395‏السنة 123-العدد2004اكتوبر16‏2 رمضان 1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

النصوص الدينية‏..‏ والعفاريت

قرأت التحقيق الممتاز عن الجن والعفاريت بالعدد‏392‏ بتاريخ‏25‏ سبتمبر‏2004,‏ وتحقيقا لكم كلها منتقاة وجاذبة وتصيب الهدف‏.‏
وأجزم أن للمسألة أصلا دينيا‏,‏ فلنرجع إلي مصدري الدين‏:‏ كتاب الله‏,‏ وسنة رسوله‏:‏
‏1‏ـ القرآن الكريم‏,‏ ثمة آية واحدة توهم بالمس الشيطاني هي قوله تعالي‏:‏ الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس‏(‏ البقرة‏275).‏
وفسر المس هنا بأنه التلبس والدخول‏..‏
وهذا التفسير مردود بأن كلمة المس وردت بالقرآن أيضا بمعني الوسوسة في قوله تعالي‏:‏ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون‏(‏ الأعراف‏201).‏ والمعني أنه إذا طافت بهم وسوسة الشيطان تذكروا عداوته وكيده فإذا هم مبصرون الحق‏,‏ فيرجعون‏.‏
ثم إن بالقرآن نحو سبعين آية ذكر فيها اسم الشيطان وكلها تؤكد أنه ليس له في الإنسان إلا الوسوسة والإغراء‏,‏ فهل نترك هذا العدد من الآيات القطعية ونمسك آية واحدة ظنية توهم بالمس الشيطاني؟‏!‏
‏2‏ـ الأحاديث‏:‏ نسبت للنبي عليه الصلاة والسلام‏,‏ أحاديث كثيرة عن أحوال الجن وعلاقتهم بالإنسان وقد جمعت هذه الأحاديث في كتب‏,‏ منها كتاب لفظ المرجان في أحكام الجان للإمام جلال الدين السيوطي‏(‏ ت‏911‏ هـ‏)‏ نقتطف منه مايلي‏:‏
ـ عن مجاهد عن رسول الله صلي الله عليه وسلم‏,‏ قال‏:‏ إذا جامع الرجل أهله ولم يسم‏(‏ أي يقول بسم الله‏)‏ انطوي الجان علي إحليله‏(‏ عضو الذكورة‏)‏ فجامع معه‏(!!).‏
ـ عن ابن عباس قال‏:‏ الله ورسوله نهيا أن يأتي الرجل امرأته وهي حائض فإذا أتاها سبقه الشيطان فحملت‏,‏ فجاءت بالمخنث‏(!!).‏
ـ عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلي الله عليه وسلم‏:‏ أحد أبوي بلقيس كان جنيا‏(!)(‏ بلقيس ملكة سبأ‏).‏
ـ عن أسامة بن زيد قال‏:‏ خرجت مع رسول الله صلي الله عليه وسلم إلي الحجة التي حجها‏,‏ فأتته امرأة بابن لها فقالت‏:‏ يا رسول الله هذا ابني ما أفاق من يوم ولدته إلي يومه هذا‏,‏ فأخذه الرسول منها فتفل في فيه‏(‏ أي بصق في فمه‏)‏ وقال‏:‏ أخرج يا عدو الله فإني رسول الله‏,‏ قال‏:‏ ثم ناولها إياه وقال‏:‏ خذيه فلا بأس عليه‏(!!).‏
هذه بعض من الأحاديث التي ذكرت الجن‏,‏ وكلها أحاديث آحاد‏(‏ أي رواها واحد عن واحد حتي وصلت إلي رسول الله‏),‏ فهل نحن مكلفون بأن نؤمن به؟
لنستمع إلي ما ورد بتفسير المنار‏:‏ هذه كلها من الأخبار الظنية لأنها من رواية الآحاد ولما كان موضوعها عالم الغيب‏(‏ والجن من عالم الغيب‏)‏ والإيمان بالغيب من قسم العقائد التي لا يؤخذ فيها بالظن‏,‏ كنا غير مكلفين أن نؤمن بهذه الأحاديث‏.‏
