
|
من إسقاط أسرة بهلوي إلي مقتل الجنرال شيرازي نهاية مجاهدي خلق في زنزانة مريم رجوي في باريس |
 | | مسعود رجوى زعيم مجاهدى خلق وزوجتة مريم رجوى |
تقرير ـ خالد صلاح توقفت السيارة الجيب السوداء في الساحة الرئيسية أمام مبني المخابرات العراقية في ليلة باردة من شتاء العام1999, ليهبط منها علي الفور رجلان في ملابس عسكرية, وفي دقائق كانا قد وصلا إلي بوابة صغيرة لبناية فرعية ملحقة بالمبني حيث كان في انتظارهما ضابط عراقي من صغار المسئولين في هذا الجهاز الأمني المخيف, ولم تمر دقائق حتي عاد الرجلان إلي سيارتهما وفي صحبتهما فتاة معصوبة العينين انطلقا بها إلي مكان مجهول. كانت الفتاة الغامضة هي واحدة من العناصر التي اشتبهت بها جماعة مجاهدي خلق الإيرانية المعارضة, بأنها تعمل لحساب جهاز الاستخبارات الإيراني لجمع المعلومات عن مقاتلي مجاهدي خلق الذين ينطلقون بهجماتهم المسلحة ضد القوات الإيرانية من فوق الأراضي العراقية, هذه الفتاة لم تعش أكثر من خمس ساعات بعد ذلك, وهي المسافة التي قضتها السيارة في رحلتها إلي مقبرة مجهولة في جوف الصحراء في الطريق الواصل بين بغداد والحدود الشرقية العراقية التي تستقر فيها معسكرات تدريب عناصر مجاهدي خلق. هذه الحركة الإيرانية المسلحة لم تتردد في أن تعترف بهذه الجريمة علنا, وأصدرت بيانا عقب يومين من الحادث تؤكد أنها نفذت عملية القتل بحق هذه الفتاة المشتبه بها, بعلم النظام العراقي السابق, علي أن هذه القوة التي تمتعت بها الحركة في العراق, وهذا النفوذ الطاغي الذي مكنها من أن تحول الحدود الشرقية إلي منطقة حرب دائمة ضد قوات الباسدران الحرس الثورة الإيراني, لم تبق منه اليوم سوي أطلال بائدة, ومخاوف كبيرة لكل كادر سياسي أو مسلح من هذه الجماعة سواء داخل العراق أم خارجها. فمنذ زوال النظام العراقي السابق علي أيدي القوات الأمريكية صار مستقبل مجاهدي خلق خاضعا للمصادفة ويرتبط بشكل السيناريو الأخير الذي ستعتمده واشنطن في علاقتها مع النظام الإيراني بقيادة السيد علي خامنئي, ففي حال قررت واشنطن تنفيذ السيناريو العراقي علي الإيرانيين, رغم استبعاد هذا الاحتمال نظريا الآن, فإن ورقة مجاهدي خلق ستساوي وزنها ذهبا في إطار هذه المواجهة المفترضة, أما في حالة ما إذا أرادت واشنطن أن تجعل حربها في العراق آخر المعارك المسلحة في الشرق الأوسط وانحازت إلي المواجهة السياسية والدبلوماسية مع الإيرانيين فإن قيمة هذه الورقة ستتراجع كثيرا في الرهانات الأمريكية. الأمريكيون منذ اللحظة الأولي لسقوط بغداد تعاملوا مع ملف مجاهدي خلق بحذر كبير, فواشنطن لم تنس كيف ناصبها هذا التنظيم العداء الكامل إبان فترة الشاه المخلوع, وكيف شارك بعض عناصر مجاهدي خلق في الهجمات التي تعرضت لها المصالح الأمريكية في العاصمة الإيرانية, كما لم تنس واشنطن أيضا أن مجاهدي خلق كانوا حلفاء لأكثر النظم العربية عداء للولايات المتحدة وهو نظام الرئيس المخلوع صدام حسين, ولم يصدر تقرير للخارجية الأمريكية إلا ووضع مجاهدي خلق علي رأس المنظمات الإرهابية المشبوهة في الشرق الأوسط. رغم هذا العداء التاريخي فإن الولايات المتحدة لم تدخل في مواجهة مباشرة مع مجاهدي خلق علي الأراضي العراقية, كما أن قيادات هذا التنظيم المسلح أدركوا أنه لم تعد أمامهم اختيارات إذ أنهم صاروا فجأة بين فكي الرحي بين عدوين, النظام الإيراني من الشرق والأمريكيين في الغرب, فاختاروا الاستسلام للأمريكيين ووضع كل أسلحتهم ومعداتهم الحربية تحت تصرف الجنرالات الأمريكيين الذين صاروا هم الحكام الجدد للعراق.
