358‏السنة 123-العدد2004يناير31‏9 ذى الحجة 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

انواع من الديكتاتورية

قرأت العدد‏355‏ من الأهرام العربي بعنوان الديكتاتور‏,‏ وتزاحمت في مخيلتي صور كثيرة من صور الديكتاتورية والاستبداد والقهر غير نموذج الزعيم والقائد الديكتاتور‏.‏
ففي الأسرة قد يمارس الأب القهر والتسلط والديكتاتورية ضد أبنائه وضد زوجته‏,‏ والأم بدورها تفرغ إحساسها بالقهر سوآء من الزوج أم من ظروف الحياة أول ما يكون في أبنائها‏,‏ وحين تسكت الأم طفلها كثير التساؤل عنوة وتقمع فيه حاجته للمعرفة‏,‏ سواء لأن ذلك يزعجها أو لأنها لا تملك إجابات مقنعة له‏,‏ فإنها تمارس صورة بشعة من صور الديكتاتورية والقهر‏,‏ قد يظل الطفل يعاني منه طوال حياته‏,‏ وفي النظام التعليمي يتعرض الفرد للعديد من صور القهر والتسلط والاستبداد سواء من المدرسين أو المناهج أو عندما يدرك في مرحلة متقدمة عبثية العملية برمتها وانفصالها الكامل عن الواقع والحياة العملية‏,‏ حين يمنح شهادة لا تساوي الحبر الذي كتبت به‏,‏ ولا تصلح حتي كورقة تواليت‏,‏ ثم يطلب منه أن يواجه وبنجاح وفاعلية واقعا وعالما تتغير ملامحه بأسرع مما تتغير فصول العام‏.‏
إضافة إلي حصار الفرد بصور أخري من الاستبداد والقهر والتسلط عندما يستمع أو يشاهد‏-‏ أينما ذهب‏-‏ صورا منحطة من صور الغناء أو الرقص أو التمثيل‏,‏ ويترحم علي الماضي الجميل ويخجل من الحاضر المؤلم‏.‏
كذلك حين يستمع الفرد إلي الأكاذيب الفاضحة اللانهائية للمسئولين ليل‏-‏ نهار في وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية‏,‏ أو حين تسوقه الظروف كل حين للتعامل مع الروتين الحكومي القاتل‏,‏ ويتعامل مع أشخاص وظيفتهم ومتعتهم الوحيدة في هذا الكون هي تعطيل وإعاقة مصالح الناس وجعل حياتهم أصعب قدر الإمكان‏,‏ أو عندما يقضي الفرد زهرة شبابه في انتظار مرير وبحث شاق عن عمل‏,‏ قد لا يجده في معظم الأحيان‏,‏ وحين يجده يكتشف أن عليه دوما أن يتعامل مع جهل وغباء وفساد رؤسائه ولا معقولية وعقم ما يقوم به من عمل أصلا‏.‏
ويصل الفرد إلي قمة شعوره بالقهر والانسحاق حينما يدرك أنه لا يستطيع الفكاك أو الهرب من كل صور الديكتاتورية و الاستبداد من حوله إلي أي مكان آخر‏,‏ فدونه وذلك الحلم قيود كثيرة وحدود منيعة‏,‏ فيتحول الفرد لـ سيزيف جديد يشارك سيزيف الأسطورة عذابه الأبدي‏.‏
الديكتاتورية والاستبداد والقهر يا سيدي ليست فقط سمات خاصة ببعض الرموز السياسية هنا أو هناك‏,‏ وإنما هي أيضا وقبل كل شئ يومي واقعي معاش في حياة الشعوب المتخلفة ونحن منها‏.‏
أيمن عبدالعزيز ـ صحفي