358‏السنة 123-العدد2004يناير31‏9 ذى الحجة 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

هلت ليالي عدس وبصارة

عاطف حزين


هل يتعامل الدكتور عاطف عبيد ــ مثلنا ــ مع الجزار والبقال والخضري والسماك؟
لو كان يتعامل ــ بالفعل ــ مع هؤلاء فالاحتمال الأكبر أنهم يكرمونه حبتين ويبيعون له بسعر أقل كثيرا من الأسعار التي يبيعون بها لبقية الزبائن‏,‏ وربما يفسر هذا إصرار الدكتور عبيد علي أن الأسعار فل الفل‏,‏ والأسواق تحت السيطرة‏,‏ بالتأكيد عنده حق‏!‏
لا يا دكتور عاطف‏,‏ انتبه أرجوك‏,‏ البلد علي وشك مواجهة كارثة لا يعلم مداها إلا الله‏,‏ ولابد أن تقارير الرأي العام التي ترفع إلي أعلي المستويات تشير إلي أن الأسعار أصبحت ترتفع بصورة يومية‏,‏ كل يوم بسعر أعلي من اليوم الذي سبقه‏,‏ والمسألة ليست في أن كيلو اللحم أصبح يباع بثلاثين جنيها‏,‏ بل في أنه حقق هذه الطفرة خلال أسبوع واحد فقط‏,‏ وكأنه لا توجد حكومة ولا توجد رقابة ولا توجد معايير لضبط الأسعار‏.‏
ما يحدث يا دكتور لا يمكن أن ينتمي إلي قوانين السوق المفتوحة التي تؤمن بها‏,‏ ولا يمكن أن نربطه بالأسعار العالمية التي تتعلل دائما بارتفاعها‏,‏ لأن ما يحدث في مصر فوضي وانفلات يزداد تضخما مع إصرار الحكومة علي عدم الشفافية ودفن رأسها في الرمال‏,‏ هذا الارتفاع المطرد في الأسعار الذي يطال العيش الحاف والجبنة البيضاء طعام الفقراء‏,‏ يجعلنا نحذر من الوضع الكارثي الذي تمر به الأسرة المصرية‏,‏ وهي تحاول أن تحسبها بالورقة والقلم لكي توازن بين دخلها واحتياجاتها‏,‏ وللأسف لا تكتمل العملية الحسابية‏,‏ لأننا لو افترضنا أن متوسط دخل الأسرة المصرية ثلاثمائه جنيه‏(‏ وهذا رقم كبير‏)‏ فمن المستحيل أن يكفي هذا المبلغ عيش وفول وطعمية ومواصلات ودروس ودواء وملابس وإيجار وشاي وقهوة‏,‏ واحسبها معانا يا دكتور من فضلك خاصة لو قررت هذه الأسرة أن تأكل اللحم مرتين فقط في الشهر‏,‏ أنا حسبتها واكتشفت أن الألف جنيه يمكن أن تقوم بهذه المهمة بالعافية‏,‏ لكن المشكلة هي كم عدد المصريين الذين تبلغ دخولهم الشهرية هذا الرقم؟
يا دكتور عاطف‏,‏ هل تتذكر الأيام التي تلت هزيمة‏1967‏ ؟ كنا نأكل بصارة وعدس بجبة وعدس أصفر وعسل وطحينة وفول وطعمية‏,‏ رغم أن كيلو اللحم ـ أيامها ـ لم يكن قد تخطي حاجز المائة قرش‏,‏ فاكر يا دكتور‏,‏ لم نكن نشكو من هذا الطعام‏,‏ ولم نطالب بزيادة المرتبات لأن مصر كانت تستعد لخوض معركة‏,‏ ووجهت كل مواردها للمجهود الحربي‏,‏ كنا نرتدي ملابسنا من صيدناوي وشركة بيع المصنوعات‏,‏المتاجر الشعبية قميص أبيض وبنطلون رمادي وبلوفر كحلي‏.‏
في تلك الأيام كان هناك مبرر يجعلنا نصبر ونصبر ونصبر حتي نسترد الكرامة التي هي بالتأكيد أهم من الأكل والشرب واللبس‏.‏
والسؤال الآن يا دكتور‏:‏ ما المبرر الذي يجعل الناس تعود لأكل بصارة وعسل أسود وطحينة وتكمل عشاها نوم؟ قل لي بربك مبررا واحدا يجعلهم يتمسكون بحبال الصبر علي أمل أن يكون الغد أفضل من اليوم في حين أن الأعمي يري بنفسه أن اليوم الذي يمر لا يعوض أبدا بيوم مثله‏.‏
لن أذكر لك قائمة الأسعار الآن في السوق مقارنة بأسعارها في الأسبوع الماضي لسببين‏,‏ الأول أن صفحات المجلة لن تكفي‏,‏ والثاني لأن الأسعار سترتفع حتما خلال المسافة التي سيقطعها هذا المقال إلي المطبعة‏!‏
نحن لا نريد إصلاحا سياسيا عاجلا‏,‏ لن نسأل عما تم في حوار الأحزاب‏,‏ ولن نتحدث عن ضرورة تعديل الدستور‏,‏ ولن نشغل أنفسنا بما يحدث في العراق وفلسطين‏,‏ ولن نضيع وقتنا في دراسة احتمالات فوز الرئيس بوش بفترة رئاسية ثانية‏,‏ كما لا يهمنا إعلان القذافي عن تخليه عن أسلحة الدمار الشامل‏,‏ ولن نستغرق في مشكلة جنوب السودان‏,‏ نحن نريد شيئا واحدا‏,‏ لا تخف‏..‏ لن أقول زيادة المرتبات بل أهم من ذلك‏:‏ الاطمئنان علي أولادنا وبناتنا‏,‏ كيف سنطعمهم ومن أين؟ كيف سنعلمهم ومن أين؟ كيف نقول لهم إن الغد أكثر إشراقا وملامحنا تنطق بالأسي والخوف عليهم وعلينا وعلي بلدنا‏!‏
لقد فقد المصريون الأمل في أن يأتي الحل علي يديكم‏,‏ فبدأوا يبحثون عنه خارج الحدود‏,‏ كثيرون باعوا كل ما يملكون واشتروا دينارات عراقية أملا في ارتفاعها غدا وبالتالي ستحل جميع مشاكلهم‏,‏ وبعضهم بدأ يفكر في الدينار الليبي والجنيه السوداني علي اعتبار أن مستقبل الدولتين والعملتين أفضل من مستقبل مصر واقتصاد مصر وشعب مصر‏.‏
الحقنا يا دكتور‏..‏ مفيش وقت‏.‏