358‏السنة 123-العدد2004يناير31‏9 ذى الحجة 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

مـذكـرات دونـا كيـشـوتـة

أمنية طلعت

د‏.‏ شيرين أبو النجا


في نهاية العام الماضي صدر عن المجلس الأعلي للثقافة وبالتحديد عن لجنة الكتاب الأول المجموعة القصصية لأمنية طلعت بعنوان مذكرات دونا كيشوتة‏,‏ وبرغم أن المجموعة تنتمي إلي الكتاب الأول بكل ما تشمله هذه اللجنة من معايير ورؤية للعمل الأول‏,‏ إلا أنها تتجاوزها بكثير‏,‏ فهي مجموعة تنم عن رؤية متأنية للحياة وللواقع المصري الذي يطحن الإنسان بشكل عام ويبتلع أية امرأة بشكل خاص‏,‏ وهي مجموعة ذات خصائص فنية مكتملة ولا عجب فقد تدربت أمنية طلعت علي يد الكاتب النوبي الراسخ يحيي مختار الذي كان حريصا علي أن كتابتها لا تخرج إلي النور قبل أن تستوفي كل الشروط‏,‏ ولذلك جاء اسمه كأحد المهدي إليهم المجموعة‏.‏
لابد أن يلفت النظر عنوان المجموعة مذكرات دونا كيشوتة ولنبدأ بالجزء الأول من العنوان وهو‏(‏ مذكرات‏),‏ فالمذكرات اصطلح أخيرا علي النظر إليها كجنس أدبي يعيد سرد وقائع حدثت في الماضي تتم استعادتها في الحاضر فتتحول الذاكرة إلي أداة فنية تعيد الصياغة والتشكيل والتخيل‏,‏ أما دونا كيشوتة فهي الاسم المؤنث ـ الذي صاغته الكاتبة ـ لدون كيشوت‏,‏ البطل الأسباني الشهير الذي ظل يحارب طواحين الهواء بسيفه الخشبي‏.‏ وقد قدم الدكتور سليمان العطار ترجمة رائعة لدون كيشوت التي كتبها سرفانتز وصدرت الترجمة عن المجلس الأعلي للثقافة في المشروع القومي للترجمة‏.‏ عبر تأنيث البطل دون كيشوت تشكل أمنية طلعت بطولة أنثوية ترقي إلي مستوي اللابطولة إذا أخذنا في الاعتبار محاربة دون كيشوت لطواحين الهواء بالسيف الخشبي‏.‏
ولا تتجلي هذه الفكرة فقط في القصة التي عنونت بها المجموعة حيث يلتحم الهم الخاص لامرأة انهارت حياتها الزوجية نفسيا مع الهم العام لامرأة عراقية ضربها زوجها السكندري مما يحول العام إلي خاص في الوقت نفسه هموم نساء هنا وهناك‏,‏ هزائم في الداخل والخارج تفضي بالكاتبة إلي الإقرار اليقيني‏:‏أصبحت حجرتي معبأة بالهزائم لم يكن ينقصني هزيمة صبيحة حتي تكتمل النماذج المتخمة نفسي بها‏,‏ حتي لأنها تحارب أنفاسي العابرة دخولا وخروجا‏(‏ ص‏13).‏
الفارس المؤنث وكاتبة المغامرة
في قصة هكذا هي اليوم تتجلي نفس فكرة البطولة بالسيف الخشبي حيث تتساءل الراوية عن جدوي التظاهر وهو ما يشكل لحظة يأس تواجهها الذات المسلوبة في واقع لا يمكن السيطرة عليه‏.‏ تتواري الأسئلة الداخلية للذات المشوشة مع ضجيج وعشوائية الشارع‏.‏ نسير مع الراوية في شارع الجلاء حتي كوبري مايو ونسمع كل تفاصيل الشارع‏/‏ الوطن الذي يستدعي الهم العام وتستدعي الذاكرة المتحمس الثائر الذي فقد حياته بين ذراعيها داخل حرم الجامعة الذي يقع في هذا الوطن‏.‏ تتداخل الأزمنة‏,‏ الماضي البعيد والماضي القريب والحاضر الآتي ليصنعوا جميعا صورة متداعية لمحاولة إنشاء وطن متجانس بدون ثغرات‏,‏ صورة تعمق إحساس الاغتراب لتصبح هكذا هي اليوم‏.‏
خرجت المجموعة الأولي لأمنية طلعت من عباءة واقع نحياه جميعا‏,‏ لكنها احتفظت أيضا بقدر من الخصوصية الأدبية النسوية‏.‏ فهي كتابة تحمل وجهة نظر امرأة‏,‏ وبقدر ما يحمل مصطلح امرأة من إشكاليات والتباسات حيث يختزل كل النساء في امرأة واحدة ـ بمعني أنه يزيل ويتجاهل شتي الاختلافات ـ إلا أنه يبقي دالا‏.‏ فالنساء ـ بالضرورة ـ يعشن تجارب أنطولوجية ومعرفية تختلف عن تجارب الرجال حتي لو توحدا في السياق‏.‏
تكتب أمنية طلعت من وجهة نظرها فتعدل دفة السرد لتسلط الضوء علي الأنا الأنثوية في تفاعلها مع جميع المفردات وهو ما يبعدها عن التعصب الممجوج والمباشرة الخطابية والانفعال الطفولي‏.‏
هكذا قدمت أمنية طلعت صوتا سرديا واعيا لا يتبني رؤية قائمة علي أساس النوع فقط‏,‏ بل أخذت في الاعتبار تقاطع النوع الاجتماعي والطبقة والسياق الثقافي والسياسي والاقتصادي مشكلة بذلك مجموعة من الأسئلة الداخلية التي يفرضها الواقع علي الذات المتفاعلة معه‏.‏ كما لم تتجاهل الكاتبة الارتباط الوثيق بين النسوي والسياسي لتصل في النهاية إلي عدم انفصال الخاص عن العام‏.‏ فالنضال في العام يبقي منقوصا طالما بقيت أزماتنا الشخصية‏,‏ مثل نضال دون كيشوت‏.‏ أما دونا كيشوتة فقد اعترفت من البداية بهزائمها وحاولت أن تحفر مساحة خاصة بها في واقع مشوش يموج بطواحين الهواء‏*‏

هكذا هى اليوم