333‏السنة 123-العدد2003اغسطس9‏11جماد ثان 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

تقرير من أمريكا‏...!‏

د‏.‏ عبدالمنعم سعيد


وقت كتابة هذه السطور في نهاية شهر يوليو كان قد مضي علي وصولي إلي الولايات المتحدة أسبوعان‏,‏ وكانت تلك أكبر فترة قضيتها في أمريكا منذ عام‏1987‏ عندما قضيت عاما كاملا في معهد بروكنجز في مدينة واشنطن‏.‏ هذه المرة كان المكان مختلفا وبعيدا عن العاصمة في مدينة كامبردج التي يفصلها عن مدينة بوسطن نهر تشارلز‏.‏ وكانت الأجواء أيضا مختلفة فبينما كانت في الحالة الأولي فيها رجال ناضجون ـ باحثين وخبراء ـ يتحركون بسهولة بين المعهد ووزارة الخارجية ومباني الكونجرس وحتي البيت الأبيض أحيانا‏,‏ فإن الحالة الثانية كانت فيها أجواء جامعة هارفارد وكلية جون كنيدي للحكومات حيث يجتمع فيها الطلاب النابهون من صغار السن مع حفنة غير قليلة من الكبار الذين يجتمع فيهم قدر غير قليل من الثقة بالنفس التي تقف علي حافة الغرور‏.‏
وبينما فصل الرحلة الأولي عن الثانية قرابة خمسة عشر عاما‏,‏ فإنه لم يمر عام دون أكثر من زيارة إلي أمريكا‏,‏ ولكن هذه كانت هي المرة الأولي منذ وقت طويل التي أمضي فيها أسابيع متصلة من البحث والتدريس والاتصال بالناس‏.‏ وربما شكا كثيرون في العالم العربي من أمركة أمريكا للعالم‏,‏ لكن المؤكد هو أن العالم قد عولم أمريكا‏.‏ وللوهلة الأولي فإن السائر بين مباني الجامعة‏,‏ أو الناظر إلي مجموعة المحلات التي تشغل قلب ميدانها‏,‏ لن يجد فيها سوي العالم كله مجتمعا بجميع أشكاله وألوانه‏,‏ وبالتأكيد دياناته‏,‏ ممثلا في البشر‏,‏ وفي الأذواق في الأكل والشرب واللبس‏.‏ وعندما نزلت إلي أول محطة مترو وجدت بها موسيقي لم أسمع بها من قبل‏,‏ لكنها كانت عذبة وشجية‏,‏ وعندما سألت عرفت أنها لأحد بلدان أمريكا الجنوبية‏,‏ وبعد ذلك وجدت موسيقي من كل بلد تصدح بها كل محطة من المحطات‏.‏
وباختصار كان العالم قد نقل كل موسيقاه إلي أمريكا‏,‏ كما سبق أن نقل طعامه‏,‏ وبينما كنت قد تركت مصر وفيها عدد غير قليل يشكو من انتشار مطاعم ماكدونالد‏,‏ فإنني لم أجد أحدا يشكو في أمريكا من انتشار المطاعم الصينية والمكسيكية والتيلاندية والهندية والشرق أوسطية أيضا‏.‏ وفي هذه المرة وجدت أن الطعام الياباني قد شاع بأكثر من أي وقت مضي‏,‏ بل إنه الطعام المفضل لكثرة في الجامعة العريقة لأنه كما قالوا صحي ولا يسبب زيادة في الوزن‏.‏ وحقق الإخوة اللبنانيون سبقا عندما نجحوا في تعليب كل الطعام اللبناني‏,‏ ومعه احتجزوا مساحة لا بأس بها من رفوف المحلات الكبري للفتوش والتبولة والحمص‏.‏
وإذا كان الصينيون والهنود يمثلون معا ما يقرب من مليارين ونصف المليار من البشر الذين يصلون إلي أكثر قليلا من ستة مليارات نسمة في العالم‏,‏ فإن نسبتهم تبدو أكثر من ذلك في جامعات بوسطن المختلفة حيث يقال إن ستة منهم يوجدون من كل عشرة من الأساتذة في كل قسم‏.‏ ولا يحتاج الأمر لكثير من التحقق‏,‏ فالشارع والمطاعم والمحلات تشهد بوجود تحولات جذرية في التركيبة الديموغرافية الأمريكية‏,‏ أو أن أمريكا أصبحت هي العالم‏.‏ علي أي الأحوال ربما كان ذلك هو لب المشكلة بين الولايات المتحدة وبقية الدنيا‏,‏ فالدول المختلفة لا تري في العولمة إلا ما هو مختلف عنها‏,‏ أما أمريكا فإنها تري في العولمة نفسها‏.‏
