358‏السنة 123-العدد2004يناير31‏9 ذى الحجة 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

تبادل الأسري والمعتقلين خطوة في الألف ميل
صفقة تلد أخري بين حزب الله و إسرائيل

رفات الجنود الإسرائيليين قتلى غزو لبنان 1982 عادت لأهلم وذويهم

بيروت ـ فتحي محمود


أخيرا وبعد ثلاث سنوات من المفاوضات المكثفة والمتذبذبة بين حزب الله وإسرائيل‏,‏ تمت صفقة تبادل الأسري والمعتقلين‏,‏ نتيجة إصرار الوسيط الألماني علي إتمام الصفقة رغم تشدد الجانبين في مطالبهما‏,‏ والعقبات التي وضعها شارون عدة مرات أمام المفاوضات‏.‏ نجاح الصفقة طرح للنقاش الملفات المفتوحة بين حزب الله وإسرائيل‏,‏ وهل يمكن أن يكون تبادل الأسري بداية لإغلاق هذه الملفات‏,‏ في ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة حاليا؟‏!‏بداية فإن هذه الصفقة نفسها هي جزء من الملفات المفتوحة‏,‏ فاتفاق التفاهم الذي وافق عليه الجانبان لم ينفذ بالكامل‏,‏ ومازالت هناك عدة نقاط مفتوحة به‏,‏ خاصة بأقدم أسير لبناني سمير القنطار‏,‏ ومصير كل من الطيار الإسرائيلي رون آراد‏,‏ والدبلوماسيين الإيرانيين الأربعة الذين اختفوا في لبنان خلال الاجتياح الإسرائيلي عام‏.1982‏
ولكن النص الرسمي للتفاهم بين الجانبين ــ والذي أذاعه الوسيط الألماني ــ لم يربط بين الإفراج عن سمير القنطار والتوصل إلي مصير رون آراد‏,‏ واكتفي بعبارة عامة تؤكد علي مواصلة المفاوضات بشأن حالة الأسير سمير القنطار‏,‏ وتأمل كل الأطراف أن يتم الإفراج عنه في غضون شهرين أو ثلاثة أشهر‏,‏ إلا أن المسئولين الإسرائيليين حرصوا منذ اللحظة الأولي لإعلان تفاصيل الصفقة علي ربط الإفراج عن القنطار بالحصول علي معلومات عن آراد‏,‏ وفي عبارة محددة قال رئيس الوزراء الإسرائيلي آرييل شارون لأعضاء حكومته‏,‏ في الاجتماع الذي ناقش موضوع صفقة التبادل‏:‏ أريد أن أؤكد لكم أنه لن يتم الإفراج عن قاتل عائلة هاران‏,‏ سمير القنطار‏,‏ إلا إذا تلقينا معلومات مؤكدة وواضحة تتعلق بمصير رون آراد‏.‏
وهذا يعني أن إسرائيل لن تفرج بسهولة عن القنطار بعد مضي شهرين أو ثلاثة أشهر كما ينص الاتفاق‏,‏ وأن الموضوع سيخضع لتعقيدات ومساومات عديدة‏,‏ إلا إذا نجحت اللجان المشتركة التي سيتم تشكيلها ــ طبقا للاتفاق ــ في التوصل إلي معلومات مهمة عن رون آراد خلال هذه الفترة‏,‏ أما إذا لم يتم ذلك فستكون هناك مشكلة كبيرة بين الجانبين بخصوص سمير القنطار‏.‏
كما أن الأيام الأخيرة الماضية‏,‏ التي أعقبت المؤتمر الصحفي للسيد حسن نصر الله‏,‏ الأمين العام لحزب الله‏,‏ شهدت تطورات عديدة ذات صلة بالمرحلة الثانية من تنفيذ الصفقة‏,‏ فبعد أن أعلن نصر الله أن إسرائيل أنكرت وجود معتقلين مصريين لديها‏,‏ وأن الحزب لا يملك معلومات عنهم‏,‏ بدأت بعض منظمات المجتمع المدني المصرية في إعداد ملف خاص عن المعتقلين المصريين المتوقع وجودهم في المعتقلات الإسرائيلية حاليا‏,‏ والذين تم الحصول علي معلومات عنهم من خلال بعض المعتقلين الفلسطينيين والمصريين الذين التقوا بهم في السجون الإسرائيلية في فترات متفاوتة‏,‏ وسيكون هذا الملف تحت يد قيادة حزب الله لاستخدامه في المرحلة الثانية من الصفقة للتأكد من وجود هؤلاء لدي إسرائيل‏,‏ والسعي للإفراج عنهم إذا تم التوصل إلي معلومات عن الطيار الإسرائيلي المفقود‏.‏
