395‏السنة 123-العدد2004اكتوبر16‏2 رمضان 1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

مؤسسة البابطين تمول كرسي للدراسات العربية في أسبانيا‏:‏

العربي يعود إلي قرطبة

الأميرة إلينا ابنة ملك أسبانيا تسلم إحدى جوائز دورة ابن زيدون

رسالة قرطبة ــ سيد محمود حسن


يأتي العربي منا إلي الأندلس وهو أسير ماض لا يفارقه‏,‏ يمشي معه في طرقاتها يدله علي خطي مشاها أجداده وعلي ميراث ضائع من الصعب استعادته وإذا كان ماضي الفتوحات ذهب إلي غير رجعة فإن ماضيا آخر بقي هنا يمكن الرهان عليه واستلهامه‏,‏ وهذا الماضي ليس إلا فضاء من التعددية والتسامح ميز الوجود العربي في الأندلس ويبدو أن هذه الحقيقة كانت ماثلة في ذهن القائمين علي مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري حين قرروا اختيار مدينة قرطبة لتكون مقرا لعقد فعاليات الدورة التاسعة لجائزة البابطين الشعرية التي حملت اسم‏'‏ دورة ابن زيدون‏'‏ في محاولة لتقصي أثره في هذه الأرض وأكثر من ذلك وهذا هو الأهم البحث عن مساحة مشتركة للحوار مع الغرب بحثا عن قضايا مشتركة ومساحات للتعاون ومن ثم تم عقد ندوة فكرية موسعة تحت عنوان لافت هو‏'‏ الإسلام والغرب من الخلاف إلي الشراكة‏'.
وأحسب أن مؤسسة البابطين بهذه الدورة قطعت الخطوة الأهم نحو تحديثها وفك الارتباط بينها وبين دوراتها الماضية التي كانت حافلة بالالتباس وأسيرة لتقاليد تنتمي إلي الماضي أكثر من ارتباطها بفضاء اللحظة الراهنة وهي تقاليد جعلتها‏-‏ رغم كل الجهود في رعاية الشعر ونشره‏_‏ محط انتقادات من قبل بعض المثقفين الساعين إلي تحديث الإبداع العربي وتطوير آلياته ولذلك بدا لافتا هذه المرة نجاح المؤسسة في استقطاب عدد كبير من مفكري الأمة العربية وكتابها الممثلين لمختلف التيارات والذين جاءوا جميعا لمساعدة المؤسسة في النهوض بدورها الجديد‏,‏ هذا الدور الذي يأتي معبرا عن حاجة الثقافة العربية لمبادرات من هذا النوع تقوم بها مؤسسات المجتمع المدني التي تحاول تقديم نموذج لافت من نماذج توظيف رأس المال الخاص لرعاية الفنون والآداب‏.‏ وقد تجلي هذا النموذج في الفكرة التي تبنتها المؤسسة وأعلن عنها في ختام الندوة حيث تقوم المؤسسة بتمويل‏(‏ أستاذية للغة والدراسات العربية‏)‏ في جامعة قرطبة بتمويل من المؤسسة وقد أعرب المشاركون في الندوة في البيان الختامي الذي حمل عنوان‏'‏ بيان قرطبة‏'‏ والذي قرأه الكاتب الكبير فهمي هويدي عن الأمل أن يتبني الاتحاد الأوروبي جهدا موازيا لتعزيز العلاقات المشتركة في مختلف المجالات مع العالمين العربي والإسلامي‏.‏
وأكثر ما يلفت النظر في هذه الدورة حرص الحكومة الأسبانية علي إنجاحها لدرجة أنها عقدت بالتعاون مع جامعة قرطبة وداخل حرم مدينتها الجامعية و برعاية مباشرة من الملك خوان كارلوس ملك أسبانيا وابنته الأميرة إلينا التي شاركت في جلسة الافتتاح وتقديم فقراتها وتسليم الدروع للفائزين بجوائز هذه الدورة كما شاركت وزيرة الثقافة الأسبانية كارمن كالبو بوياكو في الحفل نفسه وقالت في كلمتها‏'‏ إن قرطبة كانت مدينة جامعة ومنفتحة تتحدث فيها العربية والاسبانية ومدينة شرقية مغلفة بنسيم عطر غربي ومدينة بلا أبواب تستوعب كل من يدخلها وتصهرهم جميعا في بوتقتها الخاصة‏.