333‏السنة 123-العدد2003اغسطس9‏11جماد ثان 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

مليون شخص يجتمعون في لحظات مثيرة
طقوس الولاء في مولد مولاي السلطان

صنعاء ـ إبر اهيم العشماوي


في كل عام يتوافد عشرات الآلاف من اتباعها إلي منطقة حراز اليمنية التي تبعد عن صنعاء بحوالي‏90‏ كم للحج إلي ضريح حاتم الحضرات يحملون سلطانهم الدكتور محمد برهان الدين فوق حمالة خشبية ويرددون أدعية خاصة‏,‏ إنهم البهرة طائفة دينية إسلامية يصل عدد أتباعها في العالم إلي مليون شخص غالبيتهم في اليمن والهند يفضلون التجارة وينبذون ممارسة السياسة وإن كانوا يحرصون علي علاقات جيدة مع الحكام‏.‏ لديهم مفاهيم دينية قد تثير الجدل لكنهم يحرصون علي إظهار بساطتهم واعتدالهم في كل الأحوال‏.‏
عندما مر السلطان وهو الداعية الفاطمي الثاني والخمسون انحنت له جموع البهرة مرددين كلمة‏(‏ مولاي‏)‏ ينطقونها وأيديهم الملتصقة ببعضها البعض مرتفعة ما بين الذقن والصدر مع انحناءة متوسطة للهامات تبجيلا وتعظيما له وتبركا به وأثناء تأديته للطقوس فوق ضريح حاتم بن إبراهيم مع حشد كبير من أفراد طائفته كانت أصوات زغاريد النساء تملأ الجبل دويا ورائحة العود طاغية في المكان والجميع ينادي للحسين‏.‏
وعلي الرغم من أن احتفالاتهم تعود إلي قرون عدة إلا أنها خرجت إلي العلن للمرة الأولي قبل ثلاث سنوات فقط عندما سمحت للآخرين بحضورها في مركز طائفة البهرة بصنعاء والذي يطلقون عليه مقر الفيض الحاتمي‏.‏ وفي الاحتفال الذي أقيم أخيرا لم يحمل السلطان علي حمالة خشبية يحملها ثمانية وإنما ظهر الدكتور محمد برهان الدين ذو الثانية والتسعين في سيارة بيضاء يلوح بيديه لنحو عشرة آلاف من اتباعه يتهافتون لتحيته وتعظيمه في الزيارة العاشرة للسلطان إلي حراز والمشاركة الخامسة عشرة لأبناء الطائفة في العالم وتأتي الزيارة بعد نصف عام فقط علي زيارته السابقة‏.‏
والبهرة فرقة باطنية وهم إسماعيلية مستعلية يعترفون بالإمام المستعلي ومن بعده الآمر ثم ابنه الطيب ولذا يسمون بالطيبية وهم إسماعيلية الهند واليمن تركوا السياسة وعملوا بتجارة البهارات ووصلوا إلي الهند وانتشر فكرهم الشيعي فيها وكذلك في بنجلاديش وباكستان واختلط بهم الهندوس الذين أسلموا وعرفوا بالبهرة والبهرة لفظ هندي قديم بمعني التاجر في اللغة الكجراتية الهندية‏.‏ ويطلق عليهم رجل الشارع اليمني اسم المكارمة‏.‏
ويقول سلمان رشدي مندوب سلطان البهرة في اليمن إنهم لا يسجدون إلا لله ويعتقدون بأن الرسول صلي الله عليه وسلم أقام بعده أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ومن حينها والإمامة تتوالي من والد إلي ولد من نسله‏.‏ ويؤكد رشدي أن أتباع الطائفة يعرفون أسماء الأئمة حتي الإمام الطيب الحادي والعشرين الذي اختار الستر والمقصود بالستر أنه اختفي لكنه موجود الآن ليس بشخصه فالداعي المطلق السلطان برهان الدين ينوب عنه ويقيم دعوته‏.‏
وتقول المصادر التاريخية إن السيدة أروي بنت أحمد الصليحي زعمت بأنها أخفت الطيب بن الآمر وجعلت نفسها كفيلة ونائبة عنه في تولي شئون الدعوة الإسماعيلية الفاطمية فترة من الزمن إلي أن توفيت ثم تولي بعدها عدة دعاة‏.‏
وتنقسم البهرة إلي فرقتين الأولي البهرة الداوودية نسبة إلي قطب شاه داود وينتشرون في الهند وباكستان منذ القرن العاشر الهجري وداعيتهم يقيم في بومباي‏.‏ والثانية البهرة السليمانية نسبة إلي سليمان بن حسن وهؤلاء مركزهم في اليمن حتي اليوم‏.‏
الدكتور محمد برهان الدين رئيس طائفة البهرة
مزار سنوي

