358‏السنة 123-العدد2004يناير31‏9 ذى الحجة 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

الحاجة إلي تجديد سياسة الثقافة‏!‏

نبيل عبد الفتاح


هل تحولت الثقافة المصرية إلي مجموعة من الخرائب التي نقف اليوم علي أطلالها‏,‏ وتسيطر الوحشة والخوف والقبح علي مشاهدها‏,‏ وانهياراتها؟
هل الطابع الاستعراضي الذي يسم السياسة الثقافية‏,‏ وأشكالها الأدائية‏,‏ هو المسيطر علي المؤسسة الرسمية والسلطة الناطقة باسمها‏,‏ ومن ثم هو هدف رئيسي لها؟ أم بات الاستعراض تعبيرا عن لحظة تحول في التفكير والإنتاج الإبداعي في حقول فنية عديدة؟ ما الفارق بين الاستعراضات الثقافية الرسمية ووظائفها‏,‏ وبين السمات الاستعراضية للتحول إلي الشرط ما بعد الحديث بتعبير ليوتار؟
هل ثمة انتقال للحالات ما بعد الحديثة وصيروراتها في الحالات الثقافية المصرية؟ نبدأ بالأسئلة الأخيرة مدخلا للإجابة عن السؤال الافتتاحي؟
إن سياسة المؤسسة الثقافية الرسمية‏,‏ والسلطات الناطقة باسمها‏,‏ لاتزال تعيد إنتاج بعض الاختلالات الموروثة والمستجدة‏,‏ والتي تتمثل في عدم تبلور التمايزات الوظيفية‏,‏ بين كل هيئة من هيئات الوزارة‏,‏ أو مؤسساتها‏,‏ وأبرز مظاهر الخلط في بعض الوظائف‏,‏ هو تحول قطاعات الوزارة إلي مجموعة ناشرين‏,‏ وثمة تسابق شديد علي نشر سلاسل أدبية وبحثية وتراثية وفنية وتراجم علي الرغم من أن هذا العمل يدخل ضمن اختصاصات بعض الهيئات‏,‏ ومن ثم يبدو جليا غياب التنسيق‏,‏ والتكامل داخل القطاعات المختلفة‏,‏ الأمر الذي يدفع بعض كبار الموظفين إلي مجال النشر العشوائي‏,‏ وغير المخطط‏.‏ ويرجع ذلك إلي أن النشر أداة لجذب بعض العناصر في الجماعات الثقافية العديدة إلي دائرة المؤسسة الرسمية‏,‏ ولاعيب في هذا؟ ولكن العيب يكمن في أن بعض هؤلاء يحاول وضع بعض الأسماء المعروفة وغير المعروفة من بعض المساعدين ـ كي تكون حائط صد ضد الانتقادات التي توجه لنوعية الكتابات المنشورة ومستواها من حيث الكفاءة الإبداعية أو البحثية أو التحقيقية إذا كان النص المنشور من التراث‏.‏ يبدو أن النشر تحول إلي واجهة العمل الثقافي لقطاعات يفترض أن يتركز دورها علي أنشطة أخري‏,‏ كخلق بؤر ومراكز للعمل الثقافي الجاد خارج القاهرة وتظاهراتها الثقافية والفنية العديدة‏.‏ ما معني أن تتحول الهيئة العامة لقصور الثقافة إلي ناشر كبير ينافس هيئة الكتاب‏,‏ والمجلس الأعلي للثقافة‏,‏ بل بعض القطاعات الأخري‏,‏ كالمسرح‏,‏ النشر بات قناعا يخفي ضعف بعض الأنشطة وواجهة لاستقطاب المثقفين والكتلة الكبيرة من الروائيين والقصاصين والشعراء في أقاليم مصر المختلفة‏,‏ ولا بأس من ذلك‏!‏ لكن في ظل شروط نقدية صارمة‏,‏ الفرص بين الأدباء والنقاد والرسامين والنحاتين يجب أن تكون متساوية‏,‏ لكن بين موهوبين وأكفاء‏,‏ وليس علي معيار المحسوبية أو الانتماء إلي الريف والحضر‏,‏ أن يكون واضحا للكافة النص الإبداعي أو اللوحة أو التمثال هي أساس التقييم لا الانتماء المناطقي‏!‏ من هنا يبدو غريبا ظاهرة النشر المكثف لإسكات بعض الأصوات‏,‏ لأنها تنتمي إلي الأقاليم وذات صوت صاخب‏!!‏ من هنا تبدو استعراضية النشر وتحوله إلي كم كبير مترهل‏,‏ وضاغط علي موارد الوزارة‏,‏ ومنتج لفوضي وعشوائية ما في سياسة المؤسسة الرسمية‏.‏ ثمة جمود وشيخوخة ما في المؤسسة ووجوها أدي إلي ضعف إنتاج الكوادر والقيادات البديلة التي يفترض أن تشغل المواقع القيادية في أجهزة وزارة الثقافة بين أبنائها‏.‏ قيادة العمل الثقافي تحتاج إلي تدريب وخبرات متراكمة‏,‏ واتصالات مع التجارب الثقافية النظيرة عالميا‏.‏
