358‏السنة 123-العدد2004يناير31‏9 ذى الحجة 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

قصة قصيرة
هكذا هي اليوم
أمنية طلعت

من أعمال هند عدنان
شقت كتلة الأوراق طريقها إلي أسفل في خط عمودي‏..‏ رغم المسافة القصيرة بين كفها الذي ينشد الأرض وسطحها‏,‏ إلا أن ارتطام الأوراق بالصلب دوي بعقلها وقلبت الصفحات المتناثرة السطور داخلها رأسا علي عقب‏..‏ وقبل أن تمضي في هدوء لم يلحظه من حولها أدارت وجهها نحو زملائها المتداخلة أجسادهم في حركة غير منتظمة وطيبت أناملها خاطر دموعها المنحدرة علي خديها‏,‏ ثم مضت والخيبة تلاحقها كما اعتادت منذ استنشقت دون ارادتها هواء بلادها‏.‏
السير علي الأقدام خير وسيلة للمواصلات في هذا البلد‏..‏ لكن التخبط بالأجساد المتكدسة في الشوارع كثيرا ما يزعجها‏.‏
التقطت عيناها كلمات مكتوبة علي يافطة معلقة داخل مستشفي الجلاء تنظيم الأسرة راحة لك ولطفلك‏..‏ طفرفت ابتسامة علي وجهها سرعان ما تشرذمت وانتهت‏.‏ قدم للأمام تلاحقها الأخري في تثاقل لم تتعمده‏..‏ وتعجبت كيف مر كل هذا الوقت ولم تبلغ بعد كوبري‏15‏ مايو‏..‏ نظرت إلي ساعتها فاكتشفت أنه لم يمر سوي خمس دقائق منذ تركت جمع المتجمهرين من أجل الوطن‏!‏
عندما أتي اللندني حاملا صليبه علي كتفه عابرا القارات ليجمع تبرعات للعراق المنكوبة‏!‏ داخل حافلته الضخمة التي منحها له أمير عربي يحمل بئر بتروله علي كتفه‏..‏ لم يكن أمامهم سوي حمل الخناجر كالعادة‏,‏ مستغلين الفرصة ليصيحوا بتأوهاتهم المعتقلة داخل صدورهم‏.‏
شعرت بظهرها يرتمي للوراء وقدمها تخطو بمشقة‏,‏ بينما تطن عجلات العربات بأذنها‏,‏ فأدركت أنها وصلت إلي الكوبري‏..‏ كانت قسوة الأسفلت والمازوت الجامد يصهران قدميها رغم رحيل الشمس منذ ساعات‏.‏
لم يكن أمامها بديل‏,‏ إما السير علي الكوبري أو إلقاء نفسها في النيل‏..‏ توقفت ونظرت عبر السياج الحديدي الفاصل بين الأرض المعلقة والهواء السابح فوق الماء‏..‏ ثم قرأت الفاتحة لكوبري أبو العلا الذي رحل حاملا معه ذكري حبيبها الذي ضمها إلي صدره عليه وهمس من فوقه أحبك فشهدت قوائم الكوبري وأرضه الخشبية وحشائش النيل وأسماكه عليهما‏.‏
عربات فاخرة تتعاشق بأخري لم تعد تعرف الفخر‏..‏ تزاحمها أجساد فتية‏,‏ تحمل علي أذرعها تلا من الأوراق‏,‏ بينما تتسابق أكف الأذرع الأخري في تقليلها بإلقائها داخل العربات ولصقها بأيدي الناس في الشوارع‏..‏ ولا مانع من إطلاق الأصوات‏..‏ عاش العراق‏,‏ فلسطين عربية‏..‏ قلوبنا مع جنوب لبنان‏,‏ وربما أخذتهم الجلالة وصرخوا بحقد دفين الجولان لنا وواشنطن إن أمكنا‏.‏ كان صوته مصبوغا بالحماس كعادتها به منذ كانا بالجامعة لابد من استغلال الحدث جيدا‏..‏ وكان الصمت جوابها كعادتها أيضا منذ الجامعة ـ لكنها أجابت هذه المرة وهي مشوبة بسواد فقد حبيبها الأول مريم المجدلية‏!..‏ وذلك عندما انطلق ساردا قصة النبي اللندني الذي يدعي جالواي‏..‏ الراكب مع قديسي يالغرب حافلة تحمل اسم الطفلة العراقية مريم التي أعدمها الحصار‏..‏ بعدها استرسل في حديثه المتعطش دوما للثورة لابد أن نحرك الناس نحو رتق المزق العربية‏..‏ يجب أن تستيقظ مصر‏!.‏
عاودها حماس أيامها الأولي بالجامعة وهي تجلس بينهم‏..‏ شفاهها مطبقة‏,‏ فقط تتلقي التعليمات التي يجب أن تتبعها‏,‏ لكن شيئا ما يشوب الحماس داخل صدرها تلك المرة‏..‏ فها هي تعود لنفس الطريق الذي تتحاشاه منذ زمن‏,‏ تطاردها ذكري الشعور بالندم عقب كل محاولة للتظاهر‏..‏ الندم حيث يفرض سؤال واحد نفسه عليها ما النتيجة؟‏..‏ هتاف‏..‏ غضب‏..‏ شعارات عديمة الجدوي‏,‏ ثم يعود كل إلي داره‏..‏ ننام ونأكل ونرجع لسهراتنا الفلسفية القابعة في برج عال‏..‏ ندشن ثرثراتنا بزجاجات البيرة التي تقيأت ما فيها بأجوافنا‏,‏ فتعاقبها بإلقائها علي الأرض‏..‏ تجاور أعقاب السجائر وتتحدد في رسم أصدق لوحة سريالية في صرنا‏..‏ نسب النظام ونتطاول علي الإله ولا ننسي في نهاية الليلة أن نبصق علي أمريكا وإسرائيل وسحابات دخان المارلبورو وتظلل رؤوسنا بينما يخفف بعضنا حدة الخمر بالكوكاكولا‏..‏ وتنتهي الليالي بالهرولة نحو علب الكبريت التي نقطنها‏..‏ تتمدد الأجساد علي الأسرة‏..‏ وتداعب الأيدي نساء مسجاة جوارها‏.‏
