لحب عذاب. الحب مصيبة ودموع وبكاء ووجع قلب.. هكذا يراه البعض. ويراه آخرون حياة وأملا ووجودا يملأ الدنيا زهورا وموسيقي.. بل إنه هو في ذاته الحياة وبغيره لا ناس.. ولا حياة! كان هذا زمان.. زمان أيام ابن الملوح العامري قيس ليلي وجميل بثينة وقيس بن ذريح وقيس بني وكثير عزة وتوبة حبيب ليلي الأخيلية والصمة القشيري حبيب ريا ومالك حبيب ظريفة وعبدالرحمن بن عمار الجشمي المعروف بعبد الرحمن القس حبيب سلامة وذو الرمة حبيب مية والعباس بن الأحنف حبيب فوز وقيس الرقيات وحكايته لوحده حكاية فكل حبيباته كانت أسماؤهن.. رقية!! وهي مصادفة عجيبة في حياة عاشق عجيب. طابور طويل من العشاق الفرسان سواء ركبوا الخيل أو لم يركبوها فليس الحب إلا وترا في معزف عاشق فارس وكما يتكبد الفارس ويتجشم ويعاني في ركوبه.. كذلك يعاني ويكابد المحب في حبه. اكتم ألمك إذن إذا أردت أن تحب.. اكتم ألمك ولا تصرح به وكن رجلا فارسا.. اكتم ألمك ولا تحكه إلا لنفسك وعش به رجلا واحمله وامض به في حياتك ولا تشعرن به أحدا.. أم أنك تريد أن تكون واحدا من عشاق هذا الزمان الصارخين بمناسبة وبغير مناسبة.. الراقصين علي الأعراف بين الرغبة وإزجاء أوقات الفراغ في علاقات سريعة كالتيك أواي؟! تأمل معي مثلا حب قيس بن ذريح للبني لتعرف الفرق بين عشاق الأمس.. واليوم. يقول قيس: لقد عذبتني يا حب لبني. فقع إما بموت أو حياة. لا تهمه الحياة ولا يهمه الموت لكن يهمه أن يقع الحب. أن يكون.. ثم يكون بعده ما يكون! اسمعه أيضا يقول: وكل مصيبات الزمان وجدتها. سوي فرقة الأحباب هينة الخطب. الفراق هو المصيبة الكبري أما ماعداها فلعب عيال!! تصور!! أما كثير عزة فهو شاعر وفارس وعاشق من لون وطراز آخر. يقول ـ لنفسه ربما: ما كنت أدري قبل عزة ما البكا. ولا موجعات القلب حتي تولت. يعني لم يعرف الألم ووجع القلب والدموع إلا عندما غادرته عزة. مسكين!! وتعال معي نستمع إلي أشعر شعراء زمانه أبو الطيب المتنبي يحكي عن حبه فيقول: أبلي الهوي أسفا يوم النوي بدني وفرق الهجر بين الجفن والوسن أو وهو يقول إن عينه إن لم تر محبوبته فهي عمياء: وما انسدت الدنيا علي لضيقها ولكن طرفا لا أراك به.. أعمي. لكن المتنبي- أيضا- قد يري الحب وهما أو ضربا من الخيال, وإلا فما معني قوله: نصيبك في حياتك من حبيب. نصيبك في منامك من خيال! لا. لا. الحب حقيقة وإن كانت حقيقة مروعة.. قاتلة ومدمرة. يعترف المتنبي بهذا. أضبطه في موضع آخر يبكي من لوعة الهجر بعدما فقد الأمل في أي لقاء فيقول: وما صبابة مشتاق علي أمل. من اللقاء كمشتاق بلا أمل. والهجر أقتل أشد قسوة في القتل لي مما أراقبه. أنا الغريق.. فما خوفي من البلل؟! ولله عاشق مثل مالك حبيب ظريفة في مبالغته الظريفة وهو يقول: وما الناس إلا العاشقون ذوو الهوي ولا خير فيمن لا يحب ويعشق! إلي هذه الدرجة يا مالك؟ سامحك الله. معذور أنت والله.. وتأمل في خشوع فارسا فحلا مثل عنترة العبسي الذي لا ينسي محبوبته عبلة وهو يتلقي ضربات السيوف فيقول: ولقد ذكرتك والرماح نواهل تشرب بنهم مني وبيض الهند السيوف الهندية تقطر من دمي فوددت تقبيل السيوف لأنها لمعت كبارق لامع ثغرك المتبسم الله. الله. هكذا هو الحب... أم تريد أن تقضي مع حبك ساعة في كازينو علي شاطيء النيل أو علي مقعد في دار للسينما تفكر- ربما- في أن تقطف في الظلام زهرة من بستان المحبوب وليس علي بالك سطر من تعفف عاشق آخر سبقك إلي موقف كهذا فكيف فعل؟ إنه عبدالرحمن القس أو الناسك الذي همت سلامة محبوبته بتقبيله فتراجع عنها قائلا: حسبك.. أما سمعت قول الله عز وجل: الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين, وأنا والله أكره أن تكون صلة ما بيني وبينك في الدنيا عداوة في يوم القيامة!! يا ألطاف الله.. ألست معي أن الحب كان زمان.. يرحم الله زمان وأيام زمان!