائط‏,‏ لا يهم‏,‏ المهم أن يدمر هذا الجسد الذي أصبح لا يطيقه ولا يريد التعايش معه‏.‏ هذه المقدمة ليست صفحات من مذكرات مجنونة ولكنها حالة تمر بنا أحيانا ويعايشها كثيرون دائما‏..‏ حالة من عدم المصالحة ليس مع النفس فقط ولكن مع الجسد أيضا‏..‏ إنها حالة‏'‏ الغضب‏'..‏
الدكتورة هناء المطلق أستاذ علم النفس المساعد بجامعة الملك سعود واستشاري العلاج النفسي تدعوكم لمصالحة أجسادكم‏.‏ فكثير منا لا يعرف كيف يتعامل مع جسده وقبل أن تغضب‏..‏ اعلم أن الغضب صحي‏.‏
تقول د‏.‏ المطلق في تعريفها للغضب‏:‏ هو تلك العاطفة التي تتكون لدي الطفل حين لا نلبي له طلبا ما‏.‏ وتقاس من اليد وتغيرات النبض وتعبيرات الوجه ويشكل الغضب مع الخوف العدو الأول في حياة الإنسان وهما أساس أية مشاكل نفسية‏.‏
ومتي يحدث الغضب؟ يقال أن الغضب هو العاطفة التي تستنفر‏,‏ حين يدخل الآخر حدودك وتشعر بأن حدودك انتهكت‏.‏ ثم تستثار العواطف الأخري الخوف ثم العدوان وتختلف درجاتها وحدتها من شخص لآخر‏.‏
والحدود المكانية معروفة أما الحدود النفسية فهي مختلفة باختلاف الأشخاص ولا تقف عند معني محدد فمنها الاسم الشخصي‏,‏ المفاهيم المشتركة العروبة الإسلام الانتماء المبادئ أو المعتقدات فيستثار الغضب مثلا عندما ينتهك شعب مسلم في أوربا لأنه دخل معي في حدودي الإسلامية‏.‏
والغضب الصحي يجب أن يكون موجودا وإلا يكون الإنسان متبلد المشاعر‏,‏ ولكي يدافع الإنسان بغضبه الصحي هذا عن حدوده ويستثار الغضب إذا كانت الحدود حقيقية وهذا صحي أما إذا كانت الأسباب غير حقيقية ويكون الإنسان‏'‏ حساس فوق العادة‏'‏ خاصة المرأة التي تجعل من العالم كله حدودا لها‏,‏ والحساسية الزائدة التي تفترض أنه يجب علي الجميع أن يحترموني أكثر من أي أحد‏,‏ ويكرموني أكثر من أي أحد وألا يتخذوا مواقف قوية إذا قلت عن ذلك المستوي الذي يريدونه‏.‏
وكذلك الإدراك الخاطئ المحرف والذي تعتبر شخصيته أنها ذات حدود ممتدة والآخر ليس له حدود‏,‏ وهذه طبيعة طفولية لم تنضج بعد ويستثار الغضب لدي هؤلاء في أوقات غير مناسبة منطلقا من الشعور المتدني بالذات في حين أن الشخصية الناضجة تعرف حدودها وحدود الآخرين أيضا فالحساسية المفرطة تصدر عن شخصية غير مقتنعة أنها تملك من المقومات ما يكفي لاحترامها وتقديرها وتريد من الآخرين ما لا تستطيع هي تقديمه لذاتها‏,‏ كما أن الغضب الصحي لا يعصف بالجسد كما يحدث في أنواع الغضب الأخري التي تعصف بالجسد وتمزقه‏.‏
الغضب المرتد

وتضيف د‏.‏ هناء‏:‏ إن هناك نوعا ثالثا من الغضب ينطلق حين يكون هناك شخص آخر يتسلط علي‏,‏ ويغضبني بحيث لا أستطيع رد الغضب مثلا رئيسي في العمل أم زوجي وكل ما يندرج تحت كل التعاملات غير الإنسانية السلطوية‏,‏ وهو في جوهره غضب صحي وقد يتقبل الإنسان الموقف ولكن عندما يتكرر ولا يملك الطرف الآخر أن يغضب أو لا تسمح الظروف فيضطر الشخص لكتم الغضب والتزام الصمت‏,‏ وهذا النوع إما يأتي لأسباب خارجية أو لأن رؤية الشخص للحياة غير متوازنة فيكون الإنسان طوال يومه ملئ بالغضب مثل العريس الذي طلق زوجته أثناء حفل الزفاف ووسط ذهول المدعوين خرجت العروس لترتدي فستانا أسود وتجلس مرة أخري إلي جواره بعد أن تراجع في طلاقه‏'!!‏ وهي حادثة حقيقية حدثت قريبا قد تبدو متطرفة من كلا الطرفين ومضحكة ولكن العروس أرادت أن تعلن عن غضبها وحزنها‏,‏ وكم من مواقف مشابهة تحدث يوميا باختلاف صورها وهذا هو الغضب فكلا الطرفين يعتقد أن الآخر تعدي علي حدوده ويجب أن يأخذ عقابه في اللحظة نفسها وفي بعض الأحيان من المفترض أن نصبر لنجد حلا بالتفاهم ولكن في الغالب يحدث العكس ونغضب‏.‏
الأكياس الجسدية

