395‏السنة 123-العدد2004اكتوبر16‏2 رمضان 1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

حديث العالم
حقا‏..‏ أين تقف القضية الفلسطينية بالضبط؟

د‏.‏ عبدالمنعم سعيد


انتهت المناظرة الخاصة بالسياسة الخارجية بين ساكن البيت الأبيض الجمهوري جورج دبليو بوش‏,‏ ومتحديه الديمقراطي جون كيري‏,‏ دون أن ترد كلمة فلسطين وقضيتها مرة واحدة علي لسان طرفي المعركة الانتخابية للرئاسة الأمريكية‏,‏ وعندما تمت المناظرة بين نائب رئيس الجمهورية ديك تشيني ونائب رئيس الجمهورية المرشح جون إدواردز لم تكن هناك نقطة اتفاق واحدة بين الطرفين‏,‏ اللهم في نقطة واحدة سريعة وهي إلقاء اللوم علي الرئيس عرفات خاصة والطرف الفلسطيني في العموم في توقف عملية السلام‏,‏ وحدثت هذه المناظرة وتلك بينما كانت القوات الإسرائيلية تقوم بأبشع عملياتها العدوانية ضد الفلسطينيين‏,‏ وبقسوة ضد المدنيين لا تقل عن تلك الموجهة إلي الفصائل العسكرية الفلسطينية المختلفة‏,‏ وعندما طرح الموضوع برمته علي مجلس الأمن منع حق الفيتو الأمريكي المجلس من اتخاذ قرار عاجز يدين إسرائيل‏,‏ ولكن ما لا يقل أهمية كان امتناع ألمانيا التي تستضيف العالم العربي في معرض فرانكفورت الدولي للكتاب عن التصويت لأن إسرائيل كما قال الممثل الألماني لها حق الدفاع عن نفسها‏.‏
وعلي مدي الشهور السابقة فإن القضية الفلسطينية كلها سقطت من الوعي الدولي‏,‏ وكما جاء في مقال مهم للأستاذ فهمي هويدي في الأهرام ـ‏5‏ أكتوبر‏2004,‏ فإن القضية سقطت مرة ثانية من الوعي العربي هو الآخر‏,‏ وبينما أتي الكلام الأخير في معرض اللوم ولطم الخدود العربي المعتاد‏,‏ والتعجب المستمر من انقلاب الأحوال وتغير القيم وضعف تأثير الثوابت علي طوائف متنوعة من أصحاب القلوب الواهنة‏,‏ فإن السؤال المنطقي حول المسئولية عن الحال لم يطرح قط‏,‏ وهي مسئولية لا يمكن تحديدها ما لم نعرف الأخطاء المتعلقة بتعريف الموقف وتحديد القضايا المرتبطة به‏,‏ ومعرفة معطيات الحالة والقدرات المادية والمعنوية المرتبطة بها‏,‏ ثم اختيار الإستراتيجية والتكتيك بين ما هو متاح وممكن‏,‏ وليس مما هو متخيل ومفترض‏.‏
ولم يحدث في التاريخ أن تم حل قضية وفق رغبات أصحابها استنادا فقط إلي قيم الحق والباطل‏,‏ ولو أن الألمان اعتمدوا علي حقهم في دولة غير مقسمة فقط‏,‏ لما استطاعوا إعادة توحيد ألمانيا بعد نصف قرن من التقسيم‏,‏ كما لم يحدث في التاريخ أن تم التعامل مع قضية واحدة باعتبارها هي كل قضايا الحياة والموت‏,‏ والحق والباطل‏,‏ وبدونها لا يكون لا عيش ولا حياة‏,‏ ولو كان الأمر كذلك لما أبقت الهند وباكستان علي علاقاتهما رغم قضية كشمير‏,‏ ولا بقيت الجسور مفتوحة بين طوكيو وروسيا رغم احتلال الأخيرة لجزر الكوريل التي تطالب بها الأولي منذ زمان طويل‏,‏ ولا تعايشت ماليزيا مع سنغافورة رغم اعتبار الأولي للأخيرة جزءا من تراثها التاريخي‏,‏ وانتزاعا صينيا استيطانيا لأراض إسلامية خالصة‏.‏
وربما كانت هذه الحالة من الخصوصية الشديدة للقضية الفلسطينية في نظر أصحابها هو الذي أوصلها إلي الطريق المسدود الذي وصلت إليه‏,‏ وعندما تبدو قضية مستحيلة الحل‏,‏ ولا يجد أصحابها فائدة في كل الحلول السلمية من أول كامب ديفيد الأولي وحتي أوسلو وكامب دافيد الثانية‏,‏ فإن أنصارها‏,‏ فضلا عن أعدائها لابد وأن يأخذوا في الانصراف واحدا بعد الآخر‏,‏ وعندما يعجز أصحاب القضية وأنصارها عن تكوين سلطة شرعية واحدة قادرة علي تمثيلها والدفاع عنها‏,‏ وعلي العكس يؤيدون بالعاطفة والحماس وجود سلطات متعددة تمارس الانتحار الفردي والجماعي‏,‏ فإن أحدا في العالم لا يجد مصلحة في تكريس وسيلة للتعامل الدولي تقوم بالأعمال ذاتها في ساحة ممتدة من بالي وحتي مركز التجارة العالمي في نيويورك‏,‏ وعندما تجد شعوب وأمم عربية أنها حكمت بالحديد والنار من أجل يوم التحرير الموعود للأراضي الفلسطينية ومقدساتها‏,‏ وتمضي الأيام والسنون والعقود بلا تحرير بينما الحديد والنار وزبانية الجحيم سائد بقسوة بالغة‏,‏ فما هي المفاجأة عندما نكتشف الجسور العراقية مع إسرائيل‏.‏
