بالإضافة إلي الحزن والشعور بالفاجعة والخسارة لابد أن يصيبك موت شخص مثل عبد الرحمن منيف بالقلق والإرباك. فبمعزل عن العلاقة الشخصية التي يمكن أن تكون قد ربطتك به, أنت تعرف تماما أن موته ليس فقط خسارة شخصية لصديق ولا فراغ مقعد لجليس أو نديم. فالعلاقة معه لم تكن شخصية أبدا. وهناك آلاف ممن سيصدمهم موته وهم لم يروه في حياتهم. لقد كانت الرابطة معه من خلال قلمه الذي خط به كتبه. والعالم الذي ينقله لقرائه ليس عالمه الشخصي بل هي عوالم كان قد ابتكرها أو تخيلها أو تذكرها لكي يحرك أبطاله فيها. وهي عوالم تغني مخيلتنا ومعرفتنا. لقد تم دفن عبد الرحمن منيف وأنا في القاهرة. وجنازته خرجت من المستشفي في دمشق. ولكن هذا لم يشكل لي إحراجا. فحتي لو كنت في دمشق ربما لم أكن سأخرج في الجنازة. وربما لن أذهب للتعزية به. من سأعزي بموته ؟ زوجته ؟ إخوته ؟ أولاده ؟ جيرانه ؟ ليس هذا هو' الواجب' إلا بالنسبة للناس الشكليين. فأنا أعرف عبد الرحمن منيف المبدع. وقيمته عندي تنبع من هذا الإبداع. وبالتالي فموته أكثر من خسارة شخصية لأهله وذويه وأصدقائه. إن موته خسارة للإبداع. وهو خسارة لجمهور قرائه وللفاعلين في الحياة الثقافية العربية وربما العالمية ولمن يهتمون بأمرها. وهذا يعني أنك لن تحتاج إلي أن تقدم نفسك لأخيه أو لزوجته وأولاده الذين ربما كانوا لا يعرفونك. فهذا سيجعل التعزية تصرفا شخصيا: العوض بسلامتكم, أو رحمه الله. وهذا الكلام وما يشبهه لن تحتاج إلي قوله للقراء الذين عرفوه من خلال إبداعه ربما أكثر من أهله وأقربائه. وهؤلاء القراء هم الذين يستحقون منك العزاء. كيف ستثبت إذن أنك قد فجعت بموت هذا المبدع ؟ وكيف ستظهر شعورك بالفاجعة ؟ ولكن مهلا. لمن ستثبت ؟ ولمن ستظهر ؟ هذه ليست تظاهرة ولاء لزعيم سياسي. والمخبرون لن يهتموا بالتأكد من حماسك أو ترقب مشاركتك ومراقبتها أو ترصد اهتمامك أو عدمه. أنت لست في حاجة إلي إثبات شيء. ستثبت لنفسك أولا وفقط. وستتعامل مع فاجعتك مثلما يتعامل الذئب الجريح مع جراحه. وإذا شئت أن تقدم عزاء حقيقيا بموته فوجه عزاءك إلي الهواء لكي يصل إلي من هم مثلك, إلي المفجوعين الذين لا يهمهم أن يشاركوا في' المسيرة'. وهم الذين سيدفعهم موته إلي البحث عن كتبه التي لم يقرأوها أو العودة إلي كتبه التي كانوا قد قرؤوها. فعبد الرحمن منيف ظل سنوات طويلة يعاني من المرض ويواجهه وحيدا مع الأطباء والمستشفيات. ولم يكن أحد من المتعاطفين معه يستطيع أن يفعل له شيئا. وهو لم يكن يريد إلا مقاومة المرض بجسده وأدويته وإطالة عمره ما أمكنه من أجل العودة إلي طاولة الكتابة لكي يواصل خطابه لأولئك القراء الذين لم يعرفهم معرفة شخصية, ولم يعرفوه معرفة شخصية. لم الارتباك إذن ؟ لأننا اعتدنا علي التظاهرات. إذ كيف تؤكد( لمن لا يعنيهم تأكيدك) بأنك قد فجعت بموته ؟ لعل الجنازة الكبيرة وحشود العزاء تساهم في اعتزاز الأهل والزوجة والأبناء وتخفف من شعورهم بالفاجعة. وهذا أمر عابر ومؤقت. وأنت تعرف أن خسارتك بموته خسارة مستمرة ودائمة. مثلما تشعر حين تمر بمكان كان فيه نبع ماء عذب ثم نضب. وأنت كنت قد اعتدت كلما مررت به أن تقف وتبل ريقك برشفة. لقد اعتدنا أن نقول: من خلف ما مات. نقول هذا ونحن ننظر إلي الأبناء والأحفاد الذين خلفهم وراءه. ولكننا في حالة عبد الرحمن منيف سننظر إلي رفوف المكتبة التي تحتوي مؤلفاته لنقول: من خلف هذه الكتب لن يموت. ولكن ليته استمر في الحياة لكي يستمر في العطاء, ولكي تزداد حياتنا غني بإبداعه. فنحن بموته نزداد فقرا. ليته!! ولكن من يسمعنا ؟