358‏السنة 123-العدد2004يناير31‏9 ذى الحجة 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

في الطريق إلي أبوديس عرفنا الحقيقة

الجدار العنصري نكبة تعيـــــدنا إلي كارثة‏48‏

زياد عبد الفتاح


يعتقد أبوعلاء أن جدار الفصل العنصري إنما هو شكل جديد للاستيطان مثلما أنه محاولة إسرائيلية لرسم الحدود بطريقة الفرض أو الأمر الواقع‏.‏ ويري رئيس الوزراء الفلسطيني أن تهديدات شارون بإعلان الفصل من جانب واحد‏,‏ إنما هو رسالة للعالم بأن الحدود ترسمها إسرائيل وأن منطق القوة وليس العدل هو السائد‏.‏ ويفسر السيد أحمد قريع ما نقل عنه بأن السلطة الفلسطينية سوف تطرح‏,‏ في مشروع مضاد لمشروع فك الارتباط‏,‏ العودة إلي الدولة الديمقراطية العلمانية قائلا‏:‏ إنه لم يعلن هذا الخيار كخيار وحيد إنما هو ضمن خيارات عدة إذا أصر شارون علي فك الارتباط‏,‏ وفي هذا يقول قريع‏:‏ أنا لم أطرح مبادرة ولم أتراجع عن مبادرة‏.‏
يري أن دور مصر‏,‏ دور حيوي وبناء وفاعل وأن ما يقدمه الرئيس مبارك وفريقه من مبادرات سواء علي طريق الحوار الفلسطيني ـ الفلسطيني‏,‏ أم علي طريق المساعي الحثيثة والضغط علي إسرائيل والسعي لدي الولايات المتحدة الأمريكية‏,‏ إنما هو من منطلق الإيمان الراسخ بضرورة وضع حل عادل لهذه القضية التي تعيش في دوامة الدم والصراع منذ أكثر من خمسين عاما‏.‏
وحول الوزارة وعمرها ومستقبلها‏,‏ وهل هي علي مستوي التحديات الصعبة‏,‏ رد أبوعلاء بأن الوزارة متجانسة وأنها سوف تبذل ما في وسعها لتحقيق الأهداف الفلسطينية‏,‏ وفي مقدمتها إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس‏.‏
أما عن لقاء رئيس الوزراء الفلسطيني بنظيره الإسرائيلي‏,‏ فقد أكد أبوعلاء بأنه لا يرفض لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي وإنما هو يتفادي شكلية اللقاء‏,‏ حتي لا يكون لقاء تليفزيونيا‏,‏ فأي لقاء لابد أن يحظي بدعم الجانبين ولابد من التحضير له تحضيرا جيدا حتي يطرح ثماره‏.‏
ظلت الأهرام العربي تحاول منذ تشكيل الحكومة الفلسطينية الأخيرة لقاء السيد أحمد قريع‏,‏ تلاحقه أينما ذهب في القاهرة‏,‏ وفي عمان وفلسطين‏,‏ وظل الخط الأحمر الساخن بين صحفييها‏,‏ ومندوب المجلة في رام الله يعمل بلا انقطاع‏,‏ كي تحصل علي لقاء يشفي غليل القاريء‏,‏ يفتح أمامه الأفق ويضعه في موقع متميز قادر علي استكشاف ما يدور في عقل رئيس الوزراء ليطمئن إلي ما ينتظر القضية الفلسطينية التي هي قضية العرب الأولي‏,‏ ولكي تفهم وتقدر وتبحث بوعي في شئون المستقبل وشجونه‏.‏
وقد نجحت الأهرام العربي أخيرا في تخطي كل الصعوبات والعقبات‏,‏ ووصلت إلي مكتبه في بلدة أبوديس في القدس في يوم ثلجي ماطر‏,‏ ومثقل بالاحتياطات الأمنية الإسرائيلية المبالغ فيها والتي تعبر عن حقد وتفصح عن كراهية‏.‏