وربما كانت الملاحظة الكبري هي أنه في عصر انتشار وسائل الاتصال والمعرفة الحديثة‏,‏ تنتشر المكتبات ومحلات بيع الكتب بأكثر مما تصورت‏.‏ فقد كان المتوقع بعد ظهور الإنترنت الذي وصل له الجميع‏,‏ وظهور المحطات التليفزيونية الفضائية التي يمكن بأثمان زهيدة منها أن يحصل الإنسان علي‏270‏ محطة مختلفة ومتنوعة‏,‏ أن إقبال الناس علي القراءة سوف يقل‏.‏ ولكن الحال لم تكن كذلك‏,‏ ويبدو أن الإقبال علي القراءة قد زاد‏,‏ ليس فقط لأن المكتبات قد صارت مثيرة هي الأخري‏,‏ ولكن أيضا لأن الكتب قد تغيرت‏,‏ وباتت تقدم أشكالا من المعرفة العميقة والمثيرة أيضا لا تستطيع أي وسيلة أخري الوصول إليها‏.‏ وربما يبدو ذلك طبيعيا في مدينة يوجد فيها جامعات القمة الأمريكية مثل هارفارد ومعهد ماسوشوتس للتكنولوجيا وجامعة تفت وفليتشر وعدد غير قليل من جامعات بوسطن‏,‏ لكن مع زيارة بلدان أمريكية أخري فإن الحال ليست مختلفة كثيرا من حيث المكتبات ومحلات بيع الكتب‏.‏
لكن والحق يقال إن العولمة كما هي مقلقة للعالم فهي مقلقة لأمريكا‏,‏ أو لبعض الأمريكيين علي الأقل‏,‏ وفي أسبوع الوصول إلي بوسطن كانت لجان في الكونجرس الأمريكي مشغولة للغاية لأن صناعة السلاح ـ السلاح وليس أي شيء آخر ـ قد باتت معتمدة اعتمادا كاملا علي الصناعة في بلدان أخري مثل سويسرا والسويد وعدد غير قليل من الدول الأوروبية والآسيوية‏.‏ كانت المسألة ببساطة هي أن المصنع العالمي يعمل‏,‏ والصناعة الأمريكية تحاول الحصول علي أفضل البضائع بأرخص الأسعار‏,‏ وكان هناك بالطبع من يعترض علي ذلك علي أساس أنه يفلس صناعات أمريكية‏,‏ كما أنه ينقل عشرات من الدولارات الأمريكية إلي خارج البلاد‏.‏ وكما هي العادة فقد كان النقاش كبيرا حول حجج العودة إلي الصناعة المحلية من أجل توفير المال وتشجيع الصناعة‏,‏ وحجج العولمة التي تري أن المنافسة علي المستوي العالمي مفيدة‏,‏ وأنه في النهاية لابد من حماية المستهلك الذي هو دافعو الضرائب الذين سيتحملون أي زيادة في السعر‏.‏
لكن العولمة ليست هي الموضوع الوحيد‏,‏ فالمؤكد أن عملية البحث عن صدام حسين كانت هي القصة الرئيسية خاصة بعد النجاح في اصطياد ولديه عدي وقصي‏.‏ ويوما بعد يوم‏,‏ وساعة بعد ساعة‏,‏ كانت عملية اصطياد صدام قد صارت جزءا من عرض سينمائي‏,‏ وربما كان ذلك ما يبحث عنه الأمريكيون‏.‏ فالقصة لا تكتمل عناصرها‏,‏ ما لم يكن لها دراما المسرح وانفعالات السينما‏,‏ ووقت كتابة هذه السطور كانت الدراما والانفعالات قد وصلتا إلي قمتيهما‏.‏ ومما جعل الحبكة مثيرة أن بوادر الانتخابات الأمريكية قد بدأت في الظهور‏,‏ وهناك أربعة عشر مرشحا ديمقراطيا علي الأقل حتي الآن ومشكلتهم جميعا هي ماذا يفعلون مع جورج بوش وهل يهاجمونه علي أساس أنه فشل في العراق‏,‏ أم علي أساس أنه فشل في الداخل‏,‏ أم أن أي هجوم عليه سوف يقوية لأنه في النهاية الرجل الذي يخوض الحرب ضد الإرهاب‏.‏ ونجح في الإطاحة بحكم صدام حسين‏.‏ وقد أتاحت لي الظروف أن أكون في أمريكا وقت الانتخابات التي أتت برونالد ريجان إلي السلطة‏,‏ والأخري التي أتت بجورج بوش الأب‏,‏ والثالثة التي تولي بها كلينتون الرئاسة‏,‏ ويبدو أن الحالية منها سوف تكون أكثرها إثارة‏!!.‏


للرد على المقال أضغط هنا