‏ وأضافت‏'‏ أن وشم تاريخنا تعبر عنه متاحفنا وأحياؤنا وآثارنا ومسجدنا ومدينتنا الزهراء ويبرز من ذلك الوشم كطلل حي عالم الشعر الذي ترعرع في رحاب المدينة‏'.‏ وقد بادلها عبد العزيز البابطين التحية ذاتها والإشارة إلي رغبة العرب في أن يعود الاتصال مثريا وخصبا كما كان في السابق‏.‏ وقال‏'‏ نحن نؤمن بأن الثقافة المنعزلة هي ثقافة متكلسة وأن الانفتاح علي تجليات الموهبة لدي الآخر هو الذي يجدد دماء الثقافة ويرتقي بها في مدارج الإبداع‏.‏
وإذا كان معظم المشاركين قد تخوفوا من أن تتبني الندوة صيغة‏'‏ حوار الطرشان‏'‏ بحيث يتحدث العرب مع أنفسهم فإن الندوة قدمت عبر أربعة أيام أدلة كثيرة علي الرغبة في الخروج بنتائج عملية تزيد من مساحات الفهم المتبادل ومن ذلك مشاركة عدد كبير من المستشرقين والمستعربين في الندوة فضلا عن الأسماء الناشطة في مجالات الحوار بين الأديان المختلفة‏.‏
وركزت الندوة في محاورها الأولية علي تقديم إضاءات تاريخية حول النموذج الذي قدمته الحضارة العربية في الأندلس كنموذج للتسامح‏.‏
بعد ذلك رسمت الندوة مسارها المتعلق بالاشكالية القائمة في الوقت الراهن بين الإسلام والغرب‏,‏ وبدات بمداخلة من المفكر الإيراني محمد علي تسخيري الذي أشار في ورقة بعنوان‏(‏ تصحيح صورة الآخر بين العالم الاسلامي والغرب‏)‏ إلي مسألة مهمة متمثلة في الحوار والاجتهاد معتبرا أن من حق الإنسان أن يجادل ويناقش ويشكك حتي يستقر علي الحقيقة المطلقة ويتوصل إليها عن طريق قناعة عقلية ويعبر بها العقل إلي كل وجوده ليطمئن بها قلبه‏.‏ وأضاف أن النصوص الإسلامية جميعا شجعت منطق الحوار للوقوف علي صخرة الحقيقة‏.‏ ودعا التسخيري إلي التحلي بالموضوعية والواقعية والمنطقية وتكافؤ المتحاورين والابتعاد عن تأثير العقل الجمعي واحترام الرأي والطرف الآخر والدقة في التعبير واختيار الألفاظ‏.‏
وتحدث المفكر الكويتي الدكتور محمد الرميحي عن‏':‏ صورة الآخر‏'‏ منطلقا من سؤال مهم وبديهي هو‏:‏ من نحن ؟ ومن الآخر؟ وتساءل هل كلمة‏(‏ الآخر‏)‏ تعني الغرب الأوروبي والأمريكي المعاصر‏,‏ والمعاصرين من مجتمعات صناعية حديثة؟
الدكتور سليم العوا
هل هذا الغرب هو‏(‏ العدو‏)‏ في كل وقت؟ أو أنه يمكن أن يكون عدوا في وقت ما ولسبب ما ومن ثم يصبح صديقا لسبب آخر وفي وقت آخر‏,‏ لماذا العداء الدائم‏!.‏ وقال الرميحي إن عدم فهم الطرف الآخر‏(‏ الغرب‏)‏ لنا وفي المقابل عدم فهمنا‏(‏ نحن‏)‏ للغرب يتمثل في عدة محاور منها كثرة الجنود الغربيين في منطقتنا لأسباب كثيرة‏,‏ وعمق الرفض العربي للمساعدات التي يقدمها الغرب لإسرائيل لتحويل الصراع الفلسطيني إلي معادلة صفرية ضد العرب ولصالح إسرائيل فضلا عن‏.‏ كثرة الحكومات التي تمارس حكما غير صالح‏(‏ إكراهي‏)‏ مع تزايد مبادرات الإصلاح السياسي والثقافي المطلوب منا كعرب القيام بها‏.‏
وحاولت ورقة المفكر الاسلامي البارز الدكتور محمد سليم العوا رئيس جمعية مصر للثقافة والحوار وأمين عام الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين تأصيل النظرة الإسلامية إلي العلاقة بين المسلمين وأهل الكتاب من خلال تأصيل إنشاء مفهوم‏'‏ العيش المشترك‏'‏ وترسيخه‏.‏ بما يعني قبول الطرفين بفكرة اتساع الدنيا وفضل الله ونعمه فيها لخلق الله كافة‏,‏ وأن التعاون علي استثمار خيراتها وإعمارها هو الغاية الجامعة للناس أجمعين دون تمييز بينهم في ذلك بسبب الدين أو المذهب أو الطائفة داخل الدين الواحد‏.‏
