
|
وامرأة أربعينية.. |
 | |
خيري رمضان لم أكن أتخيل أن سن الأربعين يمثل واوة عند الرجال كما هو عند النساء, وأن زملائي الرجال الأربعينيين يحاصرهم ويغزوهم نفس الإحساس الذي غزاني ولكن كبرياء الرجال يمنعهم من البوح والاعتراف. وأعترف بأن كتابتي عن إحساسي المؤلم بسن الأربعين قد جلب لي كثيرا من السعادة بالكلمات الطيبة من الجنسين من عينة أحلي سنوات عمرك, يا بختك بالأربعين, ولا يبان عليك وكأن عندك30 سنة وبصراحة صدقت هذه الكلمات, حتي جاءتني تلك الرسالة الرقيقة الجميلة من زميلتي وصديقتي الصحفية حنان شومان رئيس القسم الفني بجريدة الميدان, لتضيف إلي عمري معني آخر أكثر إشراقا, وهكذا تأتي الحكمة من أفواه النساء, لذلك وإعجابا وتقديرا للرسالة استأذنت حنان في نشرها حتي يعم الخير والأمل في نفوس المسنين أمثالنا وإلي الرسالة: عزيزي: خيري كنت أعرف أن النساء والرجال معا يخافون من مرور سنوات العمر وزيادة الشعر الأبيض التي تبدأ خفيفة ثم تثقل, ورغم ذلك يتباهي الرجال كذبا بالأربعين ففيه يعلنون انتصارهم علي النساء وكلهم يقولون كذبا إن النساء وحدهن تزعجهن زيادة السنوات ولأنك أنت وحدك الذي اعترفت علي الملأ بما يخدعنا به الرجال فإليك نصيحة امرأة وصلت مثلك للأربعين. حين دقت الساعة الثانية عشرة في ليلة31 ديسمبر منذ أربع سنوات وكدت أن ابتسم مهنئة المحيطين بي بقدوم عام جديد, طرقت رأسي عبارة ألجمت عبارات التهنئة في فمي ولم أستطع أن أشاركهم في تهليلهم بذهاب عام وقدوم آخر, فقد راحت العبارة تتقلب في ثنايا عقلي ذات اليمين وذات اليسار حتي كادت أن تفجره.. فخرجت أتنسم هواء باردا ولكني ما شعرت به لأن العبارة بدأت تتردد أصداؤها خارج عقلي وبدأت أسمعها عالية لقد عشت قرنا فأنا من مواليد القرن الذي أصبح ماضيا, القرن العشرون, لقد أصبحت مثل هؤلاء الذين كنت أقرأ عنهم في كتب التاريخ أثناء دراستي أنا مثل مصطفي كامل وسعد زغلول وزوجته صفية, أنا جزء من التاريخ فقد عشت قرنا, ولأني امرأة ككل النساء, ولن أكون كاذبة كالرجال, نحن ترتعد فرائصنا ونلعن المرآة إذا زفت إلينا خبر شعرة بيضاء, ولا نسعد بالسنين بعد الخامسة والعشرين, ولأني نسيت والله نسيت أن أعد سنوات العمر فلم أتوقف لحظة أمام زيادة شمعة في كعكة عيد الميلاد إلا ذلك اليوم وهذه الليلة حين توقفت لأسأل نفسي وماذا بعد؟ ولمحت نجمة في سماء تلك الليلة ذكرتني بأني مازلت بعد فتاة أبي المدللة وابنة أمي الصغيرة والأخت الصغيرة لاخوتي, والصديقة الأثيرة قليلة الحجم لزملاء الدراسة والعمل الذين عرفوني ابنة السادسة عشرة, وأنني مازلت في عيون من عرفوني من القرن الماضي حنونه, وأنني مازلت أملك القدرة علي دهشة السادسة عشرة وفرحة الثامنة عشرة وترقب التاسعة عشرة وانطلاقة العشرين وعنفوان الحادي والعشرين فما المشكلة إذن, ولماذا هذه الحالة من الخوف والقلق التي تنتابني لمرور قرن؟ ولأني أكره الخوف والقلق والهزيمة رحت أفتش عن صيغة لاتفاق بيني وبين الزمن فبرز يوسف بك وهبي هذا الممثل العملاق بقامته الشامخة وصوته الجهوري ليقول عبارته الأثيرة ما الحياة إلا مسرح كبير, في هذه اللحظة عرفت الحقيقة والإجابة وأدركت الصياغة المناسبة فكانت أننا نخاف السنين لأننا نبدأ حياتنا علي مسرح الحياة في دور كومبارس غير ناطق وكلما مرت السنوات أضيفت إلي أدوارنا كلمات ثم أفعال ثم قيمة أكبر تحولنا من كومبارس إلي أبطال نحمل كاهل البطولة المنفردة التي تخيف كل النجوم, أما أنا فقد كنت فعلا بالأمس كومبارسا في سكان بيت أبي ولم أكن إلا مجرد كومبارس متحدث في عملي وقبلها مدرستي ثم جامعتي أما اليوم في القرن الجديد فأنا نجمة في بيتي وأمتلك قدرا من النجومية في عملي فأنا اليوم بطلة وهكذا وجدت بفضل يوسف وهبي صيغة للتعامل مع الزمن, وكانت المتعة الأكبر حين اكتشفت أنني مازلت قادرة علي لعب كل الأدوار فأنا الأستاذة والتلميذة, أنا الابنة والأم, فأنا الكبيرة الصغيرة بعبارة أخري مازال لدي القدرة علي الإبداع وهذا هو سر الحياة ـ سر حياة النجوم وسر أسرار حياة البشر ـ واتخذت قراري فلتمر السنون وليأت قرن آخر أو عمر فوق العمر فمازالت الأدوار تعرض علي والأعباء تزيد وبلغة النجوم يتهافت علي المنتجون إذن أنا مازلت نجمة حتي لو بعد قرن. فماذا عنك؟ حنان شومان شكرا يا حنان ويكفيني ما كتبته عنك, أما عني فيمكن أن أقوله بعد تجرع بعض سنوات الأربعين لأني فاقد حتي الآن لتركيزي من الخضة!
|
|
|
|
 |
|
للرد على المقال أضغط هنا
|
 |
|
|