333‏السنة 123-العدد2003اغسطس9‏11جماد ثان 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

الخلافات ساخنة
وبوش يفقد السيطرة

أربعة رؤساء يحكمون البيــــت الأبيض

الإدارة الأمريكية متعددة الرؤوس

تقرير ـ رشا محمود


بعد مرور بضعة أسابيع علي تفجر أزمة خطاب الرئيس بوش عن حالة الاتحاد في‏28‏ يناير الماضي‏,‏ والتي انتهت باعتراف جورج تينيت ـ مدير الـ‏CIA‏ ـ بمسئوليته عن المعلومات غير الدقيقة التي وردت في الخطاب والخاصة بمحاولة النظام العراقي السابق شراء اليورانيوم من النيجر‏,‏ ظهر طرف ثالث‏,‏ يقدم نفسه ضحية جديدة فداء للجميع في البيت الأبيض‏,‏ بما فيهم تينيت نفسه‏,‏ هو ستيفن هادلي ـ نائب مستشارة الأمن القومي كونداليزا رايس ـ الذي قدم في أواخر الشهر الماضي الدليل علي أنه هو ومسئولون آخرين في البيت الأبيض قد نسوا مذكرات أرسلتها الـ‏CIA‏ عندما كانت تتم كتابة خطاب بوش في حالة الاتحاد‏,‏ ذلك الخطاب الذي وجهه بوش للشعب الأمريكي في‏7‏ أكتوبر الماضي في ولاية كينكنياتي وقال فيه لقد علمت الحكومة البريطانية أن صدام حسين حاول مؤخرا الحصول علي كميات كبيرة من اليورانيوم من إفريقيا‏,‏ وببساطة شديدة‏,‏ وبعد أن قتل الآلا ف من الأبرياء العراقيين‏,‏ أتي هادلي ليقدم اعتذاره لبوش لمسئوليته عن وضع معلومات استخباراتية غير دقيقة في أبرز نقاط خطابه‏.‏
سيناتور فلوريدا‏,‏ بوب جراهام‏,‏ المرشح الديمقراطي للرئاسة الأمريكية‏,‏ قال إن هذا الاعتراف لا يعفي بوش ولا إدارته من المسئولية ولكنه يطرح من جديد تساؤلا ملحا وهو من في البيت الأبيض فعلا قد تورط في تغطية الحقائق وصناعة قضية كاذبة‏,‏ دفعت الرئيس لأن يخبر الشعب الأمريكي بأكاذيب صارخة‏,‏ بحثا عن مبرر للحرب علي العراق‏.‏
والحقيقة أن هادلي حاول أيضا إنقاذ رايس من الاتهامات الموجهة إليها‏,‏ عندما صرح بأنه مع دان بارتليت ـ مدير اتصالات البيت الأبيض ـ اللذين يتحملان المسئولية لأنه هو المسئول عن مراجعة مدي دقة المعلومات الاستخباراتية بما فيها الخطب الرئاسية‏.‏
حسب صحيفة‏usatoday‏ فإن السبب وراء دفع هادلي للاعتراف بالذنب في هذا التوقيت تحديدا الذي تزامن مع نفس يوم مقتل ولدي صدام عدي وقصي‏,‏ كان متعمدا لثقة مسئولي الإدارة من أن دفع هذا الخبر في نفس اليوم الذي اندفع فيه الشعب الأمريكي وشعوب العالم لمتابعة مقتل الولدين الأسطورة‏,‏ حتي يصبح الاعتراف بلا قيمة أو تأثير في نفس الوقت الذي يخرج فيه الرئيس وطاقم الإدارة من دوامة الفضيحة بأطواق نجاة صنعها هذا الاعتراف‏,‏ ومع كل تلك السيناريوهات المتناقضة‏,‏ فإن الأحداث الأخيرة فرضت من جديد العديد من التساؤلات والتحليلات علي الساحة السياسية الأمريكية‏,‏ حول طبيعة العلاقة بين البيت الأبيض والـ‏CIA‏ بل حول طبيعة العلاقة بين أقطاب الإدارة الأمريكية‏,‏ ومجموعة الرجال الذين يحاصرون يوميا مكتب الرئيس‏,‏ فرغم أن تينيت رفع اللوم عن البيت الأبيض الأمر الذي لاقي عرفانا من بوش فأعلن أنه لم يفقد ثقته بتينيت أبدا إلا أن هذه الأزمة كشفت عن انعدام التكامل والتنسيق بين وكالتي المخابرات والبيت الأبيض‏,‏ كما أنها أضفت مناخا من التآمر والتلاعب‏,‏ فعلي المستوي السطحي‏,‏ رأي الكثيرون أن ما حدث خلال تلك الأزمة كان محاولة من الـ‏CIA‏ للإيقاع بالرئيس بوش‏,‏ بإدراج هذه الكذبة شديدة الحساسية في خطابه مما يفقده الصلاحية والمصداقية‏,‏ أما علي المستوي العميق‏,‏ بدا أن ما حدث كان محاولة للتلاعب بالـ‏CIA‏ نفسها لتوريطها في مثل هذه الفضيحة خاصة بعد أن أكدت التحقيقات حرص تينيت علي حذف هذه المعلومات من خطاب بوش في أكتوبر‏2002,‏ والاستمرار في الإشارة إلي أن التفسير الأول أم الثاني‏,‏ فإن أيهما لا يعفي الأطراف المتورطة من الخطأ إلا أن السمعة التي ارتبطت بالـ‏CIA‏ منذ انفجارات سبتمبر أضعفت موقفها وأشارت إليها بأصابع الاتهام‏.