وكعادته تناول المفكر المصري الدكتور‏.‏ ميلاد حنا مسألة‏'‏ صراع الحضارات‏'‏ والانعكاسات السلبية التي أدت إلي زرع بذور الفتنة والكراهية بين الغرب والإسلام‏,‏ ودعا حنا إلي تبني مفهوم‏'‏ قبول الآخر‏'‏ بدلا من الصراع معه اللي التعاون والفهم المتبادل والمتعاطف‏,‏ لأن هذا يعطي حسب قوله نموذجا مناسبا للمجتمعات العلمانية ويساعد علي الخروج من الاهتمام بالذات إلي احتياجات أتباع الأديان الأخري وهو ما أسماه‏'‏ بضرورة قبول الآخر‏'‏ كما دعا إلي إنشاء رابطة بين الجمعيات الأهلية الموجودة في أمريكا بالذات بين المهاجرين من الأديان والطوائف المختلفة‏,‏ لتقديم نموذج حي للمعايشة السلمية بين الأطراف المتنازعة‏.‏
وفي إطار آلي تناول العلاقة بين الغرب والإسلام من منظور العلاقات السياسية الدولية ركزت دراسات المحور الثالث في الندوة والذي عالج العلاقة الاقتصادية بين الغرب والعالم الاسلامي وبدأ الباحث الفلسطيني أ‏.‏د‏.‏ بشارة خضر بدراسة حول الشراكة الأوروبية‏-‏ الخليجية من‏1981‏ وحتي العام‏2004.‏
وتوقف خضر أمام ما أسماه‏'‏ الأسباب الخفية غير المعلنة‏'‏ والتي وقفت حجر عثرة في وجه التعاون الأوروبي الخليجي ومنها أن هناك خوفا بل رعبا من تأثير اتحاد الصناعات البتروكيماوية‏,‏ حيث مازالت لدي الدول الأوروبية القناعة التامة بأن منطقة الخليج تعتبر‏'‏ مخزنا احتياطيا‏'‏ للولايات المتحدة ولا تريد أوروبا أن تدخل في صراع ومنافسة مع الولايات المتحدة‏,‏ كما أن هناك إيمانا تاريخيا مطلقا لدي الاتحاد الأوروبي بأن طبيعة المنظمات الإقليمية ذات هوية مختلفة عن تلك السائدة في أوروبا‏.‏
ومن جانبه قال استاذ العلاقات الدولية في جامعة لندن الدكتور فرد هاليداي في ورقة بعنوان‏(‏ التحامل الغربي علي العرب بين الخطأ والصواب‏)‏ إن مسألة‏'‏ النمطية‏'‏ والانحياز والتحامل تعتبر من المسائل الشائكة التي تستدعي موقفا جماعيا وأصواتا مدوية لوضع حد لما يجري علي الساحة العالمية وتعطي مساحة أكبر للتاريخ للاستمرار‏.‏ وأضاف أن هذا التحامل لايمكن إخضاعه إلي حلقات النقاش والحوار بل لابد من احتوائه والتخفيف من حدته وفرض عقوبات قانونية في بعض الأحيان علي أولئك الذين يمارسون هذا النوع من الفكر المناهض للبشرية‏.‏ وأضاف أنه لتحقيق ذلك لابد من تجنب الوقوع في شرك أولئك الذين يتخذون من بعض الأساطير والخرافات حجة لشن هجمات شرسة علي العرب والمسلمين من خلال كتاباتهم المسمومة والمشحونة بالبغض والكراهية والتي تنشر في الصحف التي تصدر في الغرب والشرق الأوسط‏.‏
