333‏السنة 123-العدد2003اغسطس9‏11جماد ثان 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

الصفحات المشطوبة

أسامة سرايا


تساءل الكثيرون ما الغرض من ظهور التقرير الأمريكي‏,‏ الذي أصدره البيت الأبيض بالاشتراك مع لجنة الاستخبارات في الكونجرس حول أحداث‏11‏ سبتمبر‏2001‏ في نيويورك وواشنطن‏,‏ والمحتوي علي‏900‏ صفحة بها‏28‏ صفحة محذوفة‏,‏ وإذا كنا أكثر تحديدا نقول إنها مشطوبة؟‏!‏
كان المتحدث الأمريكي قد برر هذا الشطب بأنه يمس الأمن القومي لبلاده‏,‏ أما التقارير الصحفية الأمريكية فوصفته بأنه يمثل حماية للمسئولين السعوديين‏,‏ في حين أن هناك أعضاء في الكونجرس قالوا إن حجب هذه الصفحات من التقرير يرجع إلي أنها قد تسبب إحراجا في العلاقات الدولية‏,‏ وكان الأمير سعود الفيصل‏,‏ وزير الخارجية قد ذهب بعيدا إلي واشنطن ليطالب بنشر هذه الصفحات واستعداد بلاده للمكاشفة قائلا إنها لا تخفي شيئا‏,‏ وأن حكومته وأسرته ضد الإرهاب‏,‏ بل إنها متضررة منه‏,‏ وتحاربه منذ سنوات بعيدة قبل أحداث سبتمبر الشهيرة‏.‏
إن التقرير وأسلوب نشره يعتبر سابقة في العلاقات الدبلوماسية والسياسية‏,‏ فهو يفتح بابا للشائعات والأقاويل والكلمات المرسلة‏,‏ ويغلق باب الرد عليها وكشفها‏,‏ فهي لا يمكن الرد عليها‏,‏ لأنها ليست حقيقية أو حتي معلنة‏,‏ في حين أن أحد أعضاء الكونجرس‏,‏ الذي سبق له أن قرأ الصفحات قبل شطبها‏,‏ أكد أن‏95%‏ من المعلومات الواردة في التقرير يمكن نشرها‏.‏
وفي اعتقادي أن عدم نشر الصفحات أخطر من نشرها‏,‏ ويسيء إلي العلاقات السعودية ـ الأمريكية أكثر‏,‏ ولا يظن أحد أن التدخل الحكومي بمنع هذا النشر هو لصالح هذه العلاقات‏,‏ وقد يكون السبب وراء هذا الموقف‏,‏ أمنيا‏,‏ وأن النشر سيكشف القصور الأمريكي في وضع أجهزة الأمن والمخابرات‏,‏ لتقاريرها الأمنية‏.‏
إن أزمة تقرير‏11‏ سبتمبر ستكون أعمق من الأزمة التي بنت عليها الحكومة الأمريكية تقاريرها الخاصة بالحرب علي العراق‏,‏ وقد نكتشف أن التقارير المخابراتية‏,‏ يجري إعدادها في مطبخ معاد للعرب‏,‏ هدفه الرئيسي اصطناع الأزمات حتي لو كان باختلاق المعلومات‏.‏
والصفحات المحذوفة أو المشطوبة من التقرير الأمريكي‏,‏ كما كشف من اطلعوا عليها‏,‏ لم تتهم الحكومة السعودية‏,‏ من قريب أو بعيد‏,‏ بأنها تعاونت أو ساندت الإرهاب‏,‏ ورغم ذلك فإن التقارير الصحفية‏,‏ بعد الشطب‏,‏ وصل بها الشطط إلي حد المطالبة بمحاكمة الدولة السعودية‏,‏ في حين أن هذه الصفحات المحذوفة تناولت مجموعات من رجال الأعمال ورجال الدين‏,‏ الذين قالوا إنهم زودوا منفذي هجمات سبتمبر‏,‏ بالدعم المالي واللوجستي‏,‏ أو تحديدا بعض المواطنين السعوديين‏,‏ ومن بينهم من عمل في الحكومة السعودية‏,‏ مما دعا الأخيرة إلي أن تسمح باستجواب بعض مواطنيها أو موظفيها السابقين بواسطة رجال الأمن الأمريكيين‏,‏ لكشف الحقيقة كاملة‏,‏ فلا أحد ضد الحقيقة‏,‏ لأن الجميع ضد الإرهاب ومناصريه‏.‏
ولم يفهم أحد قرار الرئيس الأمريكي جورج بوش بمنع الصفحات وعدم نشرها علي أنه حماية للصديق السعودي‏,‏ بقدر ما فهم منه‏,‏ أنه يزيد من الشائعات ويفتح النيران علي حليف‏,‏ ليحمي العدالة الأمريكية العرجاء‏.‏
