358‏السنة 123-العدد2004يناير31‏9 ذى الحجة 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

رغم كل محاولات المقاومة بالكتابة

مدن الملح تهزم‏ عبد الرحمن منيف

سيد محمود حسن


أنهي الروائي العربي الكبير عبد الرحمن منيف برحيله الأسبوع الماضي عن سبعين عاما سباق المسافات الطويلة الذي عاشه في المنافي وهو يكتب متحديا كل صنوف القمع العربي ومؤسسات إنتاج الاستبداد‏,‏ وطوال هذه المسيرة الطويلة لم يفكر منيف في كتابة نص سيرة ذاتيه كأنه اعتبر شخوص رواياته مرايا لسيرته التي لم تكتب أبدا لأن المسكوت عنه فيها أكبر بكثير مما يمكن كتابته‏,‏ لذلك آثر دائما أن يكتب سيرته مع المدن التي تنقل فيها وعاشها ابنا لحالة لم تكن فريدة من نوعها في الثقافة العربية‏,‏ فقد حمل الجنسية السعودية لكنه ظل محروما منها في الواقع‏.
فضل منيف أن ألا يشعر فقط بأنه مواطن سعودي بل هو المواطن العربي في رحلة‏'‏ التيه‏'‏ فقد ولد في مدينة عمان الأردنية عام‏1933‏ لوالد سعودي وأم عراقية ثم التحق بكلية الحقوق في بغداد عام‏1952.‏ و خاض فيها غمار النشاط السياسي وبعد توقيع‏'‏ حلف بغداد‏'‏ طرد من العراق التي سماها‏'‏ أرض السواد‏'‏ مع مجموعة من الطلاب العرب وغادرها إلي القاهرة عام‏1955.‏ حيث واصل دراسته في جامعتها حتي عام‏1958‏ إلي يوغوسلافيا حيث تابع الدراسة في جامعة بلجراد‏.‏ أنهي دراسته عام‏1961,‏ وحاز دكتوراه في العلوم الاقتصادية‏,‏ متخصصا في اقتصادات النفط‏.‏ مارس النشاط السياسي الحزبي زمنا ضمن صفوف البعث ثم أنهي علاقته السياسية التنظيمية عام‏1962‏ علي خلفية الانقسام داخل الحزب بسبب تقييم تجربة الوحدة المصرية السورية ثم الانفصال‏,‏ بعدها عمل منيف في الشركة الســورية للنفــط دمشق‏-‏ التي غادرها عام‏1973‏ إلي بيروت حيث عمل في مجلة‏'‏ البلاغ‏'‏ وكان قد بدأ الكتابة الروائية برواية‏'‏ الأشجار واغتيال مرزوق‏'‏ التي تناقش المعادلة الظالمة التي تحول بين رغبة الانسان في أن يكون عاملا ومنتجا وإمكانية تحقيق ذلك حين تنعدم الفرص أو حين تستبعد الكفاءات ويصبح القوي وحده هو من يملي شروطه‏.‏ بعد هذه الرواية التي تؤكد جرح الاغتراب في نفس كاتبها سافر منيف عام‏1975‏ إلي العراق‏,‏ وتولي تحرير مجلة‏'‏ النفط والتنمية‏'‏ وظل هناك حتي العام‏1981.‏ ثم اتجه إلي فرنسا حيث تفرغ نهائيا لكتابة الروايات التي يمكن القول إنها كانت في مجملها وحسب رأيه‏'‏ تتناول جوانب مختلفة في العلاقات بين الإنسان الفرد والمحيط والقوي الحاكمة من خلال الكشف عن تطور المجتمع في ظروف وشروط غير متكافئة‏.‏ وفي عام‏1986‏ عاد منيف إلي دمشق‏,‏ وأقام فيها حتي وفاته ولعل بفضل هذا التجوال تأكد منيف أنه ابن لعروبة منتهكة ومهزومة عليه دائما أن يكتب لانهاضها وتحسين شروط العيش تحت مظلتها تحت وطأة الأحساس بضمير الكاتب الملتزم ابن مرحلة الخمسينيات بكل وهجها القومي الداعي إلي نهضة جديدة تعي شروط اللحظة الراهنة وتسعي إلي مقاومة بؤسها الذي لم يكن إلا بمثابة الابن البار لثقافة القمع والاستبداد ولذلك كرس منيف جل مشروعه الروائي لتعرية هذه الثقافة والكشف عن الياتها ومن الخطأ القول اليوم إن روايات منيف‏-‏ وقد رحل صاحبها‏-‏ كانت تستهدف نظاما عربيا بعينه من انظمتنا العربية لأنها في الواقع وقد تحالفت عليها الأنظمة الرقابية العربية