القائد الثقافي لا يشترط أن يكون مبدعا كبيرا‏,‏ وذائع الصيت‏,‏ بل إن بعض وزراء الثقافة الكبار في الغرب لم يكونوا مبدعين كبارا‏,‏ خذ مثلا حالة فرنسا‏,‏ ليس الجميع في مكانة مارلو‏,‏ وجاك لانج أستاذ قانون مرموق‏,‏ وناشط مسرحي‏,‏ وصاحب أهم إنجازات ثقافية في عهد الرئيس ميتران‏.‏ بيد أن مارلو الديجولي‏,‏ ولانج الميتراني‏,‏ كليهما سياسي قبل أن يكون مثقفا كبيرا‏.‏ من هنا تبدو خطورة سياسة قتل الأجنة داخل جهاز الدولة‏,‏ ومن بين أبناء الدولة أو عيال الدولة‏,‏ يبدو أن سياسة الموظفين في أجهزة الدولة عموما‏,‏ ووزارة الثقافة هي الحيلولة دون بروز قيادات وسيطة مدربة ومؤهلة كي تتبوأ مواقع رفيعة داخل الجهاز‏,‏ أو غيره من الأجهزة‏.‏ من هنا نستطيع ملاحظة ضعف عناصر عديدة من موظفي الأجهزة المختلفة لا تمتلك المهارات‏,‏ والابتكارات‏,‏ وملكة إنتاج المبادرات الخلاقة في بعض القطاعات‏.‏ ثمة عناصر داخل الوزارة موهوبة‏,‏ ولديها كفاءة لا تخطئها العين‏,‏ ولكنها تحتاج إلي دعم جاد‏,‏ والسماح لها بالمبادرة والحركة الفعالة في حقول ثقافية مختلفة‏,‏ لا الخضوع لضربات وضغوط العناصر محدودة الكفاءة التي تحيل حياة هؤلاء الجادين إلي جحيم من الوشايات‏,‏ إن نجاح أو فشل أي قيادة سياسية أو إدارية يعتمد علي معايير عديدة‏,‏ من بينها الإنجاز والقدرة علي تحمل المسئولية‏,‏ ومواجهة بؤر الفساد الوظيفي بصرامة وحسم‏,‏ وتقديم العناصر الفاسدة‏,‏ والمخربة إلي سلطات التحقيق كي يستقيم دولاب العمل الوظيفي‏.‏ من هنا يتطلب تفعيل السياسة الثقافية وأجهزتها‏,‏ ضرورة إعادة هيكلة الوظائف المنوطة بأجهزة الوزارة‏,‏ وتحديد وظائف متمايزة ومحددة لكل جهاز من الأجهزة‏.‏ إن نظرة علي المجلات التي تصدرها الوزارة‏,‏ تكشف عن عرضية الصدور وعدم الانتظام‏,‏ والحاجة إلي تطويرها من حيث السياسات التحريرية فضلا عن ضبط مفهوم ووظيفة كل مجلة من المجلات التي تصدر عن الوزارة‏,‏ من ناحية أخري لابد أن تكون هناك سياسات واضحة للنشر والترجمة عن اللغات الحية‏.‏
ما المطلوب أساسا لتجديد الثقافة المصرية في الحقول المعرفية المختلفة‏,‏ هل نحن مع ثقافة الحداثة وما بعدها‏,‏ أم مع السلفيات السائدة‏,‏ مع محاولة تجسير الفجوة بين معارفنا التي انقطعت وتشوشت في الفلسفة والاجتماع والقانون والسياسة و‏.....‏ و‏.....‏ و‏.....,‏ وبين التحولات النظرية والتطبيقية في مجالات العلوم والآداب والفلسفة والقانون‏,‏ و‏...‏ في جميع المجالات‏.‏
ما الكتب‏,‏ والبحوث التي نحتاجها لتطوير مجتمعنا ودولتنا ونظامنا السياسي وصفواتنا الحاكمة والمعارضة والجماعات الثقافية؟
لا يتعين أن يخضع النشر‏,‏ والأداء الثقافي لمنطق الكم ـ علي أهميته ـ ولا ترويج بعض النصوص التي تتسم بالسطحية والتفاهة والجهالة‏,‏ فلدينا في الواقع الإعلامي والثقافي ما يكفي‏!‏
إن الاهتمام بالأرياف والمناطق الهامشية حول المدن‏,‏ يجب أن يكون من أبرز أولويات الحكومة القادمة ـ بإذن الله ـ ووزارة الثقافة أيا كان وزيرها‏,‏ لأن العنف الاجتماعي والرمزي‏,‏ بات يمثل أحد أبرز ملامح المجال الاجتماعي في مصر‏,‏ سواء من خلال التعصب وعدم التسامح‏,‏ وبروز علامات طائفية تحتاج كلها إلي رصد ومواجهة إعلامية والأهم ثقافية‏,‏ عبر تحويل مراكز العمل الثقافي إلي هذه المناطق المعسورة والمنسية‏.‏ يبدو من الأهمية بمكان أن يذهب أوركسترا القاهرة السيمفوني إلي المحافظات‏,‏ ونتمني أن يكون ذلك علي نحو منتظم‏,‏ ولماذا لا يتم خلق أوبرا في أسيوط‏,‏ أو أسوان‏,‏ وذلك من خلال تطوير مسرح أو اثنين‏,‏ إسوة بأوبرا الإسكندرية التي لا شك أنها عمل يستحق التأييد والدعم‏,‏ ودعوة الوزارة لأوركسترا كبري لتشارك في جعلها مع المكتبة بؤرة نشاط ثقافي‏,‏ يعيد للإسكندرية بعضا من ألقها القديم‏,‏ الكوزوموبوليتاني‏.‏


للرد على المقال أضغط هنا