395‏السنة 123-العدد2004اكتوبر16‏2 رمضان 1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

كلاب بوليسية وقنابل وهمية في الافتتاح

المنظمات اليهودية تطارد العرب في فرانكفورت

بانوراما لمدينة فرانكفورت التى شهدت الحدث العربى الكبير على أرضها

محمـد مطـــر


الكتاب حديقة يحمله الشخص في جيبه
ها هو الشرق يأتي إليكم زائرا يحمل بعضا من تراثه وآدابه وفنونه وإبداعاته‏,‏ مدعوا إلي لقاء مع الغرب علي ضفاف الكتب‏,‏ يستشرف آفاق العلم ويستعرض إبداعات الفنون
الفقرة الأولي كانت الجملة الأخيرة من الكلمة التي ألقاها جيرهارد شرودر‏,‏ مستشار ألمانيا‏,‏ خلال افتتاحه معرض فرانكفورت للكتاب‏,‏ والفقرة الأخيرة كانت بداية الكلمة التي ألقاها عمرو موسي أمين عام جامعة الدول العربية في نفس المناسبة‏.‏
والمناسبة كانت تظاهرة عالمية اتسمت بطابع ذي خصوصية‏,‏ حيث تحولت مدينة فرانكفورت الألمانية إلي نافذة دولية ليطل منها الغرب علي الشرق من خلال برنامج عربي ضخم يدعو إلي ترسيخ الحوار الحضاري والثقافي‏,‏ ويرفض فكرة النزاع والصدام العدائي‏.*‏ رسالة فرانكفورت يكتبها
في سوق لعرض الكتب وبيع حقوق التأليف والملكية الفكرية في العالم والأرقام القياسية للمعرض تتحدث عن نفسها‏,‏ إذ شاركت عام‏2003‏ نحو‏6628‏ دارنشر تمثل‏102‏ دولة عرضت أكثر من‏350‏ ألف كتاب في حضور أكثر من ألف مؤلف‏,‏ وبلغ عدد زوار المعرض أكثر من‏300‏ ألف شخص‏,‏ وقام بتغطية فعالياته أكثر من عشرة آلاف مندوب عن وسائل الإعلام الألمانية والأجنبية‏,‏ واحتضن المعرض‏3‏ آلاف فعالية ثقافية وفنية بمشاركة مئات المفكرين والشعراء والنقاد والفنانين في حلقات نقاش ثرية ومتنوعة‏,‏ وبذلك لم يعد المعرض الدولي يشكل فضاء لعرض الكتب‏,‏ وبيعها فقط‏,‏ بل فضاءات عدة تتنوع فيها النشاطات خصوصا مع تقليد ضيف الشرف المتبع منذ نحو ثلاثة عقود‏,‏ بحيث تتآمن من خلالها إطلالة الرأي العام الألماني علي ثقافات الشعوب الأخري‏.‏
هذا العام كان العالم العربي هو ضيف الشرف ووصلت أخيرا الشعلة العربية إلي مدينة فرانكفورت الواقعة علي نهر الماين‏,‏ لتنطلق تظاهرة الاحتفاء بالكتاب العربي وتحقق ما كان يشكك فيه الكثيرون من أهلية الثقافة العربية للمناسبة‏,‏ وقدرة الموسسة العربية الرسمية جامعة الدول العربية ومنظمتها الثقافية الألكسو علي تنسيق الحدث وإبلاغه مقصده‏,‏ وهو التعريف بالحضارة العربية الإسلامية والدفاع عن صورتها في مرحلة مأساوية حرجة من تاريخ الأمة‏.‏