وفيما يلي نص المقابلة التي اختطفناها في وقت قاتل راح يسابق الزمن وصعوبة الطريق‏,‏ ففي كل لحظة كانت المقابلة مهددة‏,‏ ثلاثة أرباع الساعة تكون أحيانا أقصر من خمس دقائق‏:‏ أعترف بأنني لم أدرك حجم الكارثة التي يسببها الجدار الذي تطلق عليه إسرائيل السور الواقي‏,‏ وأحيانا الجدار الآمن ونطلق عليه نحن جدار الفصل العنصري‏,‏ إلا بعد أن قرأت مئات الصفحات عن حقيقة هذا الجدار بتسميته الإسرائيلية أو الفلسطينية أو العربية‏.‏
جدار الفصل العنصرى محاولة إسرائيلية لرسم الحدود بطريقة فرض الأمر الواقع
وأعترف أيضا بالتقصير الشخصي‏,‏ ثم بالتقصير العام حيث إننا نحن العرب أصبحنا مستقبلين ولم نعد مرسلين‏,‏ وأصبحنا نضج بالشكوي ونتحدث عن المؤامرات علينا ليل نهار‏,‏ لننتقل بعد ذلك من مؤامرة إلي أخري‏,‏ دون أن ندري ودون أن نضع في الحساب أنهم ينسجون شراكهم حولنا فيطوقوننا مرة‏,‏ لينتقلوا بعد ذلك إلي تطويقنا مرة ثانية وثالثة ومن جديد‏!‏
وأعترف كذلك بأننا لا نملك ذاكرة المتابعة‏,‏ وأن إسرائيل تنتقل بنا من قضية إلي قضية‏,‏ إلي أخري‏,‏ فإذا نحن نلهث لحل القضية الأخيرة‏,‏ دونما وعي بالقضايا الأساسية‏,‏ هل ضيعنا ذاكرة المتابعة إلي درجة أننا لا نستطيع استعادتها؟‏!‏
لقد وضعنا الإسرائيليون‏,‏ ليس وحدنا إنما الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا معنا‏,‏ أمام الجدار الفاصل‏,‏ لقد أصبح الجدار هو القضية‏,‏ اختصر كل شيء وبات النظر فيه هو القضية في الأمم المتحدة ومجلس الأمن وأمام محكمة العدل الدولية في لاهاي‏,‏ وفي هذه الأثناء يستمر العمل وينتصب الجدار سياجا مكهربا مرة وحائطا أسمنتيا ثانية‏,‏ وحفرا تحيل الأرض إلي تضاريس قاتلة مرة ثالثة‏,‏ ثم مكعبات أسمنتية حجم كل منها بحجم الفيل أو حجم جنون الشر العنصري حينما يستحيل إلي غريزة أو طبيعة ثانية‏,‏ هل ينتقلون بنا بعدها إلي قضية أخري أكثر كارثية فنبدأ في ملاحقتها ويصبح الجدار قضية منتهية أو منسية؟‏!‏
أمام هذا الاستخلاص الدراماتيكي نطرح علي الإعلاميين العرب جميعهم بلا استثناء القيام بدراسة سريعة ومكثفة لهذا الجدار الذي أعتقده نكبة أخري تتجاوز نكبة فلسطين الأولي عام‏1948,‏ وللتصدي والقيام بحملة عربية منظمة لمواجهة النتائج الخطيرة التي سوف تتمخض عن استكمال بناء الجدار‏.‏
لا أقترح مظاهرة عربية في هذا البلد أو ذاك‏,‏ ولا مسيرة احتجاج جماهيري‏,‏ تنفض بعد ساعات من انطلاقها بالحسني أو بالقمع والوعيد والتهديد‏,‏ وإنما أقترح متابعة مبرمجة لحيثيات الجدار وآثاره ونتائجه ليس فقط علي الشعب الفلسطيني وإنما علي دول الجوار وعلي المنطقة بأسرها‏.‏