يحتشد عادة قرابة‏14‏ ألفا من الإسماعيلية اليمنية وأنصارها الذين جاءوا من الهند وباكستان ويتوجهون بصحبة زعيمهم محمد برهان الدين إلي قرية حطيب لزيارة قبر حاتم الحضرات وهو الداعية الفاطمي الثالث حاتم بن إبراهيم‏596‏ ـ‏557‏ هـ الذي يقام له مولد ضخم كل عام‏.‏ ويعتبر أحد أشهر المزارات الدينية لديهم‏.‏ وتقع الحطيب علي جبل شاهق الارتفاع ينتصب في أعلاه حصن منيع يحمل فوق رأسه جامعا قديما بني منذ تسعمائة عام في عهد الصليحيين يصعدون إليه من جهة واحدة فقط عبر طريق مدرج لزيارة الضريح‏.‏ وتمتلئ منطقة حراز وبالأخص مناخة والقري المحيطة بها بهؤلاء الحجاج كما يطلقون علي أنفسهم‏.‏
وفي مولد الولي حاتم الحضرات يحمل الحجاج سلطان الطائفة محمد برهان الدين علي كرسي له ثمانية مقابض مما أثار بعض الاتجاهات الدينية في اليمن‏.‏ ويرتدي الجميع ملابس واحدة عادة ما يرتديها الهنود فالرجال يرتدون الجبة والنساء يلبسن الرداء وهما من الأزياء التقليدية في الهند وتنحصر ألوان ملابس الرجال بين الأبيض والرمادي أما النساء فيطغي علي أرديتهن الوردية والسماوية‏.‏
ويقول جودت برهان‏-‏ هندي الجنسية إنهم يتحملون الكثير من المشاق من أجل رؤية السلطان المبارك وهو كبيرنا الذي يتوجب علينا تبجيله وطاعته والله قد أمر كل المسلمين بطاعة ولي الأمر هكذا يزعم‏.‏
وتتمتع تلك الطائفة شأنها شأن العديد من الطوائف الدينية الموجودة في اليمن بحرية كفلها الدستور ولا يتعرضون لأي منغصات ولهم علاقات طيبة مع الحكومة وعلي رأسها الرئيس علي عبد الله صالح نفسه الذي منحته الطائفة أصواتها في الانتخابات الرئاسية الأخيرة وأسهمت بأموالها في جزء من الحملة الدعائية التي رافقتها‏.‏
ويتوزع مليون بهري تقريبا في بلدان العالم ويعتبرون حراز ذات أهمية دينية كبيرة لارتباطها بمعتقداتهم وبالذات منطقة الحطيب التي تحظي بمكانة رفيعة ولها قدسية خاصة لدي البهرة ولذلك أصبحت مزارا سنويا لهم يتقاطرون عليها من داخل اليمن وخارجه حيث تعتبرها الطائفة وفقا لمذهبهم الديني أرض الميعاد التي تنتسب أصوله التاريخية الي الفاطميين‏.‏
ويحكم الطائفة نظام واحد يسري علي جميع أعضائها في مختلف أنحاء العالم جميعهم يأتمرون للسلطان يطيعونه في كل أوامره دون أدني مناقشة وتتميز بأنها تمثل طائفة مسلمة تمارس شعائرها الدينية وطقوس العبادة بعيدا عن السياسة وهي تنبذ العنف بكل أنواعه وصوره وتعمل علي تربية أجيالها علي ثقافة التسامح وحب الخير وطاعة ولي الأمر سواء سلطان الطائفة أم حاكم البلد الذي ينتمون إليه‏.‏
الفيض الحاتمى أحد المزارات الأساسية لطائفة البهرة
طقوس الزواج

