
|
النصوص الدينية.. والعفاريت |
قرأت التحقيق الممتاز عن الجن والعفاريت بالعدد392 بتاريخ25 سبتمبر2004, وتحقيقا لكم كلها منتقاة وجاذبة وتصيب الهدف. وأجزم أن للمسألة أصلا دينيا, فلنرجع إلي مصدري الدين: كتاب الله, وسنة رسوله: 1ـ القرآن الكريم, ثمة آية واحدة توهم بالمس الشيطاني هي قوله تعالي: الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس( البقرة275). وفسر المس هنا بأنه التلبس والدخول.. وهذا التفسير مردود بأن كلمة المس وردت بالقرآن أيضا بمعني الوسوسة في قوله تعالي: إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون( الأعراف201). والمعني أنه إذا طافت بهم وسوسة الشيطان تذكروا عداوته وكيده فإذا هم مبصرون الحق, فيرجعون. ثم إن بالقرآن نحو سبعين آية ذكر فيها اسم الشيطان وكلها تؤكد أنه ليس له في الإنسان إلا الوسوسة والإغراء, فهل نترك هذا العدد من الآيات القطعية ونمسك آية واحدة ظنية توهم بالمس الشيطاني؟! 2ـ الأحاديث: نسبت للنبي عليه الصلاة والسلام, أحاديث كثيرة عن أحوال الجن وعلاقتهم بالإنسان وقد جمعت هذه الأحاديث في كتب, منها كتاب لفظ المرجان في أحكام الجان للإمام جلال الدين السيوطي( ت911 هـ) نقتطف منه مايلي: ـ عن مجاهد عن رسول الله صلي الله عليه وسلم, قال: إذا جامع الرجل أهله ولم يسم( أي يقول بسم الله) انطوي الجان علي إحليله( عضو الذكورة) فجامع معه(!!). ـ عن ابن عباس قال: الله ورسوله نهيا أن يأتي الرجل امرأته وهي حائض فإذا أتاها سبقه الشيطان فحملت, فجاءت بالمخنث(!!). ـ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: أحد أبوي بلقيس كان جنيا(!)( بلقيس ملكة سبأ). ـ عن أسامة بن زيد قال: خرجت مع رسول الله صلي الله عليه وسلم إلي الحجة التي حجها, فأتته امرأة بابن لها فقالت: يا رسول الله هذا ابني ما أفاق من يوم ولدته إلي يومه هذا, فأخذه الرسول منها فتفل في فيه( أي بصق في فمه) وقال: أخرج يا عدو الله فإني رسول الله, قال: ثم ناولها إياه وقال: خذيه فلا بأس عليه(!!). هذه بعض من الأحاديث التي ذكرت الجن, وكلها أحاديث آحاد( أي رواها واحد عن واحد حتي وصلت إلي رسول الله), فهل نحن مكلفون بأن نؤمن به؟ لنستمع إلي ما ورد بتفسير المنار: هذه كلها من الأخبار الظنية لأنها من رواية الآحاد ولما كان موضوعها عالم الغيب( والجن من عالم الغيب) والإيمان بالغيب من قسم العقائد التي لا يؤخذ فيها بالظن, كنا غير مكلفين أن نؤمن بهذه الأحاديث. ولنستمع إلي الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت, شيخ الأزهر الأسبق: إن نصوص العلماء من متكلمين وأصوليين مجتمعة علي أن أحاديث الآحاد في اتصالها بالرسول شبهة فلا تفيد اليقين,و لا تثبت بها عقيدة, ولا يصح الاعتماد عليها في شأن المغيبات وهذا قول مجمع عليه وثابت بحكم الضرورة العقلية التي لا مجال للخلاف فيها عند العقلاء والطريق الوحيد لثبوت العقائد هو القرآن الكريم, أ.هـ وبالرغم من ذلك فقد تفرق علماء الدين أمام هذه الأحاديث إلي طائفتين: كثرة كاثرة آمنوا بها وكأنهم سمعوها من النبي بآذانهم, وأشاعوها بين الناس, وقلة قليلة اكتشفوا زيفها فألقوا بها وراء ظهورهم. وكمثال لهذه القلة الإمام الشيخ محمود شلتوت, حيث كتب يقول: جاء القرآن بعبارات واضحة ا تحتمل التأويل بأن في العالم خلقا آخر غير الإنسان لا تري أشباحه ولا تعرف حقيقته, فذكره الجن, وجعلهم نوعا مقابلا للإنسان, وخاطبهم كما خاطب الإنسان قائلا: يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذورونكم لقاء يومكم هذا كذلك جاء القرآن بما يرشد إلي صلتهم بالناس واقرأ في ذلك من سورة الناس, قوله تعالي: من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس, وقوله تعالي: قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين. أما ما وراء الوسوسة والإغواء, من ظهورهم للإنسان العادي بصورتهم الأصلية أو بصورة أخري يتشكلون بها, ومن دخولهم في جسده والاستيلاء علي حواسه, ومن استخدامه إياهم في جلب الخير ودفع الشر, واستحضارهم كلما أراد, ومن استطلاع الغيب عن طريقهم, ومن التزوج بهم ومعاشرتهم وغير ذلك مما شاع علي ألسنة الناس, فهذا كله مصدره خارج عن نطاق المصادر الشرعية ذات القطع واليقين. ومع هذا فقد تغلب الوهم علي الناس, ودرج المشعوذون في كل العصور علي التلبيس وعلي درس هذه الأوهام في نفوس الناس, واستغلوا بها ضعاف العقول والإيمان ووضعوا في نفوسهم أن الجن يلبس جسم الإنسان, وأن لهم القدرة علي استخراجه, وقد ساعدهم علي ذلك طائفة من المتسمين بالعلم والدين وأيدوهم بحكايات وقصص موضوعة( أي مدسوسة) أفسدوا بها حياة الناس( محمود شلتوت, الفتاوي). ثم هذا رأي المرحوم الشيخ محمد الغزالي, في الكتاب الذي اقتطفنا منه بعض الأحاديث عن الجن, وللأسف فقد ذكرها الإمامان ابن حنبل وابن تيمية في كتبهما يقول الشيخ الغزالي: إن ما يرويه صاحب كتاب: لفظ المرجان في أحكام الجان أكثره خرافات وخيالات, وإن ذكرها ابن حنبل وابن تيمية وغيرهما. وبعد, هذه بعض الأقوال الرشيدة ومنها نعلم أنه لا ينبغي الالتفات إلي تلك الأحاديث الغريبة التي ذكرت أحوال الجن, والتناكح والتلاقح بين الجن والإنس ولا يصح اعتبارها من أصول الدين ولا فروعه. بيد أن الذي يبعث علي الأسي ويثير الحيرة أن الفكر التقليدي السائد يستدبر تلك الأقوال الرشيدة, ويستقبل الأحاديث الشاذة ذات العلل الفادحة, يهمش لها ويرددها ويؤكدها فتجدها علي أسماع وألسنة العامة والمتعلمين وتظل الأفكار الصحيحة غير شائعة ولا ذائعة, وتظل الأفكار المعيبة منشورة مشهورة, تزحم الأرفف والأرصفة, وتملأ الأشرطة والأثير!!
لواء محمد شبل |
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|