عبد الرحمن منيف يتسلم جائزة أحسن روائى من وزير الثقافة فاروق حسنى
كلها قد أبدت انحيازا مبكرا لقيمة الإنسان وحقه في الحرية وانحازت له هذا الانحياز الكوني الذي يحررها من أسر الجغرافيا ومن جمود زمنها الذي شهدت عليه ليطلقها حرة في فضاء التاريخ فهي الروايات التي قرأناها مبكرا تحت وطأة الإحساس بقيمة النضال وخطورته ونلجأ إليها اليوم بحثا عن نقطة ضوء في نهاية النفق و نهرب من نبوءاتها المبكرة التي كشفت واقعا كنا نشهد تراجعه و نكره الاعتراف به وعلي الرغم من كون منيف دخل عالم الرواية الرحب من باب السياسة الضيق إلا أنه انحاز مبكرا لفضاء المتخيل الحر وفضل الرهان عليه فلم تأت رواياته انعكاسا فجا للتحولات الاجتماعية والسياسية التي شهدها وشهد عليها وإنما كانت دائما ابنة روح ملحمية هدفها التحرر من الضيق الراهن للوصول بقارئها إلي محطات التأمل والنظر العميق ولهذه الاسباب ربما لم تكن رواياته التي نالت شهرة عربية واسعة مغرقة في أسئلة التجريب غير ملحة عليها وظلت مخلصة لروح كلاسيكية تشبه صاحبها الذي كان يستهدف بكتاباته قارئا يعرف شوقه للحرية حاجته للانعتاق وإذا كان منيف قد بلور في أدبنا العربي ما يطلق عليه اليوم‏'‏ أدب الصحراء‏'‏ عبر خماسيته الشهيرة‏'‏ مدن الملح‏'‏ أو عمله البارز‏'‏ سباق المسافات الطويلة‏'‏ وأخيرا‏'‏ أرض السواد‏'‏ إلا أنه لم يسقط ضحية النزعات الغرائبية السائدة اليوم في هذا الأدب بهدف مغازلة المخيلة الاستشراقية والتواطؤ معها في التكريس لصورة‏'‏ عرب النفط المختلفين‏'‏ كما لم يسع في كتاباته التي كشفت القمع ومنها‏'‏ شرق المتوسط‏,‏ والآن هنا أو شرق المتوسط مرة أخري‏'‏ إلي بطولة تصل به إلي منصات التتويج ومؤسسات التمويل‏,‏ فقط راهن علي قاريء لم يخيب توقعاته ترجم محبته في السعي الدائم وراء مؤلفاته التي تنفد طبعاتها فور الصدور لأنه رأي فيه الكاتب الضمير الذي حذر مبكرا من‏'‏ التيه‏'‏ وكان كما قال الناقد السعودي البارز معجب الزهراني هو أول كاتب يعيد تشكيل الجزء الأهم من ذاكرة الجزيرة العربية الحديث التي تخلخلت بفعل ثروة النفط التي كان يخشي أن تأكل أبناءها وتترك لهم رمالا لا يحسنون التعامل معها مستقبلا‏'‏ فهو الذي كان يقول دائما‏'‏ وفي كل مرة كنت أطالع فيها العدد المتميز الذي أصدرته مجلة فصول النقدية عن الأدب والحرية عام‏1992‏ كنت أوقف فيها أمام شهادته التي يؤكد فيها أن العصر العربي الراهن هو‏'‏ عصر القمع بامتياز‏'‏ وكنت أتأمل دعوته التي أكد فيها قبل اشتعال تصريحات الإصلاح‏'‏ أن الديموقراطية وحدها هي الحل الذي ينقذ حتي الجلادين‏'‏ والآن دعونا نفكر في يقينه الذي يؤكد أن هذا القمع هو جذر المشاكل كلها‏,‏ لأنه سد الطرق أمام البحث والحلول التي يمكن أن تنقذ المجتمع أو تخفف من عذابه‏'‏ وعلينا مجددا العودة إلي عباراته التي قال فيها‏'‏ لقد صنع النفط القمع ووسعه خلال المراحل القادمة فهل يمكن عمل شيء لمحاصرة القمع وتحويل النفط إلي جسر يؤدي إلي المستقبل‏'‏ ألم أقل لكم إنه الكاتب الضمير الذي ترك سؤاله ومضي بعد أن اغتاله القمع العربي والاكتئاب‏*‏
سيرة منيف كاتب المسافات الطويلة