‏ فالـ‏CIA‏ معروفة بالتنصل الدائم من أخطائها ومحاولة إلقاء اللوم علي غيرها‏.‏ فكما يقول راندي شوجان وهو مستشار سابق في جهاز الأمن القومي‏,‏ فإن الـ‏CIA‏ أثبتت جدارة فائقة في إخفاء الحقائق والخروج من دائرة النقد واللوم في حالة حدوث أية أخطاء أو سوء تقدير فكان يشاع دائما في عالم المخابرات أنه مهما كانت لك من حسنات فإن سيئة واحدة تقترفها ستطمس معالم حسناتك‏,‏ لكن مع الـ‏CIA‏ الحالية تغير ذلك المفهوم‏,‏ فيختفي أي أثر للسيئات والأخطاء‏,‏ ولا يظهر علي السطح سوي النجاح والذي تنسبه الوكالة لنفسها حتي وإن لم يكن لها دور فيه‏.‏
والأمثلة علي ذلك كثيرة‏,‏ فبعد هجمات‏11‏ سبتمبر سارعت الـ‏CIA‏ بإلقاء اللوم علي الـ‏FBI‏ علي أنها هي المسئولة عن حدوث الأعمال الإرهابية التي راح ضحيتها ثلاثة آلاف مواطن أمريكي‏.‏ وفي مارس الماضي وبعد عدة أيام من بداية حرب العراق‏,‏ وحينما بدأ القلق يسود الأوساط السياسية والعسكرية حول صعوبة تقدم القوات الأمريكية في العراق ومع كثرة المعوقات التي تواجهها‏,‏ تناقلت وكالات الأنباء ووسائل الإعلام عدة تصريحات عن مسئولين في الـ‏CIA‏ أن البيت الأبيض تجاهل نصيحة الوكالة بإرسال المزيد من القوات مما كان سيسهل مهمة الجيش الأمريكي في العراق كثيرا‏.‏
ويشدنا ذلك إلي تحليل آخر فرض نفسه علي الساحة بعد أزمة خطاب حالة الاتحاد‏,‏ فإذا نحينا كلا من المستوي السطحي والمستوي العميق جانبا وتحولنا بالنظر إلي المستوي الأعمق والأشمل والذي تتسع أطرافه لتضم بقية أقطاب الإدارة الأمريكية‏,‏ سنجد أن فقدان التنسيق والميل إلي الفردية والاستقلالية هي ظواهر خطيرة تفاقمت في إدارة بوش الابن مما أصبح يهدد استقرارها وصلاحيتها‏.‏
فضعف شخصية بوش وقلة ثقافته وخبرته فتحت المجال أمام أعضاء فرقته بتعويض ما فاتهم فراح كل واحد منهم يحاول بطريقة أو بأخري أن يثبت سيطرته وقدراته القيادية فيكون الرئيس الفعلي ضمنيا‏.‏ وبالطبع فإن هذا الفريق يضم الأقطاب الثلاثة في حكومة بوش وهم ديك تشيني ـ نائب الرئيس ـ ودونالد رامسفيلد ـ وزير الدفاع وكولن باول وزير الخارجية‏.‏ ورغم أن الثلاثة كانوا هم الإرث الذي ورثه بوش الابن عن حكومة أبيه‏.‏ إلا أن ذلك جعل من الصعب علي هؤلاء العمالقة التأقلم مع الوضع الجديد والتعامل مع بوش الصغير علي أنه رئيسهم‏,‏ خاصة أن كل واحد منهم يري أنه الأصلح والأجدر بالرئاسة‏.‏
بمعزل عن الاختلافات الشخصية والتنافر الواضح بين أقطاب الإدارة‏,‏ فكما شرح برنت سكوكروفت‏,‏ مستشار الأمن القومي في عهد بوش الأب في حديث له مع الصحفي فرانسيس فيتزجيرالد‏,‏ فإن هؤلاء الثلاثة بينهم تاريخ من الحقد والكراهية‏,‏ فتشيني المشاكس كان ولايزال مصدرا دائما للإزعاج بتدخلاته ومحاولة فرض آرائه‏,‏ وعلاقته بكولين باول بدأت تتوتر منذ أن كان تشيني وزيرا للدفاع وباول رئيسا للأركان في عهد بوش الأب‏,‏ فتدخل تشيني الواضح في تفاصيل حرب الخليج الثانية دفع باول إلي التصدي له مرارا فكانت علاقة رامسفيلد بتشيني علاقة تشوبها الغيرة والتوجس‏,‏ فرامسفيلد يري أنه صاحب الفضل في وصول تشيني إلي منصب مستشار البيت الأبيض في عهد نيكسون‏.‏ إلا أن تشيني صعد السلم بسرعة وسبق رامسفيلد وأصبح نائبا للرئيس الحالي‏.‏ كذلك فإن غيرة رامسفيلد من باول واضحة‏,‏ خاصة أن خبرة باول العسكرية وماله من تاريخ في حرب فيتنام جعل له شهرة واسعة في المؤسسة العسكرية الأمريكية‏*‏