أعترف بأنني كنت ذاهبا إلي فرانكفورت محملا بالكثير من الشجن و الهموم والهواجس‏,‏ وسط طنين أمواج كثيفة من الإعلام المزيف ضد الصورة العربية‏,‏ وبين إطلال التراكمات الثقافية في أوروبا حول الملامح السوداوية للحضارة العربية‏.‏
أسئلة كثيرة طرحتها علي نفسي طوال الرحلة من القاهرة إلي فرانكفورت‏,‏ هل يمكن أن تكون أمامنا فرصة أفضل من ذلك لإعادة تصحيح الصورة؟ هل يمكن أن تواتينا الظروف بتجمع أفضل من ذلك كي نثبت أن كلمة عربي ليست مرادفا للإرهابي‏,‏ وأن الإسلام ليس دين التطرف والعنف‏,‏ وأننا قادة الفكر والحرية والحضارة منذ قديم السنين؟
صحيح أن الثقافة العربية تمر بأزمة مرجعية عميقة في مستوي خياراتها الذاتية وعلاقتها بالآخر‏.‏
شهرزاد مازالت تأسر الغرب بسحرها
ومع ذلك كله لا تكمن أهمية الحضور العربي في معرض فرانكفورت في وصول الكتاب العربي إلي أكبر فضاء عالمي للنشر‏,‏ بل في الزخم الإعلامي والرمزي الكثيف للحدث ذاته الذي يوفر الإطار الأنسب لتقديم الثقافة العربية في جوانبها الإنسانية الرقيقة‏,‏ ويمنح فرصة التواصل المنشود مع الثقافات الأخري‏.‏
مازالت الهواجس تلاحقني وفضولي الصحفي يقول‏:‏ إن الفرصة لا تعود مرة أخري‏,‏ ولا تتكرر كي يصح أن نضيعها ثم نعود ونحاول اقتناصها‏,‏ لقد فتح الغرب أو بالأحري أوروبا‏,‏ أبوابه ليستمع إلينا وقرر أن يخلع نظارة السواد الأمريكي ويرانا بعيون أكثر موضوعية‏,‏ فهل نسمعه صوتنا ونكشف عن وجهنا الحقيقي؟ أم أن الخرس سيصيبنا لنظل تلتحف بخمار الجهل والغباء والتخلف‏,‏ ويقتربون فنبتعد أو يتهموننا فنكرهمو‏,‏ نعم نحن نحتاج لهذه الفرصة‏,‏ ليس فقط لمستقبلنا‏,‏ ومستقبل منطقة خرجت من منظومة العالم‏,‏ لكننا نحتاج أن نرد بعض الكذب عن آبائنا وأجدادنا‏,‏ ونعيد طرح معاييرنا من جديد‏.‏
أنظر إلي ساعتي واستعجل وصولي إلي مطار فرانكفورت حتي أطرح سؤالي إلي السيد عمرو موسي‏,‏ أمين الجامعة العربية‏,‏ والدكتور المنجي بوسنينة‏,‏ المدير العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم حول المهمة الصعبة‏,‏ هل يستطيعان ومن معهما في أن يذيلوا تجاعيد الزمن من علي وجه خريطتنا؟ فالكارهون لنا يراهنون علي أن جعبة الشرق الأوسط لا تحوي إلا إرهابا ودماء ودموعا‏,‏ والمتعاطفون لا يرون فينا إلا مساحة من الإهمال واللامبالاة والاعتماد علي لغة التواكل‏.‏
حطت بي الطائرة منذ لحظات وقبل غروب الشمس في مطار فرانكفورت والذي يعد واحدا من أكبر المطارات في أوروبا‏,‏ تبدو المدن صغيرة من خلف زجاج نافذة الطائرة‏,‏ لكننا سرعان ما نضيع في أزقتها ودروبها الملتوية‏,‏ ونتحول إلي مجرد أقدار ميكروسكوبية‏.‏
قلب أوروبا النابض بالمعرفة