وحتي ينقذ الأمريكيون أنفسهم أمام الرأي العام العربي عليهم إما نشر الصفحات المشطوبة في التقرير والقبول بالتحقيق حولها‏,‏ أو استبعادها نهائيا وتقديم اعتذار علني للسعودية‏,‏ وعلي السعوديين أن يقبلوا به أو يرفضوه‏,‏ ويطالبوا بالتعويضات اللازمة للأضرار التي ألحقها بهم التقرير علي أكثر من صعيد‏,‏ خاصة أن القضيتين‏,‏ اللتين أوردتهما هذه الصفحات‏,‏ أصبحتا معروفتين‏,‏ القضية الأولي خاصة ببعض رجال الدين البارزين في سان دييجو‏,‏ الذين يقول عنهم التقرير إنهم مدوا بعض خاطفي الطائرات بالأموال والمعلومات‏,‏ وقد وافقت الحكومة السعودية للمسئولين الأمريكيين علي سؤال المتهم الرئيسي عمر البيومي‏,‏ الذي يشار إليه علي أنه أحد عناصر المخابرات السعودية‏.‏
أما الثانية فخاصة بما وصف بأنه التمويل غير المحدود للإرهابيين‏,‏ مدللين علي ذلك بقصة المنح المالية المقدمة من زوجة السفير السعودي في واشنطن الأمير بندر بن سلطان‏,‏ تلك المنح التي قيل إنها انتهت إلي جيوب الإرهابيين‏.‏
لكن هذا التقرير ورد الفعل عليه‏,‏ يكشفان عن الأخطاء الجسيمة التي ترتكب من قبل لجان التحقيق‏,‏ ومحاولات البعض تحويل ظاهرة مقيتة ومرفوضة عالميا‏,‏ حتي من شعوبنا العربية والإسلامية إلي ظاهرة أصيلة لدي بعض الشعوب وتحميلها مسئولية نموها وتطورها‏,‏ بل إن الأنكي أن يشار إلي دين بالتحديد‏,‏ وتبدو النتيجة المنطقية هي مسئولية العرب والإسلام عن هذه الظاهرة‏,‏ لأنه تصادف أن مرتكبي جريمة سبتمبر كانوا من تنظيم متطرف‏,‏ يدعي الإسلامية‏,‏ هو تنظيم القاعدة‏,‏ ذلك التنظيم الظاهرة المرفوضة من كل الدول العربية والإسلامية‏,‏ والتي تنظر إليه‏,‏ كجماعة من المتعصبين‏,‏ والمتطرفين‏,‏ وقعوا فريسة للمخابرات الأجنبية‏,‏ خاصة الأمريكية‏,‏ التي استغلتهم في حرب أفغانستان ضد الاتحاد السوفيتي‏.‏
إنه تنظيم كان ولايزال من مخلفات الحرب الباردة‏,‏ ولم يبذل المجتمع الدولي‏,‏ وفي مقدمته الولايات المتحدة بعد انتهاء الحرب الأفغانية ـ السوفيتية جهدا لحل هذه المشكلة‏,‏ وتركت أفغانستان فريسة لأوضاع اقتصادية وسياسية صعبة للغاية‏,‏ أفرزت هذا التنظيم الضار بكل العالم‏,‏ بما فيه العالمان العربي والإسلامي‏.‏
ولعلنا لا ننسي أن الأوضاع الإقليمية التي تعيشها منطقتنا العربية الإسلامية في فلسطين والعراق‏,‏ ومن قبل في الصومال‏,‏ وأفغانستان لا يمكن أن تفرز إلا التطرف والإرهاب وتهديد استقرار النظام العالمي‏.‏
فهل تدرك أمريكا وحلفاؤها أخطاءهم ويعاملون الشعوب بما تستحقه‏,‏ حتي نستطيع أن نستأصل الإرهاب والتطرف من جذوره‏,‏ أم أنها تخلق الأوضاع والجرائم السياسية‏,‏ وتتركها تتفاعل بدون حل‏,‏ ثم تعود وتتهم شعوبنا وحكوماتنا بالجرائم والإرهاب؟
إن أمريكا مسئولة‏,‏ منذ الآن‏,‏ عن التحول الضخم الذي سوف يحدث في فلسطين‏,‏ إذا فشل محمود عباس في الوصول إلي حل وإقامة دولة فلسطينية‏,‏ بعد كل ما قدمه للسلام‏,‏ وسيكون هناك في فلسطين تطرف وإرهاب‏,‏ ومئات من بن لادن والظواهري وكثيرون من خاطفي الطائرات‏,‏ وسوف ينمو مثلهم في العراق‏,‏ إذا لم يحصل شعبه علي الاستقلال والحرية‏,‏ ولعلنا سنري الكثير من النكسات والتطرف إذا استمرت الأوضاع الكارثية والفشل الأمريكي الضخم في العراق‏.‏
هل ينتبه الأمريكيون إلي أنهم صناع الإرهاب والتطرف‏,‏ ويعالجون أخطاءهم أم يستمرون في إلقاء المسئولية علي ضحاياهم؟


للرد على المقال أضغط هنا