مصر الثلاثة أحرف الساكنة اللي مالية الدنيا ضجيج‏.‏
هكذا كان يردد دائما قول جاهين المهزوم عندما يضيق بها الحال وتشعر بلا جدوي الصياح والتجمعات‏..‏ كان يتمتم بتلك الكلمات وكأنه يسبح ويبسمل بادئا يومه‏,‏ ثم ترتفع أنامله لتطبق شفتيها التي ت لعن فيها أبا الوطن وأبا من زرع عشقه في قلبها ـ يربت علي كتفيها بكفه ويجمع بالآخر أصابعها جاذبا إياها نحو النيل‏..‏ يقف مادا ذراعيه عن آخرهما ويدعوها أن تحاكيه وتحتضن الوطن‏..‏ تبث همومها إلي النيل الذي حمل آلام أجيال كثيرة مضت جاريا بها نحو البحر ليلقيها‏,‏ فتذوب مع ملح مياهها‏.‏ وظل كذلك حتي فقد الحياة بين ذراعيها داخل حرم الجامعة‏,‏ شق رأسه العاشق واحدة من تلك القنابل المسيلة للدموع‏,‏ نزفت دماؤه أمام العسكر دون أن يعيروه اهتماما‏..‏ وراح راح من أجل الله يلعن أبو الوطن‏.‏
توقفت قدماها علي بلاط رصيف الكيت كات‏..‏ الكل يركض من أجل اختطاف مقعد داخل عربات الميكروباص‏..‏ وعلي غير عادتها ظلت واقفة‏,‏ لا تحاول الركض من أجل اقتناص مساحة خالية بإحدي العربات‏..‏ فهي الآن لا تشتهي العودة‏..‏ العودة إلي حيث يرقد جسدها علي فراش لا تنتمي إليه ولا تشعر بدفء أغطيته وتآلف فملاءاته مع جلدها‏..‏ فراش لم يزره الحبيب مرة ولم توشوشه أنفاسه‏..‏ العودة إلي منزل حيث أهل لم يعودوا كذلك‏..‏ يشاركونها المكان ولا يدركون نبض قلبها وإشارات عقلها‏..‏ العودة إلي بناية ذات عشرة طوابق لا تعلم عن طابقها الذي تسكنه شيء وشارع يتعمد رقلة مسيرها دوما بأحجاره وأرضه المتعرجة‏.‏ ظلت واقفة كخيال المآتة ينفض البشر من حولها ليستقلوا العربات التي كادت أن تنقطع عن المجيء‏,‏ لولا تنبهها في آخر لحظة وقفزها داخل عربة استقرت أمامها مباشرة‏.‏
اقتحم الهواء النافذة بدفقاته المدخنة‏,‏ مصطدما بوجهها‏,‏ فمدت يدها تغلق الزجاج‏..‏ وقع بصرها علي الأجساد المتحركة في الشارع وهي تضيع سريعا وراء العربة دون أن تبدو لها ملامح محددة‏.‏
قبل ساعات مضت كانت تركض عبر العربات في شارع رمسيس‏,‏ تلقي المنشورات داخل السيارات وتوزعها علي المنتظرين داخل محطة الأتوبيس‏..‏ يقرأها البعض ويلقيها آخرون غير عابئين بحرف داخلها ويسخر منها الناس أحيانا أو يهتفون من أجلها‏,‏ حتي تغيب عن أنظارهم فيعودون إلي ثباتهم السابق‏..‏ أوراق تتطاير وتهوي مع الهواء الراكد علي الأرض‏,‏ تطأها الأحذية‏..‏ وطفل يرفل في أسماله ينحني علي الأرض يجمع ما كساها من أوراق ملونة ومصقولها ليضمها إلي صدره‏.‏
إلي حيث تسير يسير ـ ويركض حين تركض‏,‏ حتي توقفت ونظرت إليه متعجبة‏,‏ فلم يأبه بنظراتها التي ترشق جسده الضئيل وقال لها أعطني أوراقا كثيرة مما تحملين‏..‏ الله يخليكي‏.‏
الركاب يتناقصون‏..‏ كل دقيقة تمر يسقط معها أحدهم أمام مأواه‏..‏ والعربة تخلو من تخلو من حولها حتي لم يعد غيرها‏.‏ نظرات السائق عبر المرآة أعادت صورة الطفل أمامها مرة أخري‏,‏ وهو يرجوها أن تعطيه ما بيديها من أوراق‏..‏ وعندما تساءلت عن السبب أكد لها أن الغلابة كثيرون وما بيديها من أوراق مقواة سيعزلهم عن قسوة بلاط الأرصفة‏!‏
العربة تنطلق مسرعة علي الطريق‏..‏ والظلام يسود كل شيء ويمحو معالمه‏..‏ لم يظهر أمامها سوي خيال لزرع يترامي علي جانبي الطريق‏..‏ تنبهت إلي أن العرب تجاوزت محطتها الأخيرة بكثير‏..‏ وقبل أن تفتح فمها مستففسرة أوقف السائق العربة مترجلا خارجها‏..‏ ثم اتجه نحوها وعيناه تعيدان سرد ما كان يردده الطفل‏.‏
القاهرة مارس‏2000‏