ومن ناحيته تناول الكاتب السوداني المقيم بلندن‏.‏ عبدالوهاب الأفندي الوجود الإسلامي في أوروبا بعد مرحلة مدريد مشيرا إلي أن ظهور الهوية الإسلامية المتميزة والمؤكدة في أوروبا خلال العقدين الماضيين‏,‏ طرح أزمة الجماعات الإسلامية المختلفة عن القارة قبل فترة طويلة من‏(11‏ سبتمبر و‏11‏ مارس انفجارات مدريد‏)‏ في كل من الولايات المتحدة وإسبانيا‏,‏ ولم يكن ذلك مفاجئا‏,‏ حيث أظهر أن بروز هذه الهوية كان مرتبطا بشكل وثيق بالصراعات سواء خارج أوروبا نفسها أم داخلها‏,‏ إن الوجود الإسلامي البارز في قلب تلك الصراعات أدي بشكل فوري إلي القول‏'‏ إن بروز الإسلام‏'‏ هو عنصر تهديد‏.‏ وتمثل قضية‏'‏ سلمان رشدي‏'‏ نقطة بارزة في هذا المجال‏,‏ حيث ربط قضايا أثارت اهتمامات عميقة في عقول العديد من المثقفين وصناع السياسة الأوروبيين‏,‏ وإن هذا الموقف الاسلامي المناوئ لليبرالية‏,‏ حرك الليبراليين والراديكاليين‏,‏ الداعمين للتنوع الثقافي وحقوق المهاجرين‏,‏ فيما كان الاستعداد الواضح للجوء إلي العنف في دعم الأهداف المناوئة لليبرالية‏,‏ أكثر أهمية وحدة‏.‏
وعن وضع الأقليات العربية المسلمة في الاتحاد الأوروبي تحدث د‏.‏ دانيال نيومان مؤكدا أن ظهور كتابات لبعض الساسة والكتاب الأمريكيين الذين أشعلوا نار الفتنة بين المسلمين والغرب بكتاباتهم المسمومة والمشحونة بالحقد والكراهية قد ضاعف من أزمة الأقليات المسلمة في أوروبا حيث تنامت حركة العداء والخوف من كل ما هو أجنبي وكان للعامل الاقتصادي دور بارز في إشعال نار الفتنة وخاصة بين دول الاتحاد الأوروبي وقد تجلت هذه الفكرة بين الساسة اليمينيين المتطرفين في بعض الدول الأوروبية مثل الدانمارك والنمسا وبلجيكا‏,‏ مما جعل بعض تلك الحكومات تشدد الرقابة علي المسلمين‏,‏ وعلي الرغم من الثقل السياسي والاجتماعي الذي تمثله الجالية الإسلامية في معظم الدول الأوروبية مثل‏(‏ فرنسا‏,‏ إسبانيا‏,‏ وبريطانيا‏,‏ بلجيكا‏,‏ وهولندا‏)‏ إلا أنهم لا يتمتعون‏-‏ حسب نيومان‏-‏ بحقوقهم السياسية كأقرانهم أصحاب البلاد الأصليين‏.‏نتيجة لذلك نجد أن عملية اندماج المهاجرين المسلمين مع المجتمعات الأوروبية أصبحت في الآونة الأخيرة صعبة المنال وقضية مثيرة للجدل أكثر من أي وقت مضي‏.‏
وفي ورقته تناول المفكر الاقتصادي المصري الدكتور حازم الببلاوي الوضع الاقتصادي العربي‏,‏ مبينا ما تتمتع به المنطقة العربية من موارد اقتصادية هائلة وبخاصة في مجال الطاقة والمياه‏,‏ ومع ذلك فلا يعتقد بوجود اقتصاد عربي متميز‏.‏
مشيرا إلي أن الأرقام تشير إلي أن الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية في عام‏2002‏ بلغ‏(716)‏ مليار دولار‏,‏ حيث يلعب النفط الدور الأساسي في ذلك وبخاصة في الدول المطلة علي الخليج‏,‏ في حين أن عددا كبيرا من الدول العربية الأخري يعتمد علي تحويلات المغتربين‏.‏
وفي علاقة الغرب مع الوطن العربي والعالم الإسلامي‏,‏ يعتقد الببلاوي أن نظرية‏'‏ هنتنجتون‏'‏ حول صراع الحضارات ليست مقتصرة علي الإسلام والحضارات الأخري‏,‏ فالصراع قائم حتي داخل الحضارة الواحدة‏,‏ نتيجة لتعارض المصالح فالصراع أساسه الاستغلال والتعصب‏,‏ وفرض العقيدة علي الآخرين‏,‏ وبالتالي تصبح المقاومة إحدي وسائل الإنسان لمنع الاستغلال والهيمنة‏,‏ وأن الخروج من هذه الحالة إنما يقوم علي احترام حقوق الآخرين ونشر مبادئ التسامح والديمقراطية‏.‏ وأخيـرا دعا الببلاوي إلي إجــراء إصـلاحــات شـاملــة سياسيـة واقتصادية وثقافية وقضائية‏,‏ بكل ما يتطلبه ذلك من إجراءات‏,‏ وإقامة العديد من المؤسسات القادرة علي قيادة التغيير والإصلاح‏*‏