395‏السنة 123-العدد2004اكتوبر16‏2 رمضان 1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

حتي لا تؤدي موجة قطع الرؤوس
في العراق إلي تشويه الإسلام

الذبح‏..‏ اختراع غــربي

تحقيق ــ محمد عيسي


عندما خرجت علي العالم مشاهد قطع الرءوس وذبح الرهائن في العراق‏,‏ كان الانطباع الأول صادما وظالما‏,‏ صادما لأن لا أحد يمكنه أن يتحمل ذبح إنسان برئ‏,‏ رحل من بلده طلبا للرزق مهما كانت جنسيته أو دينه‏,‏ وظالما لأن الصحافة الغربية ذبحت الإسلام والعرب بنفس السيف‏,‏ حين ذهب عدد كبير من كتاب الغرب إلي أن الذبح هو جزء أصيل من ثقافة المسلمين والعرب‏,‏ بل إن بعضهم كان أكثر تطرفا واعتبر أنه خرج من رحم العقيدة الإسلامية‏.‏
قبل أن يكمل هؤلاء حملتهم عليهم أن يعودوا للوراء قليلا ويقلبوا في صفحات تاريخهم الحافل بقطع الرؤوس إذ يعتبر الغرب بأكمله أول من طور الأدوات اللازمة لذلك‏,‏ فبداية من اليونانيين والرومان كان قطع الرأس هو الوسيلة المفضلة في تنفيذ أحكام الإعدام علي المتهمين‏,‏ وكانوا يعتبرونه الوسيلة المثلي نظرا لأنها أقل تكلفة وأسرع في تنفيذ الحكم وبالتالي لا تسبب ألما مثل الإعدام بالشنق أو رميا بالرصاص‏.‏
مجرد بحث بسيط علي شبكة الإنترنت علي كلمة‏Beheading‏ سوف تظهر المئات من المواقع التي تحكي تاريخ استخدام عقوبة قطع الرأس في تنفيذ أحكام الإعدام‏,‏ حيث كان يستخدم بشكل موسع في أوروبا وآسيا حتي مطلع القرن العشرين‏.‏
وعودة إلي تاريخ أوروبا في تنفيذ الأحكام علي المجرمين بقطع رؤوسهم لنأخذ علي سبيل المثال دولة مثل المملكة المتحدة البريطانية‏,‏ فقد ظلت هذه الوسيلة مستخدمة حتي عام‏1747,‏ كما كانت الطريقة المفضلة والمعتمدة في النرويج إلي أن تم إلغاؤها عام‏1905,‏ وفي السويد حتي عام‏1903,‏ وفي الدنمارك وهولندا حتي عام‏1870,‏ كما كان الذبح يطبق أيضا في فرنسا علي نوعيات معينة من المساجين وظل معمولا به هناك حتي عام‏1792,‏ وتعد ألمانيا آخر الدول التي منعت تنفيذ أحكام الإعدام بقطع رأس المجرم حيث إنه لم يتم إلغاء هذه الطريقة إلا في عام‏.1938‏
وفي آسيا كانت الصين أكثر دول هذه القارة استخداما لهذه الوسيلة‏,‏ وظل العمل بها في إعدام المجرمين حتي مجيء الشيوعيين وإعتلائهم للحكم‏,‏ والذين استبدلوا قطع الرأس بالإعدام رميا بالرصاص في بداية القرن العشرين‏,‏ وفي اليابان تم إلغاء هذه الطريقة في نهاية القرن التاسع عشر‏,‏ واستبدلوها بالإعدام شنقا‏.‏
الذبيح الأمريكى بول جونسون
أدوات قطع الرأس

