358‏السنة 123-العدد2004يناير31‏9 ذى الحجة 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

المنظمة العربية لمناهضة التمييز‏:‏
وكل الحرية لأفراس البحر

محمد السعدني


إن قصة الحياة في صراع الخير والشر منذ بدأ الخلق قصة قديمة متجددة‏,‏ حكاية كل يوم‏,‏ لخصتها رسوم ديزني لاند المتحركة في كارتون توم وجيري‏-‏ القط والفأر‏-‏ وتنويعاتها كثيرة‏,‏ وحفلت بها الأساطير والحواديت والآداب الشعبية علي مر العصور‏,‏ وعالجها الكتاب والأدباء والفلاسفة واتخذوها بابا ينفذون من خلاله لوعي المتلقي وأفكاره‏,‏ يزودونه بحكمتها ويسلحونه بأحاجيها وملاعباتها أو يستخدمونها للإسقاط علي واقع الشعوب المقهورة فيسخرون من ظلم الحكام وتجاوزات السلطة ولا معقولية الواقع‏.‏ وحتي يؤدوا مهمتهم في أمن وسلام بعيدا عن ملاحقة السلطات ومساءلتها لهم‏,‏ كان أن وضعوا كلماتهم علي لسان الحيوان والطير كليلة ودمنة‏-‏ لبيدبا الفيلسوف أو الجن والعفاريت‏-‏ ألف ليلة وليلة والشاطر حسن وعلاء الدين والمصباح السحري‏,‏ وسندريلا وهاري بوتر أو حكايات الشطار والعيارين‏-‏ جحا المصري ونوادره وحكاياته أو الفاشوش في حكم قراقوش لطاهر أبوفاشا‏-‏ واستخدموا بلاغة الشعراء ومنادماتهم في الأميرة ذات الهمة وزرقاء اليمامة وملاحم الأوديسة والإلياذة وجلجامش وعشتار وأساطير آلهة الأوليمب اليونانية‏,‏ وحفل أدبنا العربي قديمه وحديثه بأعمال جاذبية صدقي وكامل كيلاني‏,‏ وطاهر أبوفاشا ومحمد محمود شعبان و غيرها آلاف في الآداب واللغات والثقافات العالمية‏.‏ علي أن أحدا لم يخلط بين الجد والهزل في شروط اللعبة ولم يحول سيفها الخشبي إلي صارم بتار إلا الهكسوس والصهاينة‏.‏ فقد استخدموا الرمز للغواية والكلمة مصيدة وقيدوا الموقف الإنساني للابتزاز‏,‏ وخلطوا بين الخاص والعام‏,‏ وعن عمد‏,‏ وزوروا الأحداث والوقائع في صالحهم وضد الآخرين‏,‏ وأشهروا سلاحهم في تهم الهولوكست والعداء للسامية والتمييز العنصري ضد اليهود‏,‏ وحملوا بضاعتهم في التهديد والتخويف والابتزاز فوق رؤوس أصحاب الفكر وأصحاب الرأي من الكتاب والأدباء والمفكرين ليقلموا أظافر الجميع ويقطعوا ألسنتهم ويكسروا أقلامهم‏,‏ تماما كما فعلها الهكسوس من قبل مع أجدادنا الوطنيين في مصر القديمة تحت شعار الموت لأفراس البحر وإليكم القصة‏.‏
كان ذلك قبل الميلاد في عصر الدولة الفرعونية الوسطي‏,‏ وكما هو معروف أن الحضارات كائنات حية تمضي من المهد إلي الفتوة والقوة إلي الكهولة والشيخوخة‏,‏ وهي مثل كل الكائنات كما تعيش في صحة وقوة وعافية‏,‏ فإنها أيضا يعتريها الضعف والمرض والسقام‏.‏ وكان أن ضعفت الدولة المصرية من بعد قوة وتحول حالها من الوفرة إلي الكساد وهبطت سلم الحضارة درجة ودرجات‏,‏ فكان أن طمع فيها الغزاة واجترأ علي قدرها ومكانتها الرعاة‏.‏ وفي ذلك كتب المؤرخ المصري القديم مانيتون‏.‏ لقد نزلت بنا في عهد‏Tutimaeus‏ تحتمس صاعقة من غضب الإله‏,‏ فقد تجرأ قوم من أصل وضيع من الشرق علي غزو بلادنا‏,‏ أحرقوا المدن بوحشية وأزالوا معابد الآلهة من أساسها وقتلوا وسبوا نساء وأطفالا‏,‏ إنهم رعاة الشمال الهكسوس‏,‏ ولقد نجحوا في أن يفصلوا شمال الدولة عن جنوبها‏,‏ وكان ذلك قرابة العام‏1730‏ ق‏.‏م‏-‏ لاحظ أن سياسة التقسيم حلم استعماري قديم‏-‏ وقبل أن يطردهم أحمس الأول حوالي العام‏1580‏ ق‏.‏م‏.