أن تكون فرانكفورت هي القلب النابض لتجارة الكتب في العالم‏,‏ ليس مجرد مصادفة‏,‏ ألمانيا لاتزال واحدة من أكثر الأمم اهتماما بالكتاب‏,‏ وبإصدار أكثر من‏80‏ ألف كتاب سنويا‏,‏ تحتل ألمانيا المرتبة الثالثة في العالم بعد الصين وبريطانيا‏,‏ ومجموع حجم أعمال قطاع الكتب يصل إلي‏9.2‏ مليار يورو سنويا‏,‏ ومنذ أن أقيم في مدينة فرانكفورت أول معرض للكتاب بعد الحرب العالمية الثانية في كنيسة بولس التي تعتبر رمزا تقليديا للديمقراطية في ألمانيا تطور معرض الكتاب باستمرار ليصبح أشبه بواحد من معالم هذه المدينة‏,‏ ها أنا في طريقي من المطار إلي الفندق في مدينة حديثة وعصرية لا يتجاوز عمرها خمسين عاما خرجت من أنقاض الحرب كطائر العنقاء لم يبق الحرب علي بناية قائمة بالمدينة القديمة‏,‏ حتي تمثال جوته وبيته تحولا إلي ركام‏,‏ لكن فرانكفورت هي دليل علي تجاوز العدم‏,‏ والبدء من الصفر‏,‏ فرانكفورت هي أيضا رمز دخول ألمانيا الزمن الأمريكي‏,‏ أو إذا شئت زمن الحداثة‏,‏ لقد نظر الألمان إلي تدمير مدينتهم ليس فقط كهزيمة‏,‏ وإنما كفرصة لبناء مدينة كبيرة وحديثة‏,‏ تمثل ذلك في نمط المعمار الحديث الذي تميزت به سنوات إعادة الإعمار‏.‏
لقد تحولت فرانكفورت في زمن قصير إلي عاصمة المال والاقتصاد والبنوك في أوروبا‏,‏ وأصبحت تحتضن البنك المركزي الأوروبي‏,‏ والذي هو رمز لوحدة أوروبا‏.‏
تاريخ فرانكفورت ضارب في القدم‏,‏ لقد كانت عاصمة للإمبراطورية الرومانية الألمانية‏,‏ كما أنها عرفت ولادة أول مؤسسة ديمقراطية في ألمانيا عام‏1848‏ في كنيسة بولسي‏,‏ وهكذا ظلت فرانكفورت رمزا للديمقراطية والانفتاح‏,‏ والتعدد الثقافي في ألمانيا‏,‏ ولم تعد فقط عاصمة المال والأعمال والبنوك‏,‏ بل هي أيضا مدينة ثقافية بامتياز اذاع صيتها لعقود بفضل مدرستها الفلسفية ومؤسسة الأبحاث الاجتماعية‏.‏
فولكلير نويمان
مازلت أتحرق شوقا لدخول مبني معرض الكتاب‏,‏ وأمام المدخل الرئيسي للمعرض وفي محاولة مقصودة للتشويش علي المشاركة العربية من منظمات يهودية ألمانية وأوروبية إلي التجمع للاحتجاج علي الاحتفاء بالعالم العربي كضيف شرف‏,‏ وتحت شعار تغير الأنظمة بدل الحوار النقدي‏,‏ أعلنت المنظمة الصهيونية في ألمانيا‏,‏ إنها تريد لفت الانتباه إلي عدم وجود بني ديمقراطية في الدول العربية‏,‏ محاولات بائسة لم يكتب لها النجاح ولم تلاق أي اهتمام‏.‏ المدخل إلي حفل الافتتاح كان مزدحما جدا‏,‏ لدرجة أن أحد الألمان اقترب مني وقال لي‏:‏ إنني أحضر فعاليات هذا المعرض بانتظام منذ أكثر من‏35‏ عاما‏,‏ ولم أجد ازدحاما مثل هذا‏.‏
وقال مازحا‏:‏ هل إلي هذه الدرجة يحب العرب الألمان؟ أجبته قائلا‏:‏ ليس المهم أن يحب العرب الألمان‏,‏ لكن المهم أن يبادل الألمان العرب كل هذا الحب والتقدير؟
قنابل حفل الافتتاح