وفي إطار استغلال موضوع البحث عن آراد للإفراج عن دفعة جديدة من المعتقلين الفلسطينيين‏,‏ بدأت بعض المنظمات الفلسطينية التي كانت موجودة في جنوب لبنان خلال الاجتياح الإسرائيلي في مساعدة حزب الله علي الوصول لمعلومات مؤكدة عن مصير رون آراد‏,‏ الذي تشير كل الدلائل إلي أنه مات في لبنان‏,‏ ويعتقد البعض أنه مات نتيجة لقصف إسرائيل للقرية التي كان محتجزا بها ودفن تحت الركام دون أن ينتبه إليه أحد‏,‏ ويشارك في البحث عن بعض المنشقين عن حركة أمل الذين كانوا أعضاء بها في أوائل الثمانينيات‏,‏ وخاصة ممن كانوا علي صلة بالجهاز الأمني للحركة وهو الجهاز الذي اختطف رون آراد في البداية قبل أن يختفي‏,‏ وجدير بالذكر هنا أن معظم أعضاء هذا الجهاز انضموا إلي حزب الله فيما بعد‏.‏
رون آراد
ورغم أن السيد حسن نصر الله أكد أن المرحلة الثانية من الصفقة ستعالج الملفات الصعبة والحساسة الخاصة ببعض المعتقلين الفلسطينيين‏,‏ فإن هذا الأمر مرهون بمدي أهمية المعلومات التي سيحصل عليها الحزب عن مصير رون آراد‏,‏ بالإضافة إلي أن النص الأصلي لوثيقة التفاهم بين إسرائيل وحزب الله‏,‏ يشير بوضوح إلي أن الإفراج عن الفلسطينيين في المرحلة الثانية سيتم بدون شروط مسبقة من الطرفين‏,‏ أي أن حزب الله لا يستطيع فرض شروط خاصة بالحالات التي سيتم الإفراج عنها‏,‏ إلا إذا كان يملك ثمنا جديدا ومهما يغري إسرائيل بالاستجابة إلي مطالبة‏.‏
وبعيدا عن صفقة تبادل الأسري والمعتقلين‏,‏ يبقي ملف مزارع شبعا المحتلة هو أهم ملف مفتوح الآن بين حزب الله وإسرائيل‏,‏ فمنذ انسحاب القوات الإسرائيلية من الشريط الحدودي المحتل في مايو عام‏2000,‏ وملف مزارع شبعا هو العنوان الأساسي لمعظم عمليات حزب الله‏.‏
والمعروف أن إسرائيل احتلت مزارع شبعا مع الجولان عام‏1967,‏ رغم أنها منطقة لبنانية الأصل‏,‏ وخضعت للنفوذ السوري في بداية الستينيات لمنع استخدامها معبرا لعمليات التهريب بين الجولان ولبنان‏,‏ ولم تعترف الأمم المتحدة حتي الآن بأن مزارع شبعا أرضا لبنانية محتلة‏,‏ وتشير في وثائقها إلي أن إسرائيل نفذت القرار‏425‏ وانسحبت من الأراضي اللبنانية المحتلة‏,‏ وعلي هذا الأساس تم ترسيم الخط الأزرق الحدودي بين الجانبين‏.‏
لكن الدولة اللبنانية مازالت تصر علي استرجاع مزارع شبعا‏,‏ ويلعب حزب الله دور رأس الحربة في هذا الموضوع‏,‏ لكن الصراع بين إسرائيل والحزب حول مزارع شبعا تحكمه قواعد محددة للعبة‏,‏ فمقاتلو الحزب يطلقون كل فترة صواريخهم علي المواقع الإسرائيلية في مزارع شبعا‏,‏ وفي معظم العمليات لم يقع قتلي إسرائيليون‏,‏ لوجود المواقع في منطقة مرتفعات جبلية عالية‏,‏ وفي المقابل تطلق القوات الإسرائيلية نيرانها علي الأحراش والأودية المؤدية إلي المنطقة والمحيطة بها تحسبا لوجود عناصر لحزب الله بها‏,‏ بالإضافة إلي طلعات الطيران الإسرائيلي الاستكشافية فوق الجنوب‏,‏ ومنذ أوائل العام الماضي تسود حالة من الهدوء الحذر جبهة مزارع شبعا‏,‏ ولم يقم حزب الله سوي بعمليتين هناك خلال هذه الفترة الأولي في شهر إبريل‏,‏ والثانية في شهر أكتوبر الماضيين‏,‏ وهذا يعني أن الطرفين يراعيان قواعد اللعبة‏,‏ لأن خروج أي طرف عنها يعني ردا قاسيا من الطرف الآخر قد يفجر الجبهة اللبنانية ــ الإسرائيلية‏,‏ في وقت تمر فيه المنطقة بظروف حساسة للغاية‏.‏
