
|
اوعوا تقولوا لأمي |
 | |
عاطف حزين لو علمت الحاجة والدتي أن العمر امتد بها حتي لحقت بالعصر الذي دفع فيه ابنها خمسين جنيها بالتمام والكمال للحلاق, ستلعن اليوم الأغبر الذي أنجبتني فيه, وربما ترفع علي قضية حجر علي اعتبار أنني سفيه يبعزق فلوسه علي أصدقائه وجيرانه لدرجة أنه يدفع عنهم ثمن الحلاقة. فماذا لو علمت أمي أن الخمسين جنيها هي سعر حلاقة رأس واحدة فقط التي هي رأس ابنها؟ من الأفضل ألا نتخيل رد فعلها, ومن الأفضل ألا يخبرها أحد بما حدث لي في أحد أيام أغسطس من عام.2003 لكنني يجب أن أحمد الله بعد أن أصبحت لي نوادر العواجيز التي سأقصها بعون الله علي الشباب والأطفال. نوادر من ماركة: فين أيام زمان, أيام كانت العشر بيضات بتعريفة ورطل اللحمة بتلاتة أبيض. أما أنا فسوف أتخصص في الحلاقة فقط بعيدا عن البيض واللحمة, وكافة أصناف الأكل خاصة أنني بدأت مشواري مع المزينين من صالون هافانا لصاحبه الأسطي حسن ياسين, الذي كان يعشق كاسترو وجيفارا. كان أبي- رحمه الله- يعطيني ثلاثة قروش ويقول لي: بعد أن يقول لك الأسطي نعيما يا عريس, قل له: الله ينعم عليك ياسطي, ثم تعطيه الثلاثة صاغ.. فاهم؟ وعندما هاجرنا من بورسعيد إلي دمياط وبقي أبي في الجبهة ليزيل آثار العدوان, كانت أمي هي التي تعطيني ثمن الحلاقة الذي أصبح خمسة قروش, وعندما حصلت علي الشهادة الإعدادية طلب الأسطي طه الدمياطي عشرة قروش نصفها لزوم حلاقة والنصف الآخر حلاوة النجاح. ولأن الحلاقة زمان كانت ذوق, وكل برغوت علي قد دمه, لم يستطع أحد وضع تسعيرة للرأس. كان العرف وحده هو الذي يضع حدودا دنيا للحلاقة, لكنه ترك السقف مفتوحا حسب إمكانات- وذوق- الزبون. لذلك عندما عدنا إلي بورسعيد التي أصبحت مدينة حرة, وأصبحت الفلوس تنهمر علي فئة التجار, التجار بس, بدأت المسألة تتخطي حاجز الجنيه, لذلك كانت مصيبة كبيرة عندما اضطررت إلي دفع ثلاثة جنيهات للأسطي سمعة شقيق الأسطي حسن هافانا, ولم يكن يهون علي أبناء الموظفين أمثالنا سوي أن الموضة أيامها كانت الشعر الطويل, لذلك كنا نذهب إلي الحلاق كل ثلاثة أشهر وربما يزيد. صحيح كانت موضة مهببة لكنها كانت تستر الغلابة أمثالنا. لكنني تركت بورسعيد- كمواطن وليس كزائر- سنة1982 ولم أكن أدفع أكثر من خمسة جنيهات أصبحت مع مرور الأيام عشرة أدفعها راضيا ممتنا للأسطي جمال مسعود, الذي كان صبيا للأسطي سمعة, الذي كان بدوره صبيا لأخيه الأسطي حسن ياسين حلاق العيلة. يحدث ذلك دائما في بورسعيد في نفس الصالون الذي حلقت فيه وأنا طفل مع أبي فوق البيعة. ولأنني لم أستطع التعود علي الحلاقة في القاهرة رغم مرور كل هذه السنوات, فأنا لا أسلم رأسي إلا لمن أثق فيه, جاءت الطامة الكبري يوم السبت الماضي عندما تنازلت تماما عن رأسي, فأصبحت واحد تاني. سألني صديقي أشرف: مالك.. شكلك مكتئب. طبعا الدنيا كلها مكتئبة هذه الأيام. قلت له وأنا أتأسي علي حالي: الحمد لله.. أنا أحسن من غيري. وقبل أن أسترسل وأشكي له همي حسم الموقف قائلا: قوم بينا.. أنا عندي حل للاكتئاب بتاعك. مغمض العينين سرت خلفه ركبنا التاكسي دون كلمة واحدة, حتي قال للسائق حاسب يمينك يااسطي.. شكرا. فجأة وجدت نفسي داخل كوافير.. كوافير رجالي وليس صالون حلاقة, فهناك فرق. استقبلنا صاحب المحل الذي يحمل لقب أستاذ كما يناديه صبيانه, وليس أسطي كما كنا ننادي الأسطي حسن, وكل الأسطوات المزينين. قال صديقي للأستاذ: الباشا مكتئب ولازم يخرج من عندك واحد تاني. إيه رأيك تعمل له نيولوك. في البداية افتكرت المسألة هزار, لكن بعد أن سلمت رأسي- بفعل الاكتئاب- إلي الأستاذ لمدة ساعتين أغمضت عيني تماما. شعرت بأشياء كثيرة تحدث في شعري, ثم شعرت بأشياء أغرب تحدث مع وجهي, وعندما أفقت ونظرت إلي المرآة وجدت شخصا غريبا عني, نعم يحمل شيئا من ملامحي, لكنه بالتأكيد ليس الشخص الذي تعودت علي رؤيته. سألت الأستاذ مندهشا مين ده يافنان؟فضحك وقال لي: سيادتك ولكن بعد أن طرحنا عشرين سنة. بصراحة فرحت جدا.. كدت أرقص وأقفز كالأطفال.. ياه هو ده النيولوك.. دي حاجة حلوة خالص.. الواحد في ساعتين يرجع عشرين سنة, وكل الحكاية خمسين جنيه. نصحني الفنان بعد أن دفعت له الحساب بأن أذهب لأحسن مصوراتي حتي أسجل هذه اللحظة الخالدة.. وهذا ما فعلته وأنا في غاية السعادة. الحاجة الوحيدة التي تثير خوفي هي أن تعلم أمي بما حدث. بالطبع هي ستفرح بحكاية العشرين سنة, لكن المشكلة في حكاية الخمسين جنيه. أرجوكم اوعو تقولوا لأمي.
|
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|