358‏السنة 123-العدد2004يناير31‏9 ذى الحجة 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

لماذا يهاجر علماء أوروبا إلي أمريكا‏!‏؟

د‏.‏ عبدالمنعم سعيد


تواردت علي الفكر العربي أفكار كثيرة فيما يخص حالة التفوق والهيمنة الأمريكية في العالم‏,‏ وكانت الفكرة العربية الكلاسيكية هي أن ما حدث للولايات المتحدة ناتج عن عاملين أولهما اتساع المساحة وحصول الأمريكيين علي قارة واسعة وممتدة من محيط إلي محيط وممتلئة حتي آخرها بالثروات الطبيعية التي بات عليهم الاغتراف منها ذهبا ونفطا وفضة‏.‏ وباختصار كانت الفكرة في منطقتنا العربية أشبه بحكايات السندباد الذي ذهب إلي البلاد البعيدة فوجد فيها جزيرة دله عليها عفريت فوجد فيها كنوزا من المجوهرات والمعادن الثمينة ما يسد وجه الشمس‏.‏
وثانيهما كانت النزعة الأمريكية للعنف‏,‏ وببساطة فإن شخصية الكاوبوي سريع الطلقات ضد أعداء بألوان مختلفة من سكان البلاد الأصليين المعروفين بالهنود الأمريكيين والمكسيكيين في الجوار القريب وأصحاب الأرض في كاليفورنيا وتكساس كانت هي مصدر الإلهام العربي لفهم الحالة الأمريكية‏.‏ ولم يكن التمييز العنصري ضد السود والحرب الفيتنامية‏,‏ وصولات وجولات القوات الأمريكية في العالم من الدومنيكان وحتي العراق إلا ترجمة لهذه الصفات العنيفة‏.‏ والحقيقة أن الأمريكيين أنفسهم روجوا بشكل ما لهذا الفهم من خلال أفلامهم السينمائية التي عرضت مدارس مختلفة للعنف من أول أنواع مرعبة من المجرمين تقتل من أجل القتل سلاسل من الناس وحتي عصابات المافيا المنظمة‏.‏
ولكن مجلة التايم الأميركية لفتت نظرنا في عددها الصادر في‏19‏ يناير الجاري إلي بعد آخر حينما جعلت موضوعها للغلاف عن هجرة العلماء الأوروبيين إلي الولايات المتحدة‏.‏ ومن قراءة الموضوع نعرف أن‏400‏ ألف عالم أوروبي من أعلي وأدق التخصصات العلمية قد انتقل للعمل بالجامعات ومعامل البحث العلمي في الولايات المتحدة‏,‏ ونعني بهذا العدد هؤلاء الذين لايزالون يحملون جنسياتهم الأصلية‏,‏ أما هؤلاء الذين تجنسوا بالجنسية الأمريكية بالفعل خلال العقود الأخيرة فمن الصعب حصرهم‏.‏ وهذا الانتقال يقول لنا القصة الأمريكية وأسرارها في التفوق حينما نجحت خلال القرنين الماضيين في اجتذاب أفضل العقول العالمية من أوروبا وغيرها‏,‏ خاصة من اليابان والهند والصين للعمل والعيش في العالم الجديد‏.‏
وقد يظن بعضنا أن هذه الجاذبية راجعة إلي المال الذي يغدقه الأمريكيون علي العلماء‏,‏ وهذا بعد صحيح‏,‏ فالعالم الأمريكي ليس مدرسا في جامعة مهما كانت شهرتها‏,‏ وليس باحثا في معمل مهما كانت إمكانياته‏,‏ ولكنه شخصية عظمي من شخصيات المجتمع التي يمكن أن تصل إلي آفاق عليا في الحصول علي الملايين‏..‏ ففكرة الباحث أو العالم الذي يكرس حياته في صمت وصبر وفقر للبحث العلمي من أجل البشرية لا وجود لها إلا في البدايات الأولي للعمل‏,‏ أما إذا كان العالم حقيقيا ولديه ما يقوله فإنه سوف ينتقل وربما قبل أن يصل إلي الثلاثين من عمره إلي مصاف الأغنياء‏,‏ والأغنياء جدا أيضا‏.‏ وهنا علي وجه التحديد ربما يقبع سر التفوق الأمريكي حيث لا توجد حواجز سنية علي الإطلاق للوصول إلي أعلي مرتب الترقي وأعلي مراتب الغني طالما أن الفرد لديه فكرة واحدة أصيلة لم يسبقه أحد إليها‏.‏ ومازلت أذكر عندما كنت أدرس في الولايات المتحدة أن دهشتي كانت بالغة عندما علمت أن جوردون هاملتون رئيس طاقم البيت الأبيض لإدارة الرئيس كارتر‏,‏ وهو منصب يساوي منصب رئيس الوزراء في الدول البرلمانية‏,‏ كان سنه عندما تولي المنصب‏29‏ سنة‏,‏ ولا أذكر أن أحدا ذكر مرة واحدة صغر سن الرجل للدلالة علي نباهة أو قدرة علي اتخاذ قرارات ناجحة أو فاشلة‏.‏ وباختصار كان المجتمع الأمريكي لا يتعامل مع حكاية السن هذه‏,‏ ويكفي أن الشاب الصغير كان هو الذي أدار حملة انتخابية ناجحة لمرشح يبيع الفول السوداني من ولاية مغمورة لكي يفوز علي أساطين الحزب الديمقراطي والجمهوري‏.‏
