
|
عاطلون.. لدواع أمنية
البمبوطيــة اشتكوا! |
 | |
احنا البمبوطية.. احنا ولاد المية!! قديما كان مطلع تلك الأغنية هو حال أصحاب أقدم مهنة في بورسعيد وشعارهم في الحياة. أما الآن فلسان حال البمبوطي يقول: رايح فين.. قهوة البمبوطية, جاي منين.. من قهوة البمبوطية. وبعد أن كان مقهاهم بمثابة قبلة لكل الباحثين عن بضاعة مستوردة حلوة, أو جزمة نضيفة, أو بنطلون كاوبوي قبل أن تصبح بورسعيد مدينة حرة, أصبحوا في حاجة لمن يذهب هناك ليعطيهم حسنة. ومنذ الهجوم علي المدمرة الأمريكية كول في إحدي الموانئ اليمنية, وهم لا يجدون فرصة للقفز علي ظهر وابور أجنبي يرابط بالميناء أو سفينة تعبر القنال لبيع أوراق البردي ومنتجات خان الخليلي والفواكه المصرية. والسبب في كل الأحوال أنهم ممنوعون من الصعود علي ظهر المراكب لدواع أمنية. كلمة البمبوطي هي إنجليزية الأصل, والتحريف لـ مان بوت أو رجل القارب, وقد عرفت بورسعيد تلك المهنة منذ افتتاح القنال, فكان بعض أبناء المدينة يذهب بحماره إلي الميناء, وفور رؤيته لسفينة ترابط بالميناء يفرغ حمولة الحمار من فاكهة وطعام ومياه ويضعها في قارب كبير ويتوجه به نحو تلك السفينة, وما عليه سوي أن يلقي بحبل طويل لواحد من الركاب وفي نهاية الحبل زمبيل أو خطاف معلق به بعض تلك الأطعمة أو الفاكهة أو الشراب, وينتظر الفرج وفي النهاية يعود له الطرف الآخر من الحبل وبه بعض الهدايا من الملابس أو الأجهزة الكهربائية أو النقود في بعض الأحيان مقابل ما أعطاه لركاب السفينة من بضائع, ثم يعود أدراجه نحو المدينة, فإن كانت أموالا اشتري بها قوتا لعياله و أعانته علي الحياة, وإن كانت بضاعة باعها لأهل بورسعيد أو رواد المدينة. ما سبق ليس مشهدا من فيلم أو مسلسل أو صفحة من صفحات الروايات القديمة, لكنه واقع عاشه أبناء مهنة البمبوطي في بورسعيد وتوارثوها عبر الأجيال. ومثل كل شئ في الحياة تطورت المهنة شيئا فشيئا, فحل التريسكل محل الحمار, واللنش بدلا من القارب, ومنتجات خان الخليلي بدلا من الأغذية والفاكهة والمشروبات, وبدلا من القارب الصغير فقد أصبح اللنش هو سيد الموقف, وهو الذي يقل البمبطوي من الشاطئ حتي مربط السفينة, بميناء بورسعيد, وبدلا من الطواف حول السفن وتبادل الهدايا والنقود, أصبح متاحا للبمبوطية الصعود علي متن السفن الأجنبية لحظة دخولها ميناء بورسعيد, وحتي وصولها إلي السويس, وعبورها القنال. وطوال تلك الرحلة فإن البمبوطي يفرش بضاعته علي ظهر المركب حتي وصوله إلي السويس, وطوال تلك المرحلة يبيع لهم ورق البردي ومنتجات خان الخليلي, وفي بعض الأحيان فاكهة مصرية كالبرتقال والليمون.
تخصصات والبمبوطية الذين هم أحد عمال الموانئ, مثلهم مثل الحمالة أو الفحامة أو الشبشرجية هم أيضا في عملهم تخصصات, فهناك من يتخصص في الصعود علي ظهر المراكب الأمريكية, وآخرون للمراكب الفرنسية, وغيرهم للمراكب الإسبانية والقادمة من دول أمريكا الجنوبية, أو الآسيوية, ولا أحد يتعدي علي تخصصات أحد, ليس عليهم سوي دفع مبلغ عشرة جنيهات شهريا لما يعرف بـ النظارة بميناء بورسعيد من أجل الحصول علي قائمة بالسفن العابرة للقنال صباح كل يوم وجنسية تلك السفن. ومنذ أكثر من10 سنوات وعدد البمبوطية في بورسعيد لايزيد علي600 بمبوطي يحملون تصاريح من هيئة القنال وميناء بورسعيد, فضلا علي تصاريح أمنية من الجهات المختصة, ولا يتم استخراج تصاريح جديدة, ولكن تلك البطاقات و الرخص تورث, فإذا مات بمبوطي انتقلت المهنة إلي أحد أبنائه, وفي بعض الحالات يرثها زوج الإبنة الكبري إن لم يكن للمرحوم ولد.