‏ وذات ليلة تفتقد البدر تلقي أمير طيبة الشجاع هذه الرسالة‏,‏ مر بأن يهجر فرس البحر بحيرته التي في ينبوع المدينة الجاري لأن أفراس البحر أصواتها تزعجني ولا تسمح للنوم أن يغشاني ليلا أو نهارا من ملك الهكسوس أبوفيس حاكم ولاية الشمال الذي اتخذ من ست إله الشر معبودا له وربا‏.‏ أرسلها من مدينة أواريس تانيس في شمال الدلتا إلي أمير الجنوب سقنن رع في طيبة الأقصر مدعيا أن أصوات فرس البحر في البحيرة تصل إلي مسامعه فتزعجه وتقض مضجعه ذلك رغم أن المسافة بينه طيبة وأواريس تزيد علي خمسمائة ميل‏.‏ حمل الرسالة المكتوبة رسول من أبوفيس وقد حرص علي إبلاغ سقنن رع بأن يتخلص من أفراس البحر إذا ما أراد إرضاء ملك الهكسوس واتقاء شروره‏.‏
هذه القصة وكما أوردها سليم حسن في موسوعة‏(‏ مصر القديمة‏-‏ الجزء الرابع ص‏128)‏ عالجها كثيرون من الشراح لا علي أنها دليل حمق وسوء نية من أبوفيس وتذرع بما لا يعقل إما لابتزاز أمير طيبة أو تهديده وإنما صوروها علي أنه أشار لأفراس البحر رمزا لتلك الأصوات الوطنية في طيبة التي ارتفعت تنادي بمقاومة الهكسوس وطردهم من الشمال‏.‏ فكان أن قبل سقنن رع التحدي وذهب ليعد جيشه ويجهزه للمعركة‏,‏ وكم كانت مكلفة وباهظة الثمن‏.‏ لكننا وكما قال عنا الفلاح الفصيح أخنوم في حكاية من وادي الملح لمحمد مهران السيد‏:‏ نحن شعب قد يعيش طويلا علي الطوي‏,‏ لكنه يأبي أن يبيت علي ظلم‏,‏ ودفع سقنن رع حياته لكرامة مصر وحريتها وخلفه كامس ومن بعده أحمس‏,‏ لترتفع رايات النصر ويطرد غزاة الشرق‏.‏ علي أن رسالة أبوفيس الموت لأفراس البحر لم تطو صفحتها في كتاب التاريخ القديم‏,‏ وإنما أطلت برأسها ورموزها بين حين وآخر في تاريخنا الحديث والمعاصر‏,‏ لكن بمسميات أخري معاداة السامية‏-‏ التمييز العنصري ضد اليهود‏,‏ الهولكوست ابتزازا لضمير العالم ومقدراته وتهديدا لكل من يتجرأ علي كشف حقيقة الصهيونية وجرائمها والممارسات الوحشية لجيش الدفاع الإسرائيلي ولم يسلم منهم أحد إذا ما أطل برأسه مشيرا هنا أو هناك لتجاوزات إسرائيلية لحقوق الإنسان والقانون الدولي وتهديدهم للأمن والسلم العالميين‏,‏ كما جاءت نتيجة الاستفتاء الذي أجرته المفوضية الأوروبية‏.‏ لكن ولسوء طالعهم حاولوا ذلك مع الأهرام في أغسطس‏2002‏ فأقاموا دعوي معاداة السامية والتمييز العنصري أمام المحاكم الفرنسية التي طلبت الأستاذ إبراهيم نافع رئيس الأهرام للمثول أمام قاضي التحقيقات الفرنسي بودوان توفين في‏9‏ أغسطس وتصوروا وكما اعتادوا مع كتاب ومفكري العالم أن إبراهيم نافع ستهتز فرائسه ويذعن للتهديد والابتزاز‏,‏ فيعتذر عن تهم لم يرتكبها ومغالطات تاريخية احتلوا بها عقل العالم ووعيه‏.‏ لكن هيهات وأني لهم ما يريدون‏.‏ لقد استجمع إبراهيم نافع مخزونه الحضاري العميق واستدعي تراثه المصري العربي العريق وصلابة الأهرام وخلود النيل ونضال أجداده سقنن رع وكامس وأحمس وقرر أن يخوض المعركة للنهاية وأن يحاصر الهكسوس ويذيقهم كأسهم‏,‏ فها هي بضاعتهم ردت إليهم وفوقها كال الصاع صاعين‏,‏ وبدلا من التسليم وإيثار السلامة وتكميم أفواه أفراس النهر‏,‏ قرر ومعه رجال مؤهلون أن يعملوا بدلا من أن يقولوا وأن ينتصرو للعقل العربي القادر علي الفعل والمبادرة‏.‏ ومع فجر العام الجديد‏2004‏ فاجؤونا جميعا وفاجؤوا العالم كله بمفهوم أصيل للصمود والتحدي والاستجابة‏,‏ ودشنوا المنظمة العربية لمناهضة التمييز والعنصرية التي حققت علي شبكة الاتصالات الدولية الـ‏Inernet‏ في أسبوعين من عمرها ما أزعج المنظمات الصهيونية وقض مضجعها وما غشي النوم عيونها لنعلن لهم جميعا وبأعلي الصوت مع نافع ورفاقه الرجال‏,‏ الحرية كل الحرية لأفراس البحر‏.‏