هناك ثلاث طرق لقطع الرأس‏,‏ كانت تستخدم في أوروبا‏,‏ الأولي بالسيف وهي الأكثر شيوعا‏,‏ والثانية بالفأس‏,‏ والثالثة بالمقصلة‏,‏ وطريقة استخدام السيف كانت تتم بعد أن يجلس المجرم علي ركبتيه ويرفع رأسه لأعلي‏,‏ وفي ألمانيا كان يتم السماح للمرأة بالجلوس علي كرسي عند تنفيذ هذا الحكم عليها‏,‏ وكانت للسيف المستخدم معايير محددة حيث يتراوح طوله ما بين‏90‏ إلي‏120‏ سنتيمترا‏,‏ وعرضه ما بين‏5‏ إلي‏6‏ سنتيمترات‏,‏ وكان يتحتم علي منفذ الحكم أن يمسك السيف بيديه الاثنتين حتي يضمن ضربة قوية تنهي الحياة في لحظة حتي لا يتألم المجرم كثيرا‏,‏ كما يجب ألا يزيد هذا السيف بمواصفاته علي‏2‏ كيلوجرام‏.‏
أما بالنسبة لمواصفات الفأس‏,‏ فكان له يد خشبية وسن حاد ارتفاعه ما بين‏40‏ إلي‏50‏ سنتيمترا بحيث يشمل رقبة المجرم ولا يتبقي منها شيء حين قطعها‏,‏ وطريقة التنفيذ بالفأس كانت تختلف بعض الشيء حيث كان المنفذ يجلس نفس جلسة من ستقطع رقبته بالسيف أي علي ركبته‏,‏ مع وجود كتلة خشبية أمامه يضع رأسه عليها وبعدها تقع الضربة‏,‏ وكانت هذه الطريقة بالفأس هي المفضلة في ألمانيا وبريطانيا‏,‏ إلي أن تم استبدال هاتين الطريقتين السيف والفأس بالطريقة الثالثة وهي المقصلة في عام‏1903,‏ وكان ذلك في دولة السويد التي نفذت أحكام قطع الرأس في حوالي‏600‏ شخص منهم‏200‏ امرأة‏,‏ وتعد آنا مانسروتر أشهر سيدات السويد اللاتي تم تنفيذ هذا الحكم عليهن حيث كانت متهمة بخنق زوجة ابنها بير‏,‏ لأنها كانت علي علاقة جنسية شاذة مع ابنها‏,‏ لكن تم الحكم عليه بالسجن مدي الحياة وهي بقطع رأسها‏.‏
وقد شهدت بريطانيا أول حالة لقطع الرأس في عهد وليام الفاتح‏,‏ وذلك في عام‏1076,‏ وتم تنفيذ الحكم علي شخص يدعي وليلثيوف بتهمة الخيانة العظمي للدولة‏,‏ وقليلا ما كانت تنفذ علي المواطنين العاديين‏,‏ لكنها في الغالب كانت تطبق علي الأمراء والنبلاء الذين يتهمون بخيانة الوطن‏,‏ ومن أشهر هذه الحالات‏,‏ قطع رؤوس تشارلز الأول‏,‏ الملكة ماري‏,‏ ملكة استكلتندا‏,‏ والليدي جيني جيري وآنبي بولييان ـ‏29‏ عاما ـ زوجة هنري الثامن بتهمة الخيانة العظمي أيضا‏,‏ كما كان يطبق أيضا علي الفرسان والقساوسة‏,‏ وغالبية أحكام قطع الرأس كان ميدان برج لندن هو المكان المفضل‏.‏
وبالنسبة لتنفيذ هذه النوعية من الأحكام في ألمانيا‏,‏ فقد كانت تتم في بعض المقاطعات باستخدام الفأس وفي الأخري بالسيف أو المقصلة وقد شهد الألمان أول حكم بقطع الرأس في عام‏1851,‏ ويعتبر فرانز شميرت‏,‏ أحد أبرز المنفذين لهذه الأحكام وقد نفذ فرانز هذا الحكم في أكثر من‏42‏ سيدة خلال‏44‏ سنة قضاها في هذه المهنة‏,‏ ومن ضمن من نفذ فرانز فيهن حكم الإعدام بقطع رأسها السيدة بيرثا زيلمان وذلك في‏31‏ أكتوبر من عام‏1893,‏ بعد أن وضعت السم لزوجها‏,‏ وتم تنفيذ الحكم في سجن بلوتزنسي‏,‏ ومن أشهر الحالات التي شهدت ألمانيا في ثلاثينيات القرن الماضي وتحديدا في‏18‏ فبراير‏1935,‏ تنفيذ قطع الرأس علي بارونيس بينيتا وصديقته ريناني فون ناتزنيز بعد اتهامهما بالتجسس والتخابر لصالح دولة معادية‏,‏ وفي عام‏1938,‏ أمر هتلر بحظر استخدام السيف في تنفيذ قطع الرؤوس وأن يقتصر الإعدام علي الشنق أو بالمقصلة‏,‏ واستمر الإعدام بالمقصلة ساريا حتي عام‏.1949‏
وفي السعودية تم تنفيذ أحكام قطع الرأس علي القتلة والمغتصبين واللواطين وفي جرائم السرقة بالإكراه‏,‏ وظل الأمر مقتصرا علي تنفيذ قطع الرأس عي الرجال حتي التسعينيات التي شهدت بداية تطبيق نفس العقوبة علي النساء أيضا‏,‏ وغالبا ما يتم تنفيذها في المدن الكبري مثل الرياض وجدة‏.‏
صورة تليفزيونية لعملية ذبح الرهينة الكورى
التراجع

