
|
لا بيع ولا شراء والخوف سيد الموقف
البكاء علي أطلال المدينــــة الحرة! |
 | |
بورسعيد ــ محمد عبدالخالق تصوير ـ موسي محمود علي هدي المثل القائل إن الكلام إذا كان من فضة, فإن السكوت من ذهب, يسير تجار بورسعيد الآن!! ربما لاقتناعهم بأنه لم تعد هناك فائدة من الكلام!! وربما لاعتقادهم بأن القادم قد يكون أسوأ بكثير من الماضي. أو مبالغة منهم في تجسيد الأزمة وإشاعة الاعتقاد بخراب بيوت أهالي بورسعيد كما يرددون. المشهد كان صادما في الشارع التجاري وسوق الحميدي, فلا سريحة ولا نداءات بياعين, ولا حتي مشترين. أرفف المحلات عامرة بالبضاعة الصيني, والباعة ملوا انتظار الزبون, وبدا الترقب والخوف من المستقبل والبكاء علي أطلال مدينتهم الحرة في عيون الجميع. بصعوبة بالغة كنت ستجد لنفسك موضع قدم في الشارع التجاري أو داخل سوق الحميدي قبل سنوات قليلة, لكننا هذه المرة تجولنا في أكثر أماكن بورسعيد ازدحاما بسيارة الأهرام ذهابا وإيابا, ولم تفلح فطنة الزميل موسي محمود, مصور الأهرام العربي بإخفاءالكاميرا في خداع البورسعيدية. اختفت الأكشاك والباعة الذين كانوا يفترشون الأرض وأصبح هذا المشهد من أطلال الماضي الذي ليس ببعيد, وندرت الزبائن وانشغل أصحاب المحلات التجارية بقراءة الصحف أو سماع الأغاني أ و التجمع في حلقات أمام أحد المحلات وترك الأخري خالية إلا من البضاعة الصيني علي الأرفف. حتي السريحة الذين كانوا يتجولون بالشارع لبيع الأحزمة أو الحقائب أو الجوارب لم يعد لهم الآن محل من الإعراب. باختصار كل ما اعتادت عليه العين وما كانت تطرب أو تنزعج منه الأذن وتتنبه له الحواس التي تتجلي وسط الازدحام بهذا المكان لم يعد له وجود الآن. كل شئ تغير الآن حتي في الأسلوب الجديد للبيع والشراء, ففي السابق لم يكن لدي البورسعيدي وقت للترحيب أو الفصال أو حتي مجرد الحديث مع الزبون القادم إليهم لغرض واحد هو الشراء, فإن لم يشتر فهناك غيره ألف زبون, لكن لم يعد هناك ولا حتي زبون من هؤلاء الألف أو الخمسة أو العشرة آلاف الذين كانوا يرتادون المدينة يوميا للشراء. وبدأت تظهر عبارات لم يكن يعهدها من هم دائمو السفر إلي بورسعيد, ويحرص كل التجار علي التقاط الزبو ن حتي ولو من الشارع, فقد تكون البيعة التي انتصف عليها النهار هي بمثابة الاستفتاح من هذا الزبون الذي هبط علي صاحب المحل من السماء. وعلي الرغم من أن الوقت ليس موسما للشراء, فإن الباعة أكدوا أن هذا هو الحال طوال أيام السنة, وأن البكاء لم يعد يفيد الآن, باختصار مرة أخري كل شئ انتهي وراح.
بضائع صيني حامد الذي يبيع الجوارب والأصواف اكتست أرفف محله بالبضائع الصيني, لكنها لا تجد من يشتريها, فهو كما يقول أوشك اليوم علي الانتهاء ولم يعد يبيع بيعة استفتاح واحدة, فلماذا يأتي أحد من خارج بورسعيد ويتكبد عناء السفر وتكاليفه ويكتوي بنار الجمارك بعد زيادة التعريفة ليشتري من بورسعيد, إذا كان المستورد موجودا الآن في كل مكان. والحال عند عم أحمد الذي قضي سنوات من عمره في بيع الجواكت والبلوفرات النضيفة ليس بأفضل منه عند حامد, فالفرق في الأسعار يقل عن القاهرة كما يقول بحوالي25 جنيها للقطعة, سواء جاكيت أم بلوفر, فلماذا يأتي إليه مشتر من خارج بورسعيد, وكل الهم الشاغل لعم أحمد الآن هو كيفية تسديد الضرائب والإنارة ومصروفات المحل وتأمين مستقبل بناته الثلاث اللاتي أصبحن علي وش جواز؟ ثم يتساءل في مرارة: هيه دي بورسعيد يا ناس؟! ملامح الأزمة كانت أكثر وضوحا علي وجه الشيخ محمود السني أحد أشهر باعة الأحذية المستوردة في الشارع التجاري, فلم يقلب بضاعته زبون واحد طوال اليوم كما يقول, حتي الأحذية المعروضة التي كان ينفض عنها غبار الزمن طوال اليوم, تركها كما هي بادية عليها بصمات أصابع زبون اشتري منه بالأمس بعد طول فصال, وكان ما قاله أكثر بلاغة وأدق تعبيرا عن حال الباعة والتجار في المدينة الحرة, فقد قال: أقول إيه إنت شفت واكتب أنت اللي شفته. هوا لسه فيه كلام. ورغم هذه المرارة التي بدت علي الجميع إلا أن أحد التجار بدا أكثر تفاؤلا من الجميع حين قال بمنتهي الصراحة: عمالين تقولوا بورسعيد بورسعيد, مالها بورسعيد, احنا زي الفل كل المحافظات في أزمة, وكل الناس أفقر من البورسعيدية, فلماذا نحن الذين نشتكي, نحن نستورد ونشتري ونبيع, والزبائن موجودون, وإن كان الوقت ليس موسما للبيع والشراء. والتاجر الذي طلب عدم ذكر اسمه كان يخشي علي نفسه من زملائه بالشارع التجاري, فقال: لو قلت اسمي وكتبت الكلام ده علي لساني, البياعين والعيال الصيع هيضربوني مطواة أو يولعوا في المحل بتاعي. الحاج عزت حنطور, الذي يبيع الملابس والعبايات الحريمي, يبدو أن خوفه مبالغ فيه, لكنه أكد علي حركة السوق والنشاط البيعي بأن أخرج أجندة من درج مكتبه يدون فيها أسماء المشترين ونوع البضاعة وبلوزة أو جيبة أو عباية, فزبائنه من النساء, وهن بالطبع أكثر الزبائن إزعاجا برأيه, فقد تشتري الواحدة منهن عباية, ثم تأتي بعد ساعة راغبة في تغيير اللون أ و المقاس أو حتي الموديل, ففي هذا اليوم باع حوالي40 قطعة ملابس, لكن المشكلة تكمن كما يقول في الطمع والرغبة في المزيد من المكسب وبأقل مجهود. والحاج عزت حنطور بائع ويحمل بطاقة استيرادية أيضا, وفي بداية كل موسم يسافر إلي الصين وفي يده حقيبة ملابس كبيرة بها العديد من الموديلات الإيطالية والفرنسية للاتفاق مع مصانع صينية صغيرة لتقليدها ثم استيرادها وطرحها في أسواق بورسعيد بأسعار أقل, لكن ما هو حال حنطور بعد إلغاء المدينة الحرة ووقف الاستيراد وإلغاء البطاقات الاستيرادية؟ يؤكد الحاج عزت أن المنطقة الصناعية هي الأمل والبديل لأهالي المدينة, فبدلا من الذهاب إلي الصين سيطبق نظرية القريب أولي من الغريب* |
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|