358‏السنة 123-العدد2004يناير31‏9 ذى الحجة 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

لمــن الـعـزاء

ممدوح عدوان


بالإضافة إلي الحزن والشعور بالفاجعة والخسارة لابد أن يصيبك موت شخص مثل عبد الرحمن منيف بالقلق والإرباك‏.‏
فبمعزل عن العلاقة الشخصية التي يمكن أن تكون قد ربطتك به‏,‏ أنت تعرف تماما أن موته ليس فقط خسارة شخصية لصديق ولا فراغ مقعد لجليس أو نديم‏.‏
فالعلاقة معه لم تكن شخصية أبدا‏.‏ وهناك آلاف ممن سيصدمهم موته وهم لم يروه في حياتهم‏.‏ لقد كانت الرابطة معه من خلال قلمه الذي خط به كتبه‏.‏ والعالم الذي ينقله لقرائه ليس عالمه الشخصي بل هي عوالم كان قد ابتكرها أو تخيلها أو تذكرها لكي يحرك أبطاله فيها‏.‏ وهي عوالم تغني مخيلتنا ومعرفتنا‏.‏
لقد تم دفن عبد الرحمن منيف وأنا في القاهرة‏.‏ وجنازته خرجت من المستشفي في دمشق‏.‏ ولكن هذا لم يشكل لي إحراجا‏.‏ فحتي لو كنت في دمشق ربما لم أكن سأخرج في الجنازة‏.‏ وربما لن أذهب للتعزية به‏.‏
من سأعزي بموته ؟ زوجته ؟ إخوته ؟ أولاده ؟ جيرانه ؟ ليس هذا هو‏'‏ الواجب‏'‏ إلا بالنسبة للناس الشكليين‏.‏ فأنا أعرف عبد الرحمن منيف المبدع‏.‏ وقيمته عندي تنبع من هذا الإبداع‏.‏ وبالتالي فموته أكثر من خسارة شخصية لأهله وذويه وأصدقائه‏.‏ إن موته خسارة للإبداع‏.‏ وهو خسارة لجمهور قرائه وللفاعلين في الحياة الثقافية العربية وربما العالمية ولمن يهتمون بأمرها‏.‏
وهذا يعني أنك لن تحتاج إلي أن تقدم نفسك لأخيه أو لزوجته وأولاده الذين ربما كانوا لا يعرفونك‏.‏ فهذا سيجعل التعزية تصرفا شخصيا‏:‏ العوض بسلامتكم‏,‏ أو رحمه الله‏.‏
وهذا الكلام وما يشبهه لن تحتاج إلي قوله للقراء الذين عرفوه من خلال إبداعه ربما أكثر من أهله وأقربائه‏.‏ وهؤلاء القراء هم الذين يستحقون منك العزاء‏.‏
كيف ستثبت إذن أنك قد فجعت بموت هذا المبدع ؟ وكيف ستظهر شعورك بالفاجعة ؟
ولكن مهلا‏.‏ لمن ستثبت ؟ ولمن ستظهر ؟
هذه ليست تظاهرة ولاء لزعيم سياسي‏.‏ والمخبرون لن يهتموا بالتأكد من حماسك أو ترقب مشاركتك ومراقبتها أو ترصد اهتمامك أو عدمه‏.‏
أنت لست في حاجة إلي إثبات شيء‏.‏ ستثبت لنفسك أولا وفقط‏.‏ وستتعامل مع فاجعتك مثلما يتعامل الذئب الجريح مع جراحه‏.‏ وإذا شئت أن تقدم عزاء حقيقيا بموته فوجه عزاءك إلي الهواء لكي يصل إلي من هم مثلك‏,‏ إلي المفجوعين الذين لا يهمهم أن يشاركوا في‏'‏ المسيرة‏'.‏ وهم الذين سيدفعهم موته إلي البحث عن كتبه التي لم يقرأوها أو العودة إلي كتبه التي كانوا قد قرؤوها‏.‏
فعبد الرحمن منيف ظل سنوات طويلة يعاني من المرض ويواجهه وحيدا مع الأطباء والمستشفيات‏.‏ ولم يكن أحد من المتعاطفين معه يستطيع أن يفعل له شيئا‏.‏ وهو لم يكن يريد إلا مقاومة المرض بجسده وأدويته وإطالة عمره ما أمكنه من أجل العودة إلي طاولة الكتابة لكي يواصل خطابه لأولئك القراء الذين لم يعرفهم معرفة شخصية‏,‏ ولم يعرفوه معرفة شخصية‏.‏
لم الارتباك إذن ؟
لأننا اعتدنا علي التظاهرات‏.‏ إذ كيف تؤكد‏(‏ لمن لا يعنيهم تأكيدك‏)‏ بأنك قد فجعت بموته ؟
لعل الجنازة الكبيرة وحشود العزاء تساهم في اعتزاز الأهل والزوجة والأبناء وتخفف من شعورهم بالفاجعة‏.‏ وهذا أمر عابر ومؤقت‏.‏ وأنت تعرف أن خسارتك بموته خسارة مستمرة ودائمة‏.‏ مثلما تشعر حين تمر بمكان كان فيه نبع ماء عذب ثم نضب‏.‏ وأنت كنت قد اعتدت كلما مررت به أن تقف وتبل ريقك برشفة‏.‏
لقد اعتدنا أن نقول‏:‏ من خلف ما مات‏.‏ نقول هذا ونحن ننظر إلي الأبناء والأحفاد الذين خلفهم وراءه‏.‏ ولكننا في حالة عبد الرحمن منيف سننظر إلي رفوف المكتبة التي تحتوي مؤلفاته لنقول‏:‏ من خلف هذه الكتب لن يموت‏.‏ ولكن ليته استمر في الحياة لكي يستمر في العطاء‏,‏ ولكي تزداد حياتنا غني بإبداعه‏.‏
فنحن بموته نزداد فقرا‏.‏
ليته‏!!‏
ولكن من يسمعنا ؟