ولكن قد يتساءل البعض‏..‏ ماذا يحدث لأجسادنا وعقولنا أثناء الغضب؟ بدأ علم النفس الحديث النظر للأشياء علي أنها طاقة الغضب مثل الكهرباء والمغناطيس أي أن شيئا يزعجني ويجعل هذه الطاقة تنتشر في الجسد وتجعل الإنسان غير قادر علي الجلوس ويريد أن يفعل أي شيء للتنفيس عنها والآن استطاعوا ابتكار آلات تصوير شديدة الحساسية والدقة لتصوير هذه الطاقة الكامنة داخل الجسم واكتشفوا أن الغضب يسجل نقطا حمراء حول الشخص الغاضب‏,‏ وتحيطه البقع الكهرومغناطيسية وبعض الناس يخرجون هذا الغضب وهذه الطاقة بالصراخ أو العنف ضد الطرف الآخر أو تحطيم الأشياء ولكن قد يأتي بعد ذلك احتقار الذات من جراء هذا التصرف‏,‏ فضلا عن خسارة الآخر الذي‏(‏ غضبت عليه‏)‏ وقد يستثير البعض الغضب للوقيعة والفتنة والنتيجة مثلا قطع أواصر صداقة عمر‏,‏ وعدم القدرة علي إقامة صداقة أخري وتأنيب الذات واحتقارها ولكن أغلب الحالات ليس لديها القدرة علي إخراج الغضب فتحترق بهذه الطاقة التي لا يتم تسريبها وعندما لا تجد متنفسا للخروج ترتد لتتجمع في أكياس ما حول الجسد وداخله في خلايا الجسم‏,‏ وكل مرة يرتد فيها الغضب نحو الذات تتجمع كل الموجات وتختزن بشكل متحول قد يكون اكتئابا وكل مرة يختزن فيها الغضب يمتلئ‏'‏ الكيس‏'‏ وتتحول النقط الحمراء إلي سوداء ويتجمع الحزن‏.‏
وإحدي مدارس علم النفس الحديث تعرف الاكتئاب علي أنه غضب يرتد نحو الذات والاكتئاب هو الحزن اليائس من كثرة تجمعه في الداخل هناك شعور نحو الذات وهو أني متعبة من نفسي ولكن في الحقيقة أنا غاضبة من الآخرين منذ الطفولة أختزن الغضب نحو الآخرين فالطفل إذا كان قويا يدافع عن نفسه أما إذا كان تحت السيطرة فإن الغضب الذي يجب أن يتوجه نحو الظالم يظل مكتوما ولا يمكن أن ينفس عنه فيضعف الطفل أكثر ويتعلم كيف يختزن الضيق وقد يعبر عن نفسه وهو صغير ولكن بعد أن يشب خاصة البنات تفقد القدرة للتعبير عن نفسها‏,‏ ويصبح من سمات شخصيتها رد الغضب نحو الذات واختزانه وكلما كان الاختزان أكثر تجمع في الخلايا ويصبح الجسم عليلا والنفس عليلة ويتكون لدي الشخص استعداد للانفجار في أية لحظة وهناك أناس سريعو الغضب إما لأنه ليس لديهم سيطرة علي أنفسهم أو لأنهم امتلأوا بالغضب منذ الطفولة وأصبح من السهل استثارتهم لدرجة أنهم قد يبدون غضبا غير مبرر أو بدون أسباب وعندما نخرج هذا المخزون الغاضب نجد أنفسنا اكثر رحابة‏.‏
وتعبير الجسد عن الغضب يكون بالمرض فالأمراض إما عادية لأسباب صحية معروفة وإما سيكوماتيكس‏'‏ نفس جسدية‏'‏ فبعد الغضب أو الانفعال يجد الإنسان ألما في الرأس أو المعدة أو أي عضو من جسده‏,‏ أو أنه يشكو من ألم دائم‏,‏ والسبب أن الكيس غير المرئي حول الجسد والقوي غير المرئية‏,‏ يختزن هذا الكيس في مكان معين يختلف من شخص لآخر وكل واحد مستعد للمرض بحسب اختزان الطاقة وأينما يوجد مرض ليس له تفسير يوجد غضب مختزن في هذه المنطقة إما من الطفولة أو الوقت الحاضر وتخزين الغضب يتكون من الغضب المرتد نحو الذات‏.‏
رياضة التنفيس

ولكن ماذا أفعل في الغضب وهو يقابلني عشرات المرات يوميا‏..‏ تضيف د‏.‏ هناء المطلق قائلة‏:‏ لأننا بشر يجب أن ننحني حتي تمر العاصفة الغاضبة ولكن لابد أن أنفس عن غضبي بالمناقشة الهادئة المتفاهمة بعد هدوء العاصفة‏,‏ ولذلك يجب أن تكون في يدي طريقة للسيطرة علي نفسي هذه الوسيلة أشبه بالرياضة وهي فعالة للتنفيس عن الغضب الوقتي أو المكبوت وتكون بالجلوس بهدوء في صمت وضوء خافت مغمض العينين وأحاول إخلاء الفكر من أية هموم أو مشاكل تعصف به وأركز النظر بالعين الثالثة علي الجسد وأحاول التجول تدريجيا وأكتشف داخلي مع التنفس العميق الهادئ ثم أسحب هذا الغضب تدريجيا إلي الخارج وأشعر كأن هناك ما يغسلني‏,‏ هذا الماء يغسل كل أجزاء الجسد الداخلية العقل والقلب وكل الجسم بعد ذلك يكون الإنسان أكثر استعدادا لسماع كلمات الله الذي بذكره تطمئن القلوب فيكون للآيات الكريمة وقع آخر علي القلب والنفس فيتطهر الإنسان في هذه الجلسة من كل كوامن الغضب داخله‏*‏