لأسباب معينة تراجع الغرب عن تنفيذ أحكام قطع الرؤوس أهمها غياب الرجل القادر علي تنفيذ هذا الحكم بمهارة‏,‏ ومن أول ضربة‏,‏ هذا بالإضافة إلي أنه في كل حالات التنفيذ لا يسكن المجرم بل يظل يتحرك شمالا ويمينا‏,‏ والنتيجة أنه في بعض الحالات كانت ضربات من ينفذ الحكم غير صائبة‏,‏ وبالتالي تنتج عنها آلام حادة للمجرم قبل أن تزهق روحه‏,‏ لذا انتشرت في فترة من الفترات ـ في الغرب ـ الإعدام بالشنق أو رميا بالرصاص‏,‏ ثم تطورت الأمور إلي أن منعت الكثير من الدول عقوبة الإعدام‏,‏ واستبدالها بالسجن مدي الحياة‏.‏
الإسلام لا يعرف الذبح

وردا علي ما أثاره بعض الكتاب في الغرب حول العلاقة بين قطع الرؤوس والدين الإسلامي‏,‏ وخاصة بعد أن تكررت مع العديد من الرهائن في العراق يقول الدكتور عبدالصبور شاهين‏,‏ أستاذ علوم القرآن ووكيل كلية دار العلوم سابقا‏,‏ إنه لا يمكن اتخاذ قصة إسماعيل مقياسا ترد إليه مثل هذه الأعمال وتيسيرها في العصر الحاضر للنيل من الدين الإسلامي‏,‏ لأن قصة إسماعيل انتهت في النهاية بأنه لم يذبح وإنما فداه الله بذبح عظيم‏,‏ وليس هناك شيء في الإسلام اسمه الذبح بداية من سيدنا إبراهيم وحتي سيدنا محمد‏,‏ لكن ما يحدث الآن ما هو إلا خلط في تفسير بعض الظواهر المعاصرة لدمجها في التاريخ المزيف الذي يراد به تشويه التاريخ الإسلامي‏.‏
وبالنظر إلي ما يحدث من تصرفات لبعض الفصائل المقاومة في العراق بذبح بعض الرهائن أو ما شابه ذلك فإنما يجب أن يتم تفسيره في الإطار الذي تحدث فيه هذه الجرائم‏,‏ فالمقاومة لا تعبر عن الدين الإسلامي بالضرورة‏,‏ فالإسلام لا يقر ذبح المدنيين في أوقات الحروب والأزمة أن الغرب يهوي دائما استغلال أي سلوكيات وتصرفات كحجة علي الدين الإسلامي‏.‏
كما أن قوات الاحتلال الأمريكي جزء من المسألة‏,‏ فهي لا تذبح واحدا‏,‏ وإنما تذبح شعبا بأكمله‏,‏ ولا يمر يوم إلا والصواريخ تهبط علي السكان الآمنين فتحولهم إلي رماد دون رحمة أو نظرة إلي معني الإنسانية‏.‏
وفي تفسيره لأسباب اختيار هذه الفصائل لطريقة ذبح الرهائن يؤكد دكتور عبدالصبور شاهين‏,‏ أنه في الحقيقة رد فعل لا يستند إلي مرجعية دينية في وسيلة القتل لم يحدث من جرائم للاحتلال فقد يذهب ضحيته بعض الذين يتعاونون مع الاحتلال ويخدمون قواته‏,‏ إما بالتجسس لصالحه أو بالإرشاد عن المقاومة وتقديم العون المادي له‏,‏ وهي جريمة ينتهي من يحاكم بها إلي الإعدام في نظر عناصر المقاومة‏,‏ وبصرف النظر عن اتفاقنا أو اختلافتنا معهم‏,‏ فهي لا تعد حجة علي الإسلام‏,‏ لأن اصحابها أنفسهم لا يرفعون شعار أن الذبح هو الأسلوب الإسلامي للتعامل مع هذه الأمور‏.‏
وفي النهاية أؤكد علي أن الذبح ليس ثقافة إسلامية‏,‏ وإنما كان طريقة متبعة في الغرب بأكمله وهو ما يدحض ادعاءات هؤلاء الذين يريدون إلصاقه بالإسلام فقط‏*‏