الكارثة كول ولأن البمبوطية كانوا حتي وقت قريب هم الفئة الأكثر تميزا والمهنة الأكثر نجاحا بين أصحاب المهن الأخري في ميناء بورسعيد, فقد حرص كل هؤلاء علي مهنتهم وتوارثوها عبر الأجيال, إلي أن جاءت الريح بما لا تشتهي السفن, ولا يتمني البمبوطية, فقد مثل الاعتداء علي المدمرة الأمريكية كول في أحد الموانئ اليمنية ليشكل كارثة للبمبوطية في بورسعيد, وبدأت تظهر عبارات قطع الأزراق مثل ممنوع الصعود علي ظهر السفن لدواع أمنية. يسري حندوره, الشهير بـ شارل براون هو البمبوطي الوحيد في بورسعيد المصرح له بالصعود علي الوابور الأمريكاني, أي السفن الأمريكية التي تعبر القنال, وقد ورث هذه المهنة عن والده, والذي أطلق الأمريكان عليه اسم براون, أما هو فقد أسموه شارل, وكان والده يعمل علي تلك السفن الأمريكية منذ عام1947, كما يقول, ويحمل عم يسري شهادات من السفارة الأمريكية والسفن التي صعد علي ظهرها حتي أنهم يعتبرونه سفير مصر علي السفن الأمريكية العابرة للقنال, لكنه يتساءل ما علاقتنا نحن بضرب المدمرة كول في اليمن؟ وإذا كان الأمريكان يسمحون لي بالصعود علي ظهر سفنهم, فلماذا تمنعني الحكومة المصرية والميناء بحجة دواعي أمنية؟ فهل نحن نشكل خطرا علي الأمن؟ وإذا كانت الجهات الأمنية تجدد لنا التصاريح وتتحري عنا أولا بأول, فلماذا يمنعوننا إذن من الصعود علي ظهر المركب؟ وتتجلي مأساة البمبوطية كما يقول إبراهيم عوض في عدم وجود تأمين صحي أو معاش لأي بمبوطي, كل ما في الأمر أن دفاتر وسجلات الجمعيات الأهلية في مصر, تضم بين طياتها جمعية مشهرة برقم106 لسنة1983, وعدد أعضائها لا يزيد علي600 عضو. ويبلغ إبراهيم55 عاما قضي أكثر من نصفها يعمل كبمبوطي. وله الآن من البنات أربع, وتمتلئ جيوبه بالتصاريح الأمنية للصعود علي المراكب, لكنها باتت الآن بلا فائدة- كما يقول- وعلي الرغم من أن تلك التصاريح تجدد سنة بسنة, ويتم سحبها إذا ما ارتكب أي منهم مخالفة أمنية أو تم تدوين اسمه في سجلات أو محاضر البوليس في أي تجاوز, حتي ولو كان كب ميه علي الجيران, إلا أنه يمنع من صعود أي وابور, لدواع أمنية, فقد اعتاد أن يصحو في الصباح ويحمل علي كتفيه كراتين فيها العديد من أوراق البردي ومنتجات خان الخليلي والتماثيل الفرعونية, ويذهب إلي الميناء بحثا عن مركب روسي, فهذا تخصصه, وإن كان الروسي قد أصبح متاحا أمام أي بمبوطي منذ انهيار الاتحاد السوفيتي, وحتي الآن, لكنه لا يجد فرصة للقفز علي ظهر أي وابور روسي أو روماني أو تشيكوسلوفاكي. وفي كل مرة يجد الإجابة علي تساؤله الحائر من قبل المسئولين بالميناء الوابر مانع صعود أي بمبطوي, ويحكي إبراهيم عوض ما حدث له بالأمس كتجسيد لمأساة البمبوطية فيقول: مركب روسي مرابط في البلاج منذ الحادية عشرة والنصف صباحا حتي التاسعة مساء, وكل ذلك من أجل مكسب%5 للهيئة وتوكيل ملاحي خاص, ويمنعوننا من الاسترزاق بحجة دواعي أمنية, ولدينا الآن في الميناء36 رباطا للسفن كلها خالية, رغم أن الوقت الذي ترابط فيه السفن يكفينا للصعود والبيع والشراء, ثم أعود إلي بيتي للغداء ثم العودة إلي الوابور تاني للبيع والشراء والاسترزاق, وما يحدث معي هو حال600 بمبوطي و150 شبشندرية ومهنيين, وأكثر من200 عامل مخلفات سفن, وكل هؤلاء لا يجدون لقمة العيش, وحين نشتكي للمحافظ يحيل شكوانا إلي الجهات المختصة والجهات المختصة تقول إن الوابور مانع لدواع أمنية, فلماذا لا يوفرون لنا البديل إذا كان ما يقولونه صحيحا, نحن سنقبل بأي مهنة حتي ولو كانت بنظافة حمامات الميناء, المهم أن نضمن تأمينا ومعاشا ولقمة عيش وعلاجا.