تأخر حفل الافتتاح ما يقرب من نصف ساعة بسبب هواجس أمنية وشائعات حول وجود قنابل ومتفجرات ومواد كيماوية‏,‏ وكان ذلك خطأ من الكلاب البوليسية التي شمت رائحة المواد اللاصقة للموكيت‏,‏ علي أنها رائحة مواد متفجرة‏,‏ مما جعل الضيوف يتجولون حول المعرض لنصف ساعة حتي انتهت هذه الأزمة‏.‏
بدأ حفل الافتتاح في جو أسطوري يشبه افتتاح مهرجانات السينما العالمية وبحضور رسمي كان الأفضل علي مدار السنوات الماضية‏,‏ غير أن أبرز حدث في حفل الافتتاح هو حضور المستشار الألماني جيرهارد شرودر‏,‏ وهي المرة الأولي التي يفتتح فيها المعرض‏,‏ كذلك وجود السيدة سوزان مبارك قرينة الرئيس حسني مبارك‏,‏ وهو الوجود الذي أضفي بعدا طيبا باعتباره وجها مصريا وعربي مشرف‏,‏ يعكس ما وصلت إليه المرأة العربية من تقدم وتطور‏,‏ وأيضا كانت السيدة سوزان مبارك ضيفة شرف الدورة الحالية للمعرض‏.‏
افتح المستشار الألماني المعرض بكلمة أكد فيها علي تغليب الحوار بين الثقافات علي الصراع بينها‏,‏ وقال إن الاحتكاك المباشر هو الذي يشيع التفاهم بين الشعوب‏,‏ نجد أن المفاجأة في كلمته كانت الخروج عن الجانب الثقافي والفكري‏,‏ حيث تحدث عن الأوضاع المأساوية في كلا من العراق وفلسطين‏,‏ ودعا إلي إصلاح هذه الأوضاع وعودة الحقوق إلي أصحابها وتحقيق العدالة للشعب الفلسطيني حتي يمكنه الوصول إلي السلام والتنمية‏.‏
وقد بادله عمرو موسي في كلمته بأننا لا نؤيد حتمية الصراع بين الحضارات‏,‏ لأن حضارتنا الإنسانية واحدة‏,‏ وإن تنوعت وتباينت الثقافات‏.‏
وقال لنغتنم معا هذه المناسبة‏,‏ وليكن لقاؤنا هذا واحدة من تلك اللحظات المضيئة في تاريخنا‏.‏
كما أكد الأديب الكبير نجيب محفوظ في كلمته التي ألقاها نيابة عنه الكاتب الصحفي محمد سلماوي أكد علي أن الحضارة العربية المعاصرة تستمد مصادرها من ثلاثة ينابيع هي الحضارات القديمة والإسلام والحضارة الغربية‏,‏ ودعا محفوظ إلي أهمية مواصلة الحوار بين الشرق والغرب‏.‏
سوزان مبارك التي كانت محل اهتمام وسائل الإعلام الألمانية والغربية ألقت محاضرة في اليوم الثاني للمشاركة العربية‏,‏ أكدت فيها علي أهمية دور الكتاب في نقل الحكمة والخبرات من جيل إلي آخر ليسهم بذلك في تقدم الإنسانية‏.‏ ودعت إلي زرع بذور التسامح والتفاهم بين الجميع بما يحقق لهم مستقبلا أفضل‏.‏
وكان لسوزان مبارك نشاط بارز‏,‏ حيث زارت متحف جوتة الذي يعد واحد ا من أشهر المتاحف الألمانية‏,‏ كما زارت مقر برلمان ولاية هيس الألمانية وشهدت حفل توزيع جوائز السينما والفيلم في الولاية‏,‏ كما تفقدت الجناح المصري المشارك في المعرض‏,‏ وتحدثت مع رواد المعرض من الأدباء والكتاب في لقاء تليفزيوني بالبرنامج الشهير الأريكة الزرقاء الذي يستضيف كبار الشخصيات الزائرة للمعرض‏.‏ وكان فولكير نويمان مدير المعرض قد أكد أن اختيار العالم العربي كضيف شرف هذا العام قدم إضافة مهمة لأنه من المناطق القليلة في العالم التي تعبر عن وعيها السياسي الثقافي من خلال برنامجها الذي تقدمه كضيف علي معرض الكتاب‏,‏ نحن نعرف في ألمانيا وفي أوروبا بشكل عام القليل جدا عن هذه المنطقة المجاورة لنا جغرافيا‏,‏ وما نعتقد أننا نعرفه سرعان ما يتبين أنه صورة مشوهة في الغالب‏,‏ الأدب يمكن أن يكون جسرا بين الشعوب في هذا المجال‏,‏ فالذي يقرأ كتبا من ثقافات أخري تزداد معرفته ويزداد فهمه للعالم‏,‏ معرض الكتاب يمكنه أن يسهم في تعميق الثقة المتبادلة وفي زيادة معرفة كل عن الآخر‏.‏ وحول الانتقادات التي وجهت لبرنامج المعرض قال‏:‏ المشكلة هنا تكمن في أن الدول العربية تشارك للمرة الأولي كضيف شرف علي أساس منطقة كاملة وليس كبلد واحد فقط‏,‏ والشريك الموقع هو جامعة الدول العربية التي تشارك فيها‏22‏ دولة‏,‏ ونحن نعرف أن تطور الحركة الأدبية وتطور النشر متمايزان ومختلفان بين هذه الدول‏,‏ ومن هنا فإن التحضيرات تمت علي مستويات مختلفة‏,‏ وحتي الدول التي كانت ضيفة علي معرض الكتاب في السابق‏,‏ والتي كان لديها الوقت الكافي للتحضير أخطأت في تقدير الجهدالكبير الذي يتطلبه تنظيم تظاهرة من هذا النوع كدولة ضيفة‏.‏ ولو سألتني قبل أكثر من عام عن آخر التحضيرات التي تخص ضيوفنا الروس‏,‏ لأجبتك بأن التحضيرات لم تكن أفضل من التحضيرات العربية‏,‏ المهم أن كل شئ سار علي ما يرام‏.‏
قلت له وماذا عن الانتقادات بأن الدول العربية لا تتمتع بذات الحرية التي تتمتع بها في الغرب؟
هذا الموضوع بدون شك وقد تحدث فيه المسئولون العرب قبل بداية المعرض‏,‏ لكننا نعترف بأن هناك أصواتا عربية معارضة وناقدة شاركت في المعرض‏,‏ وقد توقعنا أنه من السهل جدا إفشال مثل هذه التظاهرة إذا لم نتعامل معها بانفتاح‏,‏ ولم نوفر لها ما نعتقده من حرية الرأي بالمقاييس الغربية‏*‏