الديرانى وعبد الكريم عبيد
والمتوقع أن تستمر قواعد اللعبة في مزارع شبعا بهذا الشكل‏,‏ إلا إذا انسحبت إسرائيل بشك مفاجيء من منطقة المزارع‏,‏ كما فعلت في الشريط الحدودي المحتل‏,‏ وهو أمر متوقع خاصة بعد أن أقامت القوات الإسرائيلية خطا دفاعيا جديدا علي طول الحدود الفاصلة بين المزارع والجولان‏,‏ مما يعني أنها قد تنسحب إلي هذا الخط في أي وقت‏,‏ وإذا فعلت ذلك فإن قواعد اللعبة ستتغير‏,‏ فحزب الله لن يستطيع مهاجمة المواقع الإسرائيلية في الجولان ولن يتقبل منه المجتمع الدولي ذلك‏,‏ وسيؤدي هذا الأمر إلي شعور سوريا بمزيد من الحصار‏,‏ وبأن ورقة حزب الله المحسوبة عليها بدأت تفقد قيمتها‏,‏ ووقتها سيكون علي كل طرف أن يعيد حساباته‏.‏
أما الانتهاكات الإسرائيلية للسيادة اللبنانية‏,‏ فإن المتوقع أن تظل كما هي في ظل عدم وجود توازن رادع بين الجانبين‏,‏ فإذا كان حزب الله قادرا علي ضرب أي انتهاك إسرائيلي بري للأراضي اللبنانية‏,‏ كما فعل مع الجرافة الإسرائيلية أخيرا‏,‏ فإنه لا يمتلك ردا حاسما علي طلعات الطيران الإسرائيلي في الأجواء اللبنانية‏,‏ لذلك ستستمر هذه الطلعات التي تستهدف مراقبة أي تحركات علي الأراضي اللبنانية‏,‏ وطريقا مهما للوصول إلي الأجواء السورية أيضا بسرعة‏,‏ كما حدث في الغارة الإسرائيلية علي قرية عين الصاحب السورية‏.‏
لكن التعامل مع هذه الملفات المفتوحة لا يخضع فقط لرغبات وأماني حزب الله وإسرائيل‏,‏ وإنما يتأثر بقوة بالأوضاع الإقليمية والدولية‏,‏ والمتغيرات المتسارعة في المنطقة خاصة بعد احتلال العراق‏,‏ وبالمدي الذي وصلت إليه جهود تسوية الصراع العربي ـ الإسرائيلي سواء أكانت سلبية أم إيجابية‏.‏
وفي هذا الإطار يتبقي ملف آخر مفتوح بين حزب الله وإسرائيل‏,‏ من الصعب التوصل إلي حل له‏,‏ أو كشف تفاصيله‏,‏ لأن كل مفرداته سرية للغاية‏,‏ وهو الملف الخاص بعلاقة حزب الله ببعض فصائل المقاومة الفلسطينية مثل حماس والجهاد‏,‏ فالدعم الذي يقدمه حزب الله لهذه المنظمات ليس سرا‏,‏ ولكن تفاصيله هي السرية‏,‏ فهو ليس مجرد دعم معنوي من خلال خطب السيد حسن نصر الله‏,‏ وبرامج قناة المنار التليفزيونية التابعة للحزب‏,‏ وإنما يتعداه بالتأكيد إلي الدعم المادي الذي يتنوع بين الدعم بالأموال أو بالأسلحة أو بتوفير خبراء للتدريب العسكري خاصة علي بعض الأسلحة أو حتي بالنصيحة‏,‏ وكلها أمور سرية من الصعب علي إسرائيل إثباتها والتحكم فيها‏,‏ ولن يتم إغلاق هذا الملف إلا بالتوصل إلي تسوية عادلة وشاملة للصراع العربي ـ الإسرائيلي وتنفيذها بالفعل‏.‏
كل ذلك يوضح بجلاء أن صفقة تبادل الأسري والمعتقلين بين إسرائيل وحزب الله‏,‏ لن تؤدي إلي إغلاق الملفات المفتوحة بينهما‏,‏ لأن كل ملف من هؤلاء بحاجة وحده إلي صفقة متكاملة‏,‏ ورغم ذلك مازال حزب الله هو أهم طرف عربي حاليا يستطيع إبرام صفقات متكافئة مع إسرائيل ويضمن تنفيذها‏,‏ بدون معاهدات سلام أو تطبيع‏,‏ وبعيدا عن الشعار الذي يرفعه شارون وينفذه بجدارة وهو المفاوضات مقابل المفاوضات‏.*‏