والبهرة حريصون علي عدم الزواج من غيرهم لذا احتفظوا بنسل تختلط فيه الملامح الهندية باليمنية والمصرية‏.‏ وتتبني الجمعية الخاصة ببهرة حراز التي يدعمها السلطان‏,‏ المساعدة في الجمع بين القلوب المتحابة من أبناء الطائفة عن طريق دورها في عملية ارضاء أهل العروس إن وجد ما يحول دون وصل العريس بعروسه وتقوم الجمعية بدور الموفق بين الطرفين ودفع المهر وتحمل كل نفقات الأعراس‏.‏
وتمكنت الجمعية أيضا من القضاء علي ظاهرة غلاء المهور بتقنينها لدي أبناء الطائفة حيث لا يتجاوز أقصي مهر المئة والعشرة آلاف ريال يمني حوالي ستمائة دولار ولذلك فضل عشرات العرسان من أبناء حراز تأجيل فرحتهم لتتزامن إقامتها مع زيارة السلطان أبرز أثرياء البهرة والداعم الأكبر لها في العالم كما حرص بعض العرسان الهنود من ذوي الأصول الحرازية علي إشهار عقد زواجهم في هذه المناسبة الدينية لتتحول إلي مهرجان عرائسي ديني تبركا بحلول المناسبة وبحضور سلطان الطائفة الذي يحرص علي زيارة حراز وإقامة الطقوس الدينية فيها كل عام‏.‏ حيث قام بإتمام عقد الزواج لهم ومن ثم ممارسة الطقوس الدينية السنوية‏.‏
ويؤكد طاهر الحرازي أحد أبناء الطائفة أن السلطان يدفع المهر للذين سيتزوجون ويتكفل بتكاليف زواجهم‏.‏
ويقول محلم حكيم الدين الناطق باسم البهرة وسبط سلطان البهرة وابن ابنته إن احتفال البهرة ليس موسميا بل مناسبة تلقائية تواكب زيارة السلطان الي حراز وأبناء الطائفة يمارسون طقوسهم منذ أكثر من‏15‏ عاما‏.‏ إضافة إلي الاحتفال الذي يقام بمركز الطائفة في صنعاء‏.‏
ويضيف أن زيارة السلطان الأخيرة كانت خاطفة ومفاجئة لأنه كان في طريقه من مدغشقر إلي بلده الهند فاقترح بعض مرافقيه زيارة اليمن لأنها في الطريق ونحن مسلمون مسالمون ونحب الرئيس علي عبد الله صالح ويحبنا وقد دعمنا حزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم في الانتخابات الماضية‏.‏ وقد ذكر الرئيس اليمني في أحد اللقاءات الصحفية أن أبناء الطائفة لا يشكلون خطرا لا علي المجتمع ولا علي النظام ولا علي الدولة وهم يأتون للسياحة وزيارة أحد القبور في حراز‏.‏ فإذا كنا نستقبل السياح من فرنسا وأمريكا واليابان ودول أخري غير مسلمة ونوفر لهم الرعاية والحماية فكيف بهذه الطائفة المسلمة التي لا تشكل أي خطر ولن نسمح لأحد بأن يمسهم بأي أذي‏.‏
ويشير حكيم الدين الي أن الطائفة لها مدارس في الهند مثل الجامعة السيفية نسبة إلي سيف الدين جد السلطان وهي تدرس العلوم الإسلامية والعربية والآداب وتجمع بين الدراسة الدنيوية‏(‏ الرياضة ـ العلوم الفيزياء‏)‏ واللغات المختلفة وفنون الخط العربي وقراءة القرآن الكريم وهناك معهد الزهراء المتخصص لتحفيظ القرآن الكريم وتجويده هو مزود بأحدث المعدات التقنية لتعليم القرآن فضلا عن مدارس في غيل بني حامد وحطيب حراز ومدرسة أخري في صنعاء لتدريس القرآن الكريم واللغة العربية ولغة الطائفة التي تمتزج فيها اللغة العربية بالهندية‏.‏
ويقدر حكيم الدين حجم البهرة في اليمن بأكثر من عشرة آلاف شخص وعدد السواح من أبناء الطائفة الذين يفدون سنويا لزيارة الأضرحة في اليمن ما بين‏20‏ و‏30‏ ألفا ويقول إن أبناء الطائفة يأتون من جميع بلدان العالم‏.‏
ويضيف‏:‏ لدينا مقر للطائفة الفيض الحاتمي في الأماكن التي فيها زيارات ومقامات مثل مكة المكرمة والمدينة المنورة والعراق ونحن نؤدي شعائر العمرة والحج والطواف حول الكعبة المشرفة وليست لنا مزارات غيرها ونقيم علاقات جيدة مع كثير من الدول العربية ودول إفريقيا وأيضا في أوربا ونرحب بالحوار مع الفرق الأخري إذا كان فيه نية خير ونرفضه إذا كان بنية الضرر‏.‏
يقول أحد الحرازيين البهرة إن محمد برهان الدين سلطان الطائفة يحرص علي إحضار الهدايا وتوزيعها علي بعض أفراد طائفته في كل زيارة إلي اليمن عموما وإلي حراز خصوصا وتحظي هداياه بالاهتمام والرغبة في اقتنائها ليس للحاجة بل لقدسيتها بالنسبة لهم حيث يتبركون بها كما يتبركون بالسلطان ويتقربون به إلي الله ويضيف أن الشال مثلا يقي الإنسان من كل مكروه وأنه إذا ما وضعناه علي أكتافنا فإنه يذهب عنا البلاء ويشفي من العلل ويطرد البعوض اذا ما وضعناه فوقنا وهذه ليست سوي بعض من بركات ومعجزات السلطان التي جربناها‏*‏