قاعدة السن هذه ربما تشكل فارقا بين الولايات المتحدة وبقية الأمم والشعوب‏,‏ وحتي في أوروبا فإن السن ونظم الأقدمية لايزال لهما تأثير ليس فقط في الدفع إلي المناصب العليا في البحث العلمي أو غيره وإنما أيضا في تخصيص الموارد‏,‏ ومازلت أذكر في جلسة جمعتني مع العالم المصري أحمد زويل الحائز علي جائزة نوبل في الكمياء عندما قال إن الميزانية الخاصة لبحوثه تتجاوز‏300‏ مليون دولار‏.‏
وفي أمريكا وحدها يمكن للعالم الفذ أن يحصل علي هذه الإمكانيات وبعد ذلك يرتقي إلي أعلي مراتب الغني والشهرة والمجد ودون قيود بيروقراطية تجعله يقضي أياما للحصول علي كمبيوتر مستعمل كما قال واحد من العلماء الألمان في تحقيق مجلة التايم المشار إليه‏.‏
وليس معني ذلك أن هؤلاء العلماء يتخلون عن أوطانهم بسبب الغني أو المجد‏,‏ وأن المادة هي التي تسيطر في النهاية علي أرواحهم حتي يبيعون أنفسهم في النهاية إلي شيطانها‏,‏ وكل ذلك ليس صحيحا في أحوال كثيرة‏,‏ فمن المعلوم أن كثيرا من العلماء يحاولون العودة إلي أوطانهم وبتضحيات مادية جسيمة‏,‏ ولكن المشكلة هي أن الرجل سرعان ما يكتشف بعد عودته أنه سوف يقضي حياته العملية دون إنجاز لمشروعه العلمي ولذا سرعان ما يعود ثانية إلي واحدة من الجامعات والمعامل الأمريكية‏.‏ وربما كان أخطر ما في فكرة الانضمام إلي الجحافل العلمية الأمريكية هي تكاملها وارتباطها بالشركات الأمريكية التي لا تمول البحث العلمي فقط وإنما تنفق أموالا طائلة في تطبيقاتها التكنولوجية وهذه بدورها تؤدي إلي انقلابات عظمي في العالم الرأسمالي‏.‏ ومن يطالع أسماء الشركات الأوروبية الكبري سوف يجدها ثابتة خلال القرن الأخير ـ سيمنز‏,‏ شل‏,‏ فولكسواجن‏,‏ فليبس‏..‏ ألخ ـ أما في أمريكا فإن ما اعتدنا عليه في اعتبار شركة الصلب الأمريكية كأقوي الاحتكارات العملاقة في الخمسينيات‏,‏ وشركة جنرال موتورز في الستينيات‏,‏ وإكسون في السبعينيات‏,‏ قد صارت مايكروسوفت وإنتل وموتوروللا وأبل مع نهاية القرن العشرين وبداية القرن الجديد‏.‏
وكل ذلك لم يكن ممكنا ما لم تكن هناك ثقافة تقدس التغيير‏,‏ والإبداع‏,‏ والأصغر سنا‏,‏ والأكثر حيوية‏,‏ وفي أوروبا التي أصبحت أكثر وعيا بالفجوة التكنولوجية والعلمية مع الولايات المتحدة فإن التفكير يدور حول كيف سيتم استعادة العلماء الأوروبيين مرة أخري حيث إن أوروبا تحتاج إلي‏700‏ ألف عالم في عام‏2010,‏ ولذا خصصت الهيئة الأوروبية مبلغ‏5,17‏ مليار يورو من أجل البحوث التطبيقية خلال الفترة من‏2002‏ إلي‏2006‏ وكان ذلك هو الجانب السهل من الموضوع‏,‏ أما الأصعب فقد كان كيف يمكن فك أغلال البيروقراطية وإقامة نظام يقوم علي الجدارة‏!‏ وليس معلوما عما إذا كانت أوروبا سوف تنجح في مسعاها أم لا‏.‏ ولكن أوروبا علي أي الأحوال تفكر في الموضوع‏,‏ أما في بلادنا فإن الموضوع ليس مطروحا علي بال أحد‏,‏ وتلك كارثة لا يعلم أحد مدي تأثيرها علي مستقبل بلادنا‏!‏


للرد على المقال أضغط هنا