|
 | | مضربوا مجهدى خلق عن الطعام فى باريس يفترشون الأرض تضامنا مع مريم رجوى |
تحت قهر الموقف قرر مسعود رجوي قائد مجاهدي خلق أن ينسي التاريخ الماركسي لجماعته والذي ناصب الولايات المتحدة العداء منذ نشأة هذه المجموعة المسلحة في الستينيات من القرن الماضي, ففي هذا التاريخ كانت جماعة مجاهدي خلق هي واحدة من التشكيلات السياسية الإيرانية التي ناصبت الشاه العداء وقاومت قسوة أنظمته القمعية مثل جهاز الأمن الدموي السافاك. وقد استهدفت مجاهدي خلق الكوادر العسكرية الأمريكية التي كانت تتولي العمل مع الجيش الإيراني في زمن التحالف الكبير بين طهران وواشنطن, في الوقت الذي كانت فيه الإدارات الأمريكية المتعاقبة تعتبر الجيش الإيراني هو شرطيها الوفي في الشرق الأوسط لتأديب كل الخارجين عن التعاليم الأمريكية في المنطقة. واستطاعت الجماعة أن تدبر عددا من الاغتيالات لمسئولين عسكريين أمريكيين, كما قامت بمحاولات فاشلة لخطف الطائرات من بينها خطف طائرة خليجية والهبوط بها في مطار بغداد والمطالبة بعودة الإمام الخميني إلي إيران, حيث كان الخميني في ذلك الوقت يمثل مرجعية ثورية لجميع الإيرانيين بصرف النظر عن انتماءاتهم السياسية والعقائدية, وكانت المنظمات السياسية الإيرانية التي عارضت الشاه بما فيها مجاهدي خلق قد أجمعت علي أن يكون الخميني هو رمز هذه الثورة نظرا للإجماع الشعبي الكبير الذي حظي به وسط الجماهير الإيرانية, إلي جانب مكانته الدينية حيث كان يحمل لقب آية الله العظمي وهي أعلي مرتبة دينية في الحوزة الشيعية. وبعد نجاح الثورة لم يدم الوفاق طويلا بين مجاهدي خلق والإمام الإيراني الراحل, فقد بدت نذر الانقلاب علي الديمقراطية, واكتشف المشاركون في المسيرة الثورية أن رجال الدين احتلوا كل المواقع ولم يعد لديهم أي استعداد ليسمحوا لأي صاحب فكر مختلف أن يكون من بينهم, حتي الحسن بني صدر الذي جاء الخميني علي طائرته ليصبح أول رئيس لإيران بعد الإطاحة بأسرة بهلوي, لم يحتمل الخلافات الكبيرة مع رجال الدين في قم, وفر هاربا مرة أخري إلي منفاه الفرنسي بعد أن تكسر حلم الديمقراطية في البلاد. مجاهدي خلق أعلنت الحرب منذ اللحظة الأولي, ولم يدم توقف عملياتها المسلحة طويلا, حيث بدأت في العام1981 في تنفيذ سلسلة من الاغتيالات ضد قيادات الثورة حيث تعرض علي خامنئي القائد الحالي للثورة لعملية اغتيال, مازالت آثارها محفورة علي أحد ذراعيه حتي اليوم, كما تعرض مبني رئاسة الجمهورية لسلسلة تفجيرات خلال اجتماعات لقيادات الثورة ومسئولين حكوميين, ثم وجهت مجاهدي خلق ضربة كبيرة لنظام الثورة حين نجحت في اغتيال رئيس الجمهورية محمد علي رجائي والذي كان قد تولي هذا المنصب بعد هجرة الحسن بني صدر من إيران مجددا. |
 | | أحد الذين ينتمون إلى مجاهدى خلق فى باريس |
وحين اشتدت قبضة الأجهزة الأمنية للثورة ونجحت في حصار الجماعة في الداخل جاءت الحرب العراقية الإيرانية لتوفر لمجاهدي خلق فرصة جديدة للمواجهة, وكانت القوة التي ظهر بها العراق في البداية, والإنهاك الذي كان يعاني منه الجيش الإيراني بعد رحيل الشاه يغري قادة مجاهدي خلق بأنهم علي أبواب السلطة, وأنهم قاب قوسين أو أدني من وراثة الامبراطورية الفارسية التي سادتها الفوضي, ولذلك تحالفت الجماعة مع نظام صدام حسين الذي وفر لقواتها معسكرات كبيرة علي الحدود واستعان بكوادر الجماعة في أعمال تجسسية مختلفة علي النظام الإيراني, كما نشطت الجماعة بصورة كبيرة في أوروبا وبصفة خاصة في فرنسا حيث انعقدت الكثير من