أقترح اجتماعات هنا وهناك‏,‏ بدءا من الجامعة العربية والصحفيين العرب واللجنة الدائمة للإعلام الغربي والكتاب واتحاداتهم المختلفة‏,‏ والمثقفين العرب بالجملة أو فرادي ليصبحوا صوتا منظما واحدا مسلحا بالإثباتات والوقائع والأدلة علي أن هذه الحكومة الإسرائيلية بقيادة شارون تمارس تصفية كاملة للقضية الفلسطينية‏,‏ وترسم حدودا بين الدولة العبرية والكانتونات الفلسطينية ولكن ليس بينها وبين العرب لأن الهدف الصهيوني الأعلي هو من الفرات إلي النيل‏.‏
ولسوف نضع أمام أي اجتماع وكل اجتماع عربي وصفا ومعلومات حقيقية لمخاطر الجدار‏,‏ وأثره علي الأراضي وحجم ما هو منها مهدد بالابتلاع‏,‏ وما تمت مصادرته أو نهبه بالفعل‏,‏ ثم أثره علي التجمعات السكانية الفلسطينية ومدي الضرر الكارثي الذي يتعرض له السكان‏,‏ وأثره علي المياه والاستيلاء عليها وسرقتها وحرمان الفلسطينيين منها‏,‏ وأثره علي الزراعة والمنشآت الاقتصادية وعلي السياحة‏,‏ والآن وأخيرا علي التعليم‏.‏
وإذا كان هذا المقال لا يسعي إلي شرح تفصيلي‏,‏ حيث الهدف منه الدعوة وإطلاق صفارة الإنذار‏,‏ فإننا نكتفي بالمثال حول التعليم والضرر الفادح الذي يصيب كل فلسطيني يذهب إلي المدرسة أو الجامعة أو حتي أحيانا أي روضة أطفال‏,‏ فالجدار بأشكاله وصيغه المختلفة يجعل من العلم مشقة لا قبل لأحد بها‏,‏ وتضع أمام طالبي العلم حواجز وعقبات تعقد وصولهم إلي مدارسهم‏,‏ ولسوف يلحق اكتمال بناء الجدار الضرر بـ‏170‏ ألف طالب في‏320‏ مدرسة‏,‏ وسيكون هؤلاء خارج الجدار فيما تكون أكثر من نصف مدارسهم داخله‏,‏ إذن هي سياسة تجهيل وإخراج الأجيال الفلسطينية وتجريدها من سلاح العلم الذي لا حياة بدونه‏,‏ هذا عدا تدمير بعض المدارس أو حرمانها من ملاعبها‏,‏ وتعرض مرافقها لأضرار بالغة‏,‏ وازدياد نفقات تحصيل العلم بما أن الجدار يجعل تكلفة انتقال الطلاب إلي مدارسهم أعلي مما هي عليه بكثير‏,‏ في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية وتفشي البطالة الأمر الذي يمكن رده إلي عملية تدمير منهجية تقوم بها إسرائيل مستهدفة تهجير الفلسطينيين قسرا ومن خلال تحويل حياتهم إلي جحيم مقيم‏.‏
لقد أدرك الأردن الذي يملك أطول حدود مع فلسطين خطورة المخطط الإسرائيلي الذي يحظي بموافقة ضمنية أمريكية‏,‏ فانتقد بناء الجدار الذي أعتبره بحق جدارا سياسيا يهدف إلي جعل فكرة الوطن البديل فكرة واقعية وقابلة للتحقيق‏,‏ ولعل الأزمة المعلنة والتي سبقتها تصريحات أردنية صحيحة تنتقد بشدة إقامة الجدار تنطلق من مخاوف أردنية مشروعة‏,‏ وتشير إلي أن أخطار الجدار لا تقتصر علي الفلسطينيين فقط‏,‏ وإنما تتعداهم إلي دول الجوار وإلي المنطقة بكاملها‏*‏