
|
لكي لا يحتضر الفلاح المصري |
 | |
محمد حبوشة كان لنا جار عجوز لا يملك من الدنيا سوي خمسة قراريط أقل من نصف فدان هي عبارة عن شريط طويل منخفض عن الطريق بمحاذاة مياه البحر الصغير, كان يطلق عليه الجريف أو تلك المساحة من الأرض التي تسمي طرح النهر وكان نصيب جارنا هذا من الأولاد والبنات تسعة, لم يترك أي منهم وهو علي قيد الحياة طوال الثمانين عاما التي قضاها تحت ظل شجرة توت عتيقة إلا وقد أصابه قدر كبير من التعليم الجامعي. ربما كان هذا الرجل يشعر بداخله بالسرور والسعادة التي لا يشعر بها أولئك الذين يملكون المساحات الشاسعة من الأرض لسبب بسيط أنه لم يرتبط بمساحته الصغيرة بدورة زراعية واحدة تلزمه بزراعات مثل القطن والأرز والقمح التي كانت بمثابة الكابوس المفزع للفلاح المصري طوال فترة ما بعد منتصف الستينيات حتي وقتنا الحالي. فقد كان جارنا يزرع كل ما يشتهي من البذور والبقول والحمضيات والخضراوات الطازجة التي يحتاجها كل بيت فقيرا كان أم غنيا, وقد أطلق عليه الـظرفاء من الفلاحين عمر أفندي من فرط الأنواع المتعددة من المحاصيل الصغيرة التي يزرعها ويتفنن في استغلال كل سنتيمتر مربع في نوع جديد من الزراعة التي لا تحظي بها المساحات الكبيرة باميا ـ ملوخية ـ كوسة ـ ترمس هذا فضلا عن الطماطم والخيار والقثاء. وعلي الرغم من أن هذا الرجل الذي أكل الدهر عليه وشرب, حتي صار كعود الخيزران المعوج إلا أنه أصبح من أساطير قريتنا في الكفاح والتحدي حتي يصل أبناؤه من المهندسين والأطباء والمدرسين إلي بر الأمان في الحياة عبر قراريطه الخمسة فقط. قد تكون تلك الحكاية مسلية ولكنها تحمل من المرارة والأسي الكثير, لأنه صعب جدا علي أي فلاح مصري الآن في بر مصر أن يكرر تجربة جارنا رحمه الله أما المناسبة التي ذكرتني بتلك الحكاية هي المانشيتات التي تنعي تقلص مساحة الأرض المزروعة بالقطن في مصر هذا العام لأول مرة منذ100 سنة. والذي أثار دهشتي تلك الاتهامات القاسية التي يتهم بها الفلاحون بما يشبه حالة العصيان المدني علي زراعة القطن, ولا أحد من المسئولين الذين يسكنون الدواوين المكيفة في وزارة الزراعة المصرية يسأل نفسه عن السبب الرئيسي في إحجام الفلاح المصري صاحب الخبرة الطويلة في زراعة وصناعة الذهب الأبيض, لماذا فقد هذا الذهب بريقه؟ ولا أحد أيضا سأل نفسه ذات مرة هل لزيادة سعر قنطار القطن من60 إلي75 هي زيادة مناسبة للكفاح المسلح الذي يعانيه الفلاح المصري في الري والحرث والزراعة والنقاوة اليدوية والكيماويات التي ارتفعت شيكارة اليوريا فيها من18 جنيها إلي أكثر من80 جنيها, وشيكارة النترات إلي69 بدلا من.19 هذه بعض الهموم الصغيرة التي ربما تفسر قدرا ضئيلا من المشكلات التي تتعلق بمحصول واحد يعتبر العمود الفقري في حياة المصريين جميعا سواء كانوا فلاحين أم غيرهم. أزمة القطن المصري الحالية ليست أزمة اجتماعية تهدد بانهيار طبقة الفلاحين فقط بل هي أزمة سياسية في المقام الأول لأنها أصيبت بالعديد من القرارات العشوائية التي تفتقد إلي الموضوعية والدراسة الدقيقة لحال التربة المصرية العجوز التي أصيبت بالعقم خلال الثلاثين عاما الماضية وبالتالي فقدنا أهم تاج كان يزين رأس كل مصري وهو الذهب الأبيض, الذي كان يحتل المرتبة الأولي في العالم ولا أدري أي مرتبة يحتلها الآن. وتأتي الأزمة الاقتصادية متشابكة فيما بعد مع الأزمة الاجتماعية التي أصابت الفلاح المصري, فقد كنا صغارا نحلم بموسم جني القطن الذي يعني ملابس جديدة وحذاء جديدا وبشري لعام دراسي حافل بالدفء علي مستوي الصغار, وموسم لإتمام الزواج للكبار أنه موسم الإيراد الذي كانت كل الأفراح مؤجلة حتي موعد حلوله بالخير الوفير. ولا أتصور أنني أضم صوتي إلي صوت الباكين علي القطن المصري الذي كان, بل أضم صوتي إلي صوت الباحثين في الدفاتر والدراسات عن حل لأزمات الفلاح المصري الذي تخلي عن عموده الفقري في الزراعة ولا ندري ربما يهجر زراعة القمح فيما بعد يليها الأرز وتقع الكارثة العظمي. قد نحتمل طويلا أن يكون لدينا ملابس ليست قطنية من صنع الصين وتايوان لكن هل يمكن أن نحتمل أن نحيا بلا أرز أو قمح, صحيح أننا نستورد بعضا منه الآن, لكن علي الأقل لا يحتمل الفلاح المصري أن يجلس هائنا بدفء شمس الشتاء وهواء الصيف البارد قليلا ساعات العصاري فيما تعتصر بطنه وبطون أطفاله ونسائه من الجوع, إذا علينا إنقاذ ما تبقي من جهد وجاه لدي الفلاح المصري قبل أن يحتضر.
|
|
|
|
 |
|
للرد على المقال أضغط هنا
|
 |
|
|