
|
قصة قصيرة هكذا هي اليوم
أمنية طلعت |
 | | من أعمال هند عدنان |
شقت كتلة الأوراق طريقها إلي أسفل في خط عمودي.. رغم المسافة القصيرة بين كفها الذي ينشد الأرض وسطحها, إلا أن ارتطام الأوراق بالصلب دوي بعقلها وقلبت الصفحات المتناثرة السطور داخلها رأسا علي عقب.. وقبل أن تمضي في هدوء لم يلحظه من حولها أدارت وجهها نحو زملائها المتداخلة أجسادهم في حركة غير منتظمة وطيبت أناملها خاطر دموعها المنحدرة علي خديها, ثم مضت والخيبة تلاحقها كما اعتادت منذ استنشقت دون ارادتها هواء بلادها. السير علي الأقدام خير وسيلة للمواصلات في هذا البلد.. لكن التخبط بالأجساد المتكدسة في الشوارع كثيرا ما يزعجها. التقطت عيناها كلمات مكتوبة علي يافطة معلقة داخل مستشفي الجلاء تنظيم الأسرة راحة لك ولطفلك.. طفرفت ابتسامة علي وجهها سرعان ما تشرذمت وانتهت. قدم للأمام تلاحقها الأخري في تثاقل لم تتعمده.. وتعجبت كيف مر كل هذا الوقت ولم تبلغ بعد كوبري15 مايو.. نظرت إلي ساعتها فاكتشفت أنه لم يمر سوي خمس دقائق منذ تركت جمع المتجمهرين من أجل الوطن! عندما أتي اللندني حاملا صليبه علي كتفه عابرا القارات ليجمع تبرعات للعراق المنكوبة! داخل حافلته الضخمة التي منحها له أمير عربي يحمل بئر بتروله علي كتفه.. لم يكن أمامهم سوي حمل الخناجر كالعادة, مستغلين الفرصة ليصيحوا بتأوهاتهم المعتقلة داخل صدورهم. شعرت بظهرها يرتمي للوراء وقدمها تخطو بمشقة, بينما تطن عجلات العربات بأذنها, فأدركت أنها وصلت إلي الكوبري.. كانت قسوة الأسفلت والمازوت الجامد يصهران قدميها رغم رحيل الشمس منذ ساعات. لم يكن أمامها بديل, إما السير علي الكوبري أو إلقاء نفسها في النيل.. توقفت ونظرت عبر السياج الحديدي الفاصل بين الأرض المعلقة والهواء السابح فوق الماء.. ثم قرأت الفاتحة لكوبري أبو العلا الذي رحل حاملا معه ذكري حبيبها الذي ضمها إلي صدره عليه وهمس من فوقه أحبك فشهدت قوائم الكوبري وأرضه الخشبية وحشائش النيل وأسماكه عليهما. عربات فاخرة تتعاشق بأخري لم تعد تعرف الفخر.. تزاحمها أجساد فتية, تحمل علي أذرعها تلا من الأوراق, بينما تتسابق أكف الأذرع الأخري في تقليلها بإلقائها داخل العربات ولصقها بأيدي الناس في الشوارع.. ولا مانع من إطلاق الأصوات.. عاش العراق, فلسطين عربية.. قلوبنا مع جنوب لبنان, وربما أخذتهم الجلالة وصرخوا بحقد دفين الجولان لنا وواشنطن إن أمكنا. كان صوته مصبوغا بالحماس كعادتها به منذ كانا بالجامعة لابد من استغلال الحدث جيدا.. وكان الصمت جوابها كعادتها أيضا منذ الجامعة ـ لكنها أجابت هذه المرة وهي مشوبة بسواد فقد حبيبها الأول مريم المجدلية!.. وذلك عندما انطلق ساردا قصة النبي اللندني الذي يدعي جالواي.. الراكب مع قديسي يالغرب حافلة تحمل اسم الطفلة العراقية مريم التي أعدمها الحصار.. بعدها استرسل في حديثه المتعطش دوما للثورة لابد أن نحرك الناس نحو رتق المزق العربية.. يجب أن تستيقظ مصر!. عاودها حماس أيامها الأولي بالجامعة وهي تجلس بينهم.. شفاهها مطبقة, فقط تتلقي التعليمات التي يجب أن تتبعها, لكن شيئا ما يشوب الحماس داخل صدرها تلك المرة.. فها هي تعود لنفس الطريق الذي تتحاشاه منذ زمن, تطاردها ذكري الشعور بالندم عقب كل محاولة للتظاهر.. الندم حيث يفرض سؤال واحد نفسه عليها ما النتيجة؟.. هتاف.. غضب.. شعارات عديمة الجدوي, ثم يعود كل إلي داره.. ننام ونأكل ونرجع لسهراتنا الفلسفية القابعة في برج عال.. ندشن ثرثراتنا بزجاجات البيرة التي تقيأت ما فيها بأجوافنا, فتعاقبها بإلقائها علي الأرض.. تجاور أعقاب السجائر وتتحدد في رسم أصدق لوحة سريالية في صرنا.. نسب النظام ونتطاول علي الإله ولا ننسي في نهاية