المؤتمرات الصحفية للمنظمة, وتحركت جماعات التجنيد السرية لتضم أعضاء جددا من المهاجرين الإيرانيين في أوروبا إلي الحركة أو إلي الكتائب المسلحة التي تعمل من فوق الأراضي العراقية, واعتبر العراق من جانبه أن مجاهدي خلق تمثل ورقة تفاوضية جيدة في مواجهة إيران حتي بعد أن انتهت الحرب بين البلدين, إذ كان الإيرانيون يحتفظون بعدد هائل من العناصر الشيعية الفارة من العراق والتي انتظمت فيما بعد ضمن قوات فيلق بدر الشيعي بقيادة محمد باقر الحكيم, علي أن اللافت رغم ذلك أن علاقات البلدين تطورت في اتجاهات مختلفة سياسيا واقتصاديا بعد الحرب فيما التنظيمان بدر ومجاهدي خلق يعملان بشكل منفصل علي الحدود ويقومان بضربات مسلحة كل في اتجاهه, ونحو أهدافه الخاصة, دون أن تتأثر التطورات السياسية التي مضي البلدان في طريق نموها بصورة كبيرة بعد ذلك. ورغم الدعم الذي كانت تتلقاه مجاهدي خلق, ورغم النفوذ السياسي والإعلامي الذي حظي به زعيم المنظمة مسعود رجوي, وزوجته مريم رجوي في أوروبا وبصفة خاصة في فرنسا, فإن الجماعة لم تقم منذ منتصف التسعينيات بعمل عسكري له قيمة حقيقية من علي الحدود مع العراق وواصلت عمليات الاغتيال التي كانت تفقدها رصيدها الجماهيري في الداخل, كما تستفز ضدها بعض الدول الكبري ومنظمات حقوق الإنسان في الخارج وكانت أبرز العمليات التي قامت بها مجاهدي خلق في الداخل هي عملية اغتيال الجنرال شيرازي رئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية عام1999 وهي العملية التي أصابت الشارع الإيراني بحزن بالغ لكون شيرازي أحد أبطال الحرب مع العراق من وجهة النظر الإيرانية, وقد تسببت هذه العملية في استنفار بالغ ضد الحركة في الشارع الإيراني, كما مهدت للأمن الإيراني للقيام بحركة اعتقالات واسعة لكل المشتبه بهم من الجماعة وإيداعهم في سجن إيفين الشهير ضمن الضربات الوقائية التي اعتمدتها طهران في مواجهة الحركة. اليوم صار المقر العام لجماعة مجاهدي خلق في الفلوجة العراقية تحت سيطرة الأمريكيين, وصار الجنود والمجندات من أعضاء الحركة يستمعون إلي نصائح الجنود الأمريكيين بلا نقاش بعد أن رأوا بأعينهم كيف أنهار الراعي الأول للمنظمة, وهو من هو, بين جنوده وقواته ودعايته وعمقه العربي, فكيف لهم أن يصمدوا بلا دعم أو شرعية أو أنصار, أو حتي قضية عادلة, وما إن سقطت المعسكرات الصغيرة الأخري علي الحدود الواحد تلو الآخر حتي وجهت فرنسا ضربة موجعة للمقر السياسي للمنظمة في باريس لينهار العقل والجسد معا, فالمعسكرات صارت خاضعة للأمريكيين, والقيادات السياسية باتت رهن التحقيق أمام القضاء الفرنسي, ولم تفلح محاولات الاحتجاج بمحاولات الانتحار في شوارع باريس, ولم ينجح هؤلاء الذين أضرموا النيران في أنفسهم أمام أعين العالم في أن يبعدوا شبح الملاحقة القضائية عن مريم رجوي, أو يجبروا السلطات الفرنسية علي أن تتراجع عن موقفها إزاء المقر العام للمنظمة. قد تكون تلك هي نهاية مجاهدي خلق, وقد تكون هذه المنظمة الإرهابية قد وصلت إلي محطتها النهائية دون أن تفعل شيئا سوي القتل والاغتيال بلا نصر واحد, قد يكون ذلك هو المصير الأخير إلا إذا ظهر مستأجر آخر يدفع ويدعم من أجل خدمات إرهابية جديدة في المستقبل, عندها فقط يمكن أن تخرج رجوي من أزمتها في فرنسا ويعاد تقديمها للعالم كمناضلة تاريخية, ويمكن أن تستعيد المعسكرات علي الحدود مع العراق الحياة والنشاط والتدريب والعمليات بسلاح أمريكي, إذا ظهرت الحاجة فإن الذئاب الحبيسة ستنطلق من الحبس* |
|
 |
|
|
 |
|
|