ولد عبد الرحمن منيف في عام‏1933‏ في عمان‏,‏ لأب من نجد وأم عراقية‏.‏ أنهي دراسته الثانوية في العاصمة الأردنية‏,‏ ثم التحق بكلية الحقوق في بغداد عام‏1952.‏ وبعد عامين من انتقاله إلي العراق‏,‏ طرد منيف منها في عام‏1955,‏ مع عدد كبير من الطلاب العرب‏,‏ بعد توقيع حلف بغداد فواصل دراسته في جامعة القاهرة‏.‏
تابع عبد الرحمن منيف دراسته العليا منذ عام‏1958‏ في جامعة بلجراد‏,‏ وحصل منها في عام‏1961‏ علي درجة الدكتوراه في العلوم الاقتصادية‏,‏ وفي اختصاص اقتصاديات النفط‏,‏ وعمل بعدها في مجال النفط بسورية‏.‏
في عام‏1973,‏ انتقل منيف ليقيم في بيروت حيث عمل في الصحافة اللبنانية‏,‏ وبدأ الكتابة الروائية بعمله الشهير الأشجار واغتيال مرزوق‏.‏
في عام‏1975,‏ أقام في العراق‏,‏ وتولي تحرير مجلة‏(‏ النفط والتنمية‏)‏حتي عام‏1981,‏ الذي غادر فيه العراق إلي فرنسا حيث تفرغ للكتابة الروائية‏.‏ وفي عام‏1986,‏ عاد منيف مرة أخري إلي دمشق‏,..‏ حيث توفي‏.‏
صدر لعبد الرحمن منيف عدد من الروايات‏:(‏ الأشجار واغتيال مرزوق‏1973,)(‏ قصة حب مجوسية‏1974),(‏ شرق المتوسط‏1975),(‏ حين تركنا الجسر‏1979),(‏ النهايات‏1977)(‏ سباق المسافات الطويلة‏1979),(‏ عالم بلا خرائط‏)(‏ كتبت بالاشتراك مع جبرا إبراهيم جبرا‏,1982),‏ خماسية‏(‏ مدن الملح‏):(‏ التيه‏)(1984,(‏ الأخدود‏1985),(‏ تقاسيم الليل والنهار‏1989),(‏ المنبت‏1989)‏ بادية الظلمات‏(1989,‏ و‏(‏الآن هنا‏)‏أ و‏(‏ شرق المتوسط مرة أخري‏1991),(‏ لوعة الغياب‏(1989,(‏ أرض السواد‏(1999‏ كما صدرت لمنيف مؤلفات في فن الرواية‏,‏ ومؤلفات أخري في الاقتصاد والسياسة آخرها كتاب تضمن هوامش وتعليقات عما يحدث في العراق وفي الفن التشكيلي حيث أعد كتابين الأول عن الفنان العراقي جبر علوان عنوانه‏'‏ موسيقي الألوان‏'‏ والثاني عن السوري مروان قصاب باشي‏.‏
وحاز علي جائزة سلطان بن علي العويس الثقافية للرواية عام‏1989‏ وعلي جائزة القاهرة للإبداع الروائي التي منحت للمرة الأولي عام‏.1998‏