الليلة أن نبصق علي أمريكا وإسرائيل وسحابات دخان المارلبورو وتظلل رؤوسنا بينما يخفف بعضنا حدة الخمر بالكوكاكولا.. وتنتهي الليالي بالهرولة نحو علب الكبريت التي نقطنها.. تتمدد الأجساد علي الأسرة.. وتداعب الأيدي نساء مسجاة جوارها. مصر الثلاثة أحرف الساكنة اللي مالية الدنيا ضجيج. هكذا كان يردد دائما قول جاهين المهزوم عندما يضيق بها الحال وتشعر بلا جدوي الصياح والتجمعات.. كان يتمتم بتلك الكلمات وكأنه يسبح ويبسمل بادئا يومه, ثم ترتفع أنامله لتطبق شفتيها التي ت لعن فيها أبا الوطن وأبا من زرع عشقه في قلبها ـ يربت علي كتفيها بكفه ويجمع بالآخر أصابعها جاذبا إياها نحو النيل.. يقف مادا ذراعيه عن آخرهما ويدعوها أن تحاكيه وتحتضن الوطن.. تبث همومها إلي النيل الذي حمل آلام أجيال كثيرة مضت جاريا بها نحو البحر ليلقيها, فتذوب مع ملح مياهها. وظل كذلك حتي فقد الحياة بين ذراعيها داخل حرم الجامعة, شق رأسه العاشق واحدة من تلك القنابل المسيلة للدموع, نزفت دماؤه أمام العسكر دون أن يعيروه اهتماما.. وراح راح من أجل الله يلعن أبو الوطن. توقفت قدماها علي بلاط رصيف الكيت كات.. الكل يركض من أجل اختطاف مقعد داخل عربات الميكروباص.. وعلي غير عادتها ظلت واقفة, لا تحاول الركض من أجل اقتناص مساحة خالية بإحدي العربات.. فهي الآن لا تشتهي العودة.. العودة إلي حيث يرقد جسدها علي فراش لا تنتمي إليه ولا تشعر بدفء أغطيته وتآلف فملاءاته مع جلدها.. فراش لم يزره الحبيب مرة ولم توشوشه أنفاسه.. العودة إلي منزل حيث أهل لم يعودوا كذلك.. يشاركونها المكان ولا يدركون نبض قلبها وإشارات عقلها.. العودة إلي بناية ذات عشرة طوابق لا تعلم عن طابقها الذي تسكنه شيء وشارع يتعمد رقلة مسيرها دوما بأحجاره وأرضه المتعرجة. ظلت واقفة كخيال المآتة ينفض البشر من حولها ليستقلوا العربات التي كادت أن تنقطع عن المجيء, لولا تنبهها في آخر لحظة وقفزها داخل عربة استقرت أمامها مباشرة. اقتحم الهواء النافذة بدفقاته المدخنة, مصطدما بوجهها, فمدت يدها تغلق الزجاج.. وقع بصرها علي الأجساد المتحركة في الشارع وهي تضيع سريعا وراء العربة دون أن تبدو لها ملامح محددة. قبل ساعات مضت كانت تركض عبر العربات في شارع رمسيس, تلقي المنشورات داخل السيارات وتوزعها علي المنتظرين داخل محطة الأتوبيس.. يقرأها البعض ويلقيها آخرون غير عابئين بحرف داخلها ويسخر منها الناس أحيانا أو يهتفون من أجلها, حتي تغيب عن أنظارهم فيعودون إلي ثباتهم السابق.. أوراق تتطاير وتهوي مع الهواء الراكد علي الأرض, تطأها الأحذية.. وطفل يرفل في أسماله ينحني علي الأرض يجمع ما كساها من أوراق ملونة ومصقولها ليضمها إلي صدره. إلي حيث تسير يسير ـ ويركض حين تركض, حتي توقفت ونظرت إليه متعجبة, فلم يأبه بنظراتها التي ترشق جسده الضئيل وقال لها أعطني أوراقا كثيرة مما تحملين.. الله يخليكي. الركاب يتناقصون.. كل دقيقة تمر يسقط معها أحدهم أمام مأواه.. والعربة تخلو من تخلو من حولها حتي لم يعد غيرها. نظرات السائق عبر المرآة أعادت صورة الطفل أمامها مرة أخري, وهو يرجوها أن تعطيه ما بيديها من أوراق.. وعندما تساءلت عن السبب أكد لها أن الغلابة كثيرون وما بيديها من أوراق مقواة سيعزلهم عن قسوة بلاط الأرصفة! العربة تنطلق مسرعة علي الطريق.. والظلام يسود كل شيء ويمحو معالمه.. لم يظهر أمامها سوي خيال لزرع يترامي علي جانبي الطريق.. تنبهت إلي أن العرب تجاوزت محطتها الأخيرة بكثير.. وقبل أن تفتح فمها مستففسرة أوقف السائق العربة مترجلا خارجها.. ثم اتجه نحوها وعيناه تعيدان سرد ما كان يردده الطفل. القاهرة مارس2000 |
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|