ما وصلت إليه القضية الفلسطينية مثير للحزن لدي أجيال كاملة في العالم العربي عاشت وتربت علي اعتبارها قضية العرب المركزية‏,‏ ولكن القضية لا تكون مركزية ومؤثرة علي السياسة والاقتصاد والمجتمع والثقافة ما لم تقم بصفاتها المحورية وهي أن تكون قابلة للحركة والتقدم نحو الهدف المنشود‏,‏ أما عندما تقام لها حوائط من الأهداف المستحيلة‏,‏ وتتسع الفجوة بين الأهداف والقدرات‏,‏ ويجري تصور قيام الانتحار بالتحرير‏,‏ ويتم تجاهل المواقف العالمية وروابطها العضوية خاصة بعد انتهاء الحرب الباردة وزوال الاتحاد السوفيتي‏,‏ فإن الاندهاش من الحال هو الذي يكون داعيا للاندهاش‏.‏
وهنا علي وجه التحديد يمكن الوقوف علي أين توجد القضية بالضبط‏,‏ فهي تقف عند النقطة التي يدفع فيها العرب والفلسطنيون في مقدمتهم ثمن سياسات بدأت بالفشل في التعامل مع المقترحات الأمريكية والغربية ما بين كامب ديفيد الثانية وحتي مقترحات كلينتون في ديسمبر‏2000,‏ وقيام قوي سياسية فلسطينية تؤيدها قوي واسعة من الإسلام السياسي بعسكرة الانتفاضة وانتزاع السلطة الحقيقية من السلطة الوطنية الفلسطينية وإدارة الصراع مع إسرائيل خلال السنوات الأربع الماضية‏.‏
هذه هي النقطة التي نقف فيها ولا يريد كهنة الإسلام السياسي الاعتراف بها‏,‏ وبمسئوليتهم عنها عندما أداروا الصراع بالطريقة التي تصرف التأييد الدولي عن القضية‏,‏ وتعضد مواقع اليمين المتطرف الإسرائيلي في إسرائيل‏,‏ وتؤيد مواقف متطرفة علي مستوي العالم تدفع بعيدا عن القضية تأييد روسيا والصين والهند‏,‏ أو تجعل التأييد باردا كالثلج‏,‏ وفي ذات النقطة سوف نجد ما يكفي من العجب لدي نفس الطائفة‏,‏ فبعد تحرير‏40%‏ كليا أو جزئيا من أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة من خلال اتفاقيات أوسلو‏,‏ نجد الذين قادت سياستهم إلي إعادة احتلالها مرة أخري يحاولون من ناحية رفض الجهود المصرية للعودة لها مرة أخري‏,‏ ومن ناحية أخري بدعوي أن الانسحاب الإسرائيلي إذا حدث فهو نتيجة أعمال المقاومة الانتحارية الاستشهادية‏,‏ في الوقت الذي يصرون فيه علي الحفاظ علي حقهم في الحركة العسكرية المنفردة وهو الذي يجعل من المستحيل توحيد الجهات الأمنية في فلسطين وهو أول الشروط المؤيدة لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي‏!‏
كل ذلك يبدو غير مفهوم‏,‏ وينتمي إلي عالم التكتيك وليس إلي عالم الإستراتيجية حينما تريد أطراف الكسب السياسي من كل شيء مهما كانت علاقاته مقطوعة مع ما يحدث علي الأرض‏,‏ فهي تكسب عندما لا يتم الانسحاب ومع كل اعتداء علي الشعب الفلسطيني‏,‏ وتكسب إذا ما تم الانسحاب من الأراضي الفلسطينية‏,‏ وعندما يكون الحال كذلك فإن جمود القضية كلها يصبح هو النتيجة الطبيعية‏,‏ وعندما يصبح الجمود هو النتيجة فإن أوضاعا إستراتيجية علي مستوي الإقليم والعالم تبدأ في الحركة‏,‏ واحتلال المسرح‏,‏ ومعها تتغير المصالح والعلاقات والتحالفات‏,‏ ولا يبقي لدي أصحاب القضية إلا ضرب الكفة بالكفة الأخري حسرة وتعجبا‏!‏


للرد على المقال أضغط هنا