ولنستمع إلي الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت‏,‏ شيخ الأزهر الأسبق‏:‏ إن نصوص العلماء من متكلمين وأصوليين مجتمعة علي أن أحاديث الآحاد في اتصالها بالرسول شبهة فلا تفيد اليقين‏,‏و لا تثبت بها عقيدة‏,‏ ولا يصح الاعتماد عليها في شأن المغيبات وهذا قول مجمع عليه وثابت بحكم الضرورة العقلية التي لا مجال للخلاف فيها عند العقلاء والطريق الوحيد لثبوت العقائد هو القرآن الكريم‏,‏ أ‏.‏هـ وبالرغم من ذلك فقد تفرق علماء الدين أمام هذه الأحاديث إلي طائفتين‏:‏
كثرة كاثرة آمنوا بها وكأنهم سمعوها من النبي بآذانهم‏,‏ وأشاعوها بين الناس‏,‏ وقلة قليلة اكتشفوا زيفها فألقوا بها وراء ظهورهم‏.‏
وكمثال لهذه القلة الإمام الشيخ محمود شلتوت‏,‏ حيث كتب يقول‏:‏ جاء القرآن بعبارات واضحة ا تحتمل التأويل بأن في العالم خلقا آخر غير الإنسان لا تري أشباحه ولا تعرف حقيقته‏,‏ فذكره الجن‏,‏ وجعلهم نوعا مقابلا للإنسان‏,‏ وخاطبهم كما خاطب الإنسان قائلا‏:‏ يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذورونكم لقاء يومكم هذا كذلك جاء القرآن بما يرشد إلي صلتهم بالناس واقرأ في ذلك من سورة الناس‏,‏ قوله تعالي‏:‏ من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس‏,‏ وقوله تعالي‏:‏ قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين‏.‏
أما ما وراء الوسوسة والإغواء‏,‏ من ظهورهم للإنسان العادي بصورتهم الأصلية أو بصورة أخري يتشكلون بها‏,‏ ومن دخولهم في جسده والاستيلاء علي حواسه‏,‏ ومن استخدامه إياهم في جلب الخير ودفع الشر‏,‏ واستحضارهم كلما أراد‏,‏ ومن استطلاع الغيب عن طريقهم‏,‏ ومن التزوج بهم ومعاشرتهم وغير ذلك مما شاع علي ألسنة الناس‏,‏ فهذا كله مصدره خارج عن نطاق المصادر الشرعية ذات القطع واليقين‏.‏
ومع هذا فقد تغلب الوهم علي الناس‏,‏ ودرج المشعوذون في كل العصور علي التلبيس وعلي درس هذه الأوهام في نفوس الناس‏,‏ واستغلوا بها ضعاف العقول والإيمان ووضعوا في نفوسهم أن الجن يلبس جسم الإنسان‏,‏ وأن لهم القدرة علي استخراجه‏,‏ وقد ساعدهم علي ذلك طائفة من المتسمين بالعلم والدين وأيدوهم بحكايات وقصص موضوعة‏(‏ أي مدسوسة‏)‏ أفسدوا بها حياة الناس‏(‏ محمود شلتوت‏,‏ الفتاوي‏).‏
ثم هذا رأي المرحوم الشيخ محمد الغزالي‏,‏ في الكتاب الذي اقتطفنا منه بعض الأحاديث عن الجن‏,‏ وللأسف فقد ذكرها الإمامان ابن حنبل وابن تيمية في كتبهما يقول الشيخ الغزالي‏:‏ إن ما يرويه صاحب كتاب‏:‏ لفظ المرجان في أحكام الجان أكثره خرافات وخيالات‏,‏ وإن ذكرها ابن حنبل وابن تيمية وغيرهما‏.‏
وبعد‏,‏ هذه بعض الأقوال الرشيدة ومنها نعلم أنه لا ينبغي الالتفات إلي تلك الأحاديث الغريبة التي ذكرت أحوال الجن‏,‏ والتناكح والتلاقح بين الجن والإنس ولا يصح اعتبارها من أصول الدين ولا فروعه‏.‏
بيد أن الذي يبعث علي الأسي ويثير الحيرة أن الفكر التقليدي السائد يستدبر تلك الأقوال الرشيدة‏,‏ ويستقبل الأحاديث الشاذة ذات العلل الفادحة‏,‏ يهمش لها ويرددها ويؤكدها فتجدها علي أسماع وألسنة العامة والمتعلمين وتظل الأفكار الصحيحة غير شائعة ولا ذائعة‏,‏ وتظل الأفكار المعيبة منشورة مشهورة‏,‏ تزحم الأرفف والأرصفة‏,‏ وتملأ الأشرطة والأثير‏!!‏
لواء محمد شبل