المكسب للتوكيلات أما عم حسن الشامي الذي أخذت المهنة أكثر من50 عاما من عمره قضاها في الصعود والهبوط من وإلي السفن الأجنبية العابرة للقنال يترحم علي أيام زمان التي كان يصعد فيها علي ظهر الوابور الإنجليزي لبيع الطعام والفاكهة ويعود إلي المدينة بالجزمة النضيفة والبنطلون التنجريه والطاقية الكاوبوي, والتي كان يأتي الزبائن لشرائها من مقهي البمبوطية قبل أن تكون بورسعيد مدينة حرة, لكنه الآن ممنوع من ممارسة عمله لدواعي الأمن, ويقول: نحن لسنا إرهابيين ولا عمر أي بمبوطي خطف واحدة أو سرق أي حاجة من وابور إنجليزي, كل ما في الأمر أنها لعبة مكسب لأصحاب التوكيلات الملاحية الذين هم أصلا ليسوا من بورسعيد, فهؤلاء الغرباء يتولون إمداد المركب بكل ما تحتاجه لحظة عبور القنال وأثناء مرابطتها في ميناء بورسعيد, سواء سولارا أم طعاما أم فواكه, وفي نفس الوقت يصعد المندوب الملاحي بمنتجات خان الخليلي إلي سطح المركب وتكسب الشركة من ذلك حوالي9 آلاف دولار لحساب هذا الغريب عن البلد, أما نحن فكان يكفينا أن يسترزق كل واحد بمائة جنيه, وأحيانا لم نكن نكسب شيئا ولا حتي ثمن ما ندفعه للنش الذي سيقلنا من الشاطئ بقائمة السفن من النظارة وكل واحد يصعد علي مركبه الإنجليزي يصعد علي ظهر السفن الإنجليزية والفرنساوية كذلك, والإيطالية أيضا, فماذا نفعل الآن وما البديل الذي ستوفره لنا المحافظة؟ طالبنا المحافظ بالتدخل ولم نجد حلا, ولم يعد أمامنا سوي مناشدة رئيس الجمهورية لإنقاذنا, فنحن الآن نموت بالبطئ, وجمعية البمبطوية لا توفر لنا علاجا أو تأمينا, وحتي المهنة التي ورثناها أبا عن جد لم نعد نورثها لأبنائنا بعد أن حدث ما حدث, ونحن نطالب المحافظ إما بتوفير وظائف لنا في القنال أو تحويل نسبة من الهيئة, ونولون القنال لصالح جمعية البمبطوية ولو%1 حتي نستطيع مواجهة أعباء الحياة. وإذا كان هذا هو حال البمبطوية, فإن عم فتحي رئيس جمعية البائعين المتجولين السياحية بميناء بورسعيد حاله الآن لعب الكوتشينة علي مقهي البمبوطية, فالرجل المسن يترأس جمعية عدد أعضائها150 بائعا سياحيا متجولا, كلهم يحملون تراخيص سياحية وأمنية تخولهم بالبيع والشراء للأجانب داخل الميناء, وعلي سطح السفن الأجنبية وداخل ميناء بورسعيد, لكن انقلب الحال فالباصات السياحية تكون بانتظار أي مركب تدخل الميناء لنقل الوفود السياحية مباشرة إلي القاهرة ثم يعودون في اليوم التالي إلي السفينة للنوم, وفي الصباح والوابور يحل ويمشي وإحنا واقفين نتفرج, ولا يتركون فرصة للسائح للنزول إلي شوارع بورسعيد التي هي في الأصل مدينة سياحية بها بازارات ومزارات سياحية, فلماذا يمنعوننا رغم عدم وجود أي تجاوز أمني ضد أي سائح أو سفينة أجنبية؟
المصوراتي زعلان وحال طارق عبدالعال مصوراتي البمبوطية أكثر سوءا من باقي أبناء المهنة التي ينتمي إليها, وكان عمل طارق يتركز حول استئجار لنش ثم الدوران به حول السفينة التي تدخل القنال والصعود إليها لالتقاط صور للطاقم والركاب, ثم يعود مسرعا إلي المدينة لطبع تلك الصور علي ورق البردي وعمل براويز ثم يعود مرة أخري إلي السفينة لبيعها لمن يرغب في الشراء, استئجار اللنش في الذهاب والعودة والدوران حول السفينة يكلفه100 جنيه, وقد يكسب أو يخسر إذا لم يشتر أحد من الأجانب ما طبعه من صور وما أعده من براويز, لكنه في كل الأحوال كان سعيدا لأنه باختصار عنده مهنة, لكنه الآن أصبح بلا عمل ولا مهنة ولا مصدر رزق مثله مثل أي بمبوطي يخرج من منزله في الصباح ليجلس علي مقهي البمبوطية يعود للغداء ثم مرة أخري إلي المقهي, وأصبح لسان حال جميع البمبوطية رايح فين قهوة البمبوطية